ربيت بنتي بقلم زيزي احمد
ربّيت بنتَيّ التوأم من ذوي الإعاقة لوحدي بعد ما أمهم سابتنا وهما عندهم 6 سنين... وبعد 12 سنة، في عيد الأب، بصّولي وقالولي يا بابا... إحنا مخبيين عنك سر من سنين.
كان عندي بنتين توأم، ليلى ورنا، وكانوا عندهم ست سنين بس لما حياتنا اتقلبت رأسًا على عقب.
قبل اليوم ده، البيت كله كان مليان ضحك.
كانوا بيعشقوا العوم.
ويجروا في الجنينة ورا بعض.
ويرقصوا في المطبخ وأنا بعمل الأكل.
لحد ما في يوم مطر...
سواق مستهتر عمل حادثة قلبت حياتنا.
أمهم سمر هي اللي كانت سايقة.
هي خرجت من الحادث بكام كدمة بسيطة...
لكن بنتَيّ عمرهم ما قدروا يمشوا تاني.
فاكر كويس وأنا قاعد جنب سريرهم في المستشفى، والدكاترة بيشرحولي إن إصابة العمود الفقري خطيرة.
مسكت إيد كل واحدة فيهم، ووعدتهم إني عمري ما هسيبهم.
كنت فاكر إن أمهم هتوعدهم بنفس الوعد.
لكن كنت غلطان.
بعدها بثلاث أسابيع...
رجعت البيت لقيت ورقة لازقة على التلاجة.
مكتوب فيها
أنا مش هقضي باقي عمري بدزق كراسي متحركة... وبعدين أصلاً إنت اللي كنت عايز تخلف.
وبس.
لا وداع.
ولا اعتذار.
اختفت.
ومن ساعتها...
ولا مرة اتصلت.
ولا زارتهم.
ولا حتى بعتت لهم كارت عيد ميلاد.
فبقيت أنا كل حاجة.
أبوهم.
وأمهم.
والممرض.
والسواق.
والحامي.
وأكبر مشجع ليهم.
اتعلمت أضفر شعر البنات من فيديوهات على النت بالليل.
اشتغلت شغلانتين...
وبعدين تلاتة.
بعت بيتنا.
وبعت العربية.
وحتى ساعة أبويا الله يرحمه.
كل جنيه كان بيروح على العلاج.
وكل دقيقة فاضية كانت ملك ليلى ورنا.
كان في ليالي بقعد فيها لوحدي في الضلمة، حاسس إني مخنوق ومش قادر أكمل.
لكن أول ما كانوا يضحكوا الصبح...
كنت بلاقي القوة ترجعلي من جديد.
هم عمرهم ما استسلموا.
وأنا كمان ماكانش ينفع أستسلم.
الدكاترة قالوا إن احتمال إنهم يمشوا تاني ضعيف جدًا.
بس البنات قرروا ما يسمعوش الكلام ده.
من خمس شهور...
ليلى وقفت على رجليها.
ثواني بس...
لكن وقفت.
وبعدها أخدت تلات خطوات وهي بتترعش.
بعدها بأسبوع...
رنا عملت نفس الحاجة.
يومها عيطت أكتر من أي مرة في حياتي.
حسيت إن الأمل رجع تاني.
افتكرت إن ده أسعد يوم في عمري.
لكن كنت غلطان.
لأن اللي حصل في عيد الأب غيّر كل حاجة.
كنا قاعدين بناكل بان كيك، وبنشرب قهوة وعصير برتقان.
ولاحظت إن ليلى ورنا كل شوية يبصوا لبعض بتوتر.
وفجأة...
ليلى مدت إيدها ومسكت إيدي.
وقالت بصوت مهزوز
يا بابا... بالله عليك ماتزعلش.
قلبي وقع.
رنا وطت راسها وقالت
إحنا مخبيين عنك سر بقاله سنين.
سر؟
أول حاجة جت في دماغي...
سمر.
هي رجعت وكلمتهم؟
قبل ما ألحق أسأل...
جرس الباب رن.
البنتين اتجمدوا مكانهم.
وبصوا لبعض.
في اللحظة دي...
عرفت إن دي مش صدفة.
قمت وأنا إيدي بتترعش، وروحت ناحية الباب.
وألف احتمال وحش كان بيلف في دماغي.
فتحت الباب...
واتصدمت.
كان واقف قدامي راجل شعره كله أبيض، لابس بدلة غالية شيك جدًا.
وفي إيده علبة صغيرة مخمل لونها أحمر.
أول ما عرفته...
حسيت نفسي مش قادر أتنفس.
ورجلي كانت هتخونّي.
وكل اللي قدرت أقوله كان...
يا نهار أبيض...
إيه اللي جابه هنا؟
ليه يا بنات... ليه جبتوه؟
بقلم_زيزي_احمد
الراجل فضل واقف قدام الباب، وعينيه مليانة تردد، كأنه حافظ كلام كتير وجاي يقوله، لكن أول ما شافني نسيه كله.
قال بهدوء ممكن أدخل؟ خمس دقايق بس... وبعدها لو طلبت أمشي، همشي.
بصيت للبنات، لقيت وشوشهم شاحبة، وعيونهم مليانة خوف.
قلت بحدة مين سمحلك تيجي هنا؟
ليلى همست إحنا يا بابا...
لفيت ناحيتها بسرعة.
إنتوا؟
رنا دموعها نزلت وهي قالت إحنا اللي كلمناه.
حسيت الدنيا لفت بيا.
الراجل قال أنا مش جاي أوجعك... والله العظيم.
دخل وقعد على طرف الكنبة، وحط العلبة الحمرا على الترابيزة من غير ما يفتحها.
فضل يبص في صور البنات المعلقة على الحيطة.
صور العلاج.
وصور المدرسة.
وصورهم وهما بيضحكوا على الكراسي المتحركة.
اتنهد وقال كبروا... بقى عندهم تمنتاشر سنة.
استغربت.
إنت تعرف أعمارهم؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
بعرف عنهم أكتر مما تتخيل.
الكلمة دي ضايقتني.
يعني إيه؟
طلع ملف سميك من شنطة جلد كانت معاه.
وحطه قدامي.
افتح.
رفضت ألمسه.
قال الملف ده فيه كل التقارير الطبية من أول يوم بعد الحادث.
استغربت أكتر.
أنا عمري ما اديت التقارير دي لحد.
قلبت أول ورقة...
وكان عليها ختم نفس المستشفى.
وآخر صفحة كان عليها إيصالات تحويلات مالية بمبالغ كبيرة.
بصيتله بعدم فهم.
قال كل جلسات العلاج الطبيعي المكلفة اللي اتعملت آخر عشر سنين... حد كان بيدفع نص تكلفتها.
اتجمدت.
أنا كنت فاكر إن المستشفى هي اللي عاملة خصومات.
قال لا... ماكنتش خصومات.
سكت ثانية.
كنت أنا.
ليلى بدأت تعيط.
أما رنا فكانت ماسكة طرف الكرسي بقوة.
صرخت ليه؟!
رد بهدوء لأن ضميري عمره ما سابني.
قلت بعصبية أنا معرفكش أصلاً.
هز راسه.
عارف.
يبقى ضمير إيه؟
فتح العلبة الحمرا.
كان جواها مفتاح قديم، وميدالية فضة باهتة.
أول ما شفتها...
عرفتها.
كانت ميدالية عربية أبويا القديمة.
العربية اللي اتباعت بعد الحادث عشان أقدر أكمل علاج البنات.
مسكتها بإيدي وأنا مذهول.
إنت جبتها منين؟
قال احتفظت بيها من يوم ما اشتريت العربية.
رفعت عيني ناحيته.
إنت... إنت اللي اشتريت العربية؟
هز رأسه بالإيجاب.
ولما عرفت إنها كانت آخر حاجة بعتها، فضلت محتفظ بيها... يمكن ييجي يوم أرجعهالك.
فضل الصمت مالي المكان.
حتى صوت الساعة على الحيطة كان مسموع.
بعد لحظات، قالت ليلى بصوت مكسور يا بابا... إحنا عرفناه من سنة.
بصيت لها بصدمة.
سنة؟
هزت رأسها.
بالصدفة.
رنا كملت كنا بندور على أوراق قديمة تخص العلاج... ولقينا اسمه متكرر في التحويلات.
قلت بسرعة وليه مخبيتوش عليا؟
ليلى قالت وهي بتمسح دموعها لأنه طلب مننا مانقولكش غير لما يبقى عنده الشجاعة يقف قدامك بنفسه.
بصيت للراجل.
إيه علاقتك بينا؟
أخذ نفسًا طويلًا، وبان عليه إنه بيجمع شجاعته.
ثم مد إيده في جيب بدلته، وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا، عليه تاريخ من 12 سنة، ولم يفتحه أحد منذ ذلك اليوم.
حطه قدامي وقال بصوت مرتعش
قبل ما تجاوبني... افتح الظرف ده الأول، لأنه هيشرح كل حاجة حصلت في يوم الحادث... وحاجة واحدة بس كنت مخبيها طول السنين دي.
مددت إيدي ناحية الظرف... لكن قبل ما أفتحه، لمحت ليلى ورنا بيبصوا لبعض بنفس النظرة القلقة اللي شفتها الصبح، وكأنهم عارفين إن اللي جواه هيغيّر حياتنا كلنا مسكت الظرف بإيد مرتعشة، وفضلت أبصله كام ثانية.
التاريخ المكتوب عليه كان نفس تاريخ الحادث.
فتحتُه ببطء.
كان جواه جواب، وصورة صغيرة، ونسخة من تقرير رسمي.
بدأت أقرا.
إلى الأستاذ أحمد...
لو الجواب ده وصلك، يبقى أخيرًا قدرت أواجهك.
أنا اسمي نبيل منصور، وكنت أول واحد وصل مكان الحادث قبل الإسعاف بدقائق.
رفعت عيني للراجل.
قال بهدوء كمّل.
رجعت للجواب.
يومها كنت راجع من شغلي، وشفت العربية وهي متقلبة وسط المطر.
جريت عليهم من غير تفكير.
أول واحدة خرجتها كانت بنت صغيرة...
وبعدها التوأم...
وبعدها زوجتك.
وقفت عن القراءة.
كل مشهد من اليوم ده رجع قدام عيني.
ريحة المطر.
صوت الزجاج المكسور.
وصريخ الناس.
كمّلت.
كنت شاهد على كل حاجة، لكن لما الشرطة وصلت، كنت في المستشفى مع المصابين، وماحدش أخد أقوالي وقتها.
بصيت للتقرير.
كان محضرًا رسميًا مضافًا بعد الحادث بأيام، لكن واضح إنه ماوصلش ليا أبدًا.
قلت باستغراب أنا أول مرة أشوف الورق ده.
نبيل هز رأسه.
لأن الملف اتحفظ مع أوراق القضية، وبعدها اتقفل.
ليلى سألت يعني حضرتك فضلت ساكت كل السنين دي؟
قال بأسف كنت فاكر إن وجودي مش هيغير حاجة... لكن كل سنة كانت بتعدي، والذنب كان بيكبر.
سألته وذنب إيه؟ إنت أنقذت بناتي.
رد بصوت منخفض لأ... في حاجة تانية.
سكت لحظة، ثم أكمل
وأنا بحاول أخرجهم من العربية، كان فيه شنطة صغيرة مرمية بعيد.
استغربت.
شنطة؟
أومأ برأسه.
جمعتها مع باقي المتعلقات، ولما رجعت بيتي لقيت جواها ظرف باسمك.
اتسعت عيناي.
ظرف باسمي؟
أيوه... وخفت أفتحه. فضل عندي كام يوم، وبعدها حاولت أوصلك، لكن عرفت إنكم نقلتم من البيت بعد بيع المنزل.
ليلى قالت بسرعة وده الظرف؟
أشار إلى الظرف الأصفر.
أيوه.
حسيت بمرارة.
كل السنين