ربيت بنتي بقلم زيزي احمد
المحتويات
دي... والظرف كان تايه.
فتحت الورقة التانية الموجودة جواه.
كانت بخط إيد أعرفه كويس.
خط أبويا.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
يا أحمد... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا ماعدتش موجود، أو الظروف منعتني أقولك الكلام ده بنفسي.
اتجمدت.
آخر رسالة من أبويا.
كان كاتب فيها إنه باع قطعة أرض صغيرة كان مخبيها من سنين، وحوّل قيمتها كلها باسمي، عشان لو احتجت في يوم ألاقي سند ليا ولأولادي.
لكن الورق الخاص بالأرض كان مرفقًا مع الرسالة... واختفى معها.
بصيت لنبيل.
قال أنا فضلت أدور على الورثة الشرعيين للأرض بعد ما فهمت قيمة الورق، ولما لقيت إن الملكية لسه ما اتصرفتش، خلّصت كل الإجراءات القانونية وحافظت عليها باسمك.
فتحت فمي من الصدمة.
يعني... الأرض لسه موجودة؟
ابتسم لأول مرة.
ولا يوم خرجت من اسم عيلتك.
ليلى انفجرت في البكاء.
أما رنا فقامت من كرسيها مستندة على العكاز، ومشت خطوتين لحد ما وقفت جنب الراجل.
وقالت له بصوت مرتعش
عشان كده كنا عايزين بابا يقابلك... لأنه عمره ما عرف إن في حد فضل يحاول يصلح غلطة الزمن.
لكن قبل أن يرد...
رن هاتف نبيل.
نظر إلى الشاشة، وتغير لون وجهه فجأة.
أغلق المكالمة من غير ما يتكلم.
قلت بقلق فيه إيه؟
رفع رأسه نحوي وقال
كنت أتمنى اليوم ده يخلص بهدوء... لكن واضح إن حد عرف إني جيت هنا، ولازم أحكيلكم الحقيقة اللي كنت مأجلها من 12 سنة ساد صمت ثقيل في البيت.
حتى البنات وقفوا يبصوا لنبيل، مستنيين الكلمة اللي هتطلع منه.
أخد نفسًا عميقًا وقال
قبل ما أقول أي حاجة... لازم تعرفوا إن المكالمة دي من المحامي.
عقدت حاجبي.
محامي؟
هز رأسه.
من سنتين كتبت وصيتي.
استغربت.
وصية ليه؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
لأن العمر بيجري... وأنا كنت خايف أموت قبل ما أوصل لكم.
ليلى قربت منه وقالت
إحنا مش فاهمين.
فتح حقيبته مرة تانية، وأخرج ملفًا أزرق.
مكتوب عليه
وقف الأمل.
ناولني الملف.
فتحته، ولقيت أوراق تأسيس جمعية خيرية.
وفي أول صفحة مكتوب
مخصصة لعلاج الأطفال المصابين بإصابات العمود الفقري، والأجهزة التعويضية، وجلسات التأهيل.
سألته
إيه علاقة ده بينا؟
قال وهو ينظر إلى ليلى ورنا
أول مرة شفتهم فيها بعد الحادث، وعدت نفسي إن ولا طفل يعيش الإحساس اللي شفته في عيونهم.
ثم أكمل
بدأت المشروع بإمكانيات بسيطة، وبعد سنين بقى يقدر يساعد مئات الأسر.
قلبت باقي الأوراق.
لقيت صورًا لأطفال كتير، وتقارير علاج، وخطابات شكر من عائلات مختلفة.
وفي آخر الملف...
كان فيه قرار.
مكتوب فيه أن مجلس الإدارة اختار اسم المركز الجديد.
رفعت الورقة أقرأ.
وتوقفت فجأة.
الاسم كان
مركز ليلى ورنا للتأهيل.
بصيت له في ذهول.
إنت سميت المركز باسمهم؟
ابتسم وقال
من غير ما يعرفوا.
رنا بدأت تبكي.
وقالت
ليه كل ده؟
رد بهدوء
لأنهم كانوا سبب إن حياتي تتغير.
سألته باستغراب
إزاي؟
قال
قبل الحادث كنت ناجح في شغلي... لكن ماكنتش أعرف معنى إن الإنسان يعيش لحد غيره.
اليوم ده علمني إن النجاح الحقيقي إنك تسيب أثر طيب.
ساد الصمت مرة تانية.
ثم مد ظرفًا أبيض صغيرًا ناحية البنات.
قال
ده كان نفسي أسلمه لكم بنفسي.
فتحته ليلى.
كان جواه خطاب بخط إيده.
قرأته بصوت مرتعش
لو وصل لكم الخطاب ده، فأنا بطلب منكم طلب واحد بس... لما تشوفوا طفل محتاج مساعدة، افتكروا إن القوة مش في إننا نقف على رجلينا... القوة الحقيقية إننا نسند غيرنا.
ماحدش قدر يتكلم.
الدموع كانت في عيون الكل.
وفجأة...
جرس الباب رن مرة تانية.
بصينا كلنا ناحية الباب.
المرة دي ماحدش اتحرك.
الجرس رن للمرة الثانية...
ثم الثالثة...
وبعدها سمعنا صوت رجل من بره بيقول
أستاذ أحمد... معانا خبر بخصوص الورق اللي رجع لحضرتك، ولازم نقابلك حالًا.
نظرت إلى نبيل، فوجدت ملامحه تغيرت مرة أخرى، وكأنه كان يتوقع هذه الزيارة منذ البداية، لكنه لم ينطق بكلمة قمت وفتحت الباب بحذر.
كان واقف شابين في أواخر الثلاثينات، واحد فيهم شايل حقيبة أوراق، والتاني ماسك ملف كبير.
أول ما شافوا نبيل، قال أحدهم باحترام
الحمد لله إننا لحقناك.
نبيل اتنهد وقال
كنت عارف إنكم هتيجوا.
دخلوا، وبعد ما سلموا علينا، فتحوا الملف الكبير.
قال الأول
إحنا أعضاء مجلس أمناء الجمعية.
وأشار إلى نبيل.
والأستاذ نبيل بقاله أسبوعين رافض يعلن القرار قبل ما يقابلكم.
استغربت.
قرار إيه؟
أخرج ورقة مختومة، ووضعها أمامي.
بعد اجتماع مجلس الأمناء، اتفقنا بالإجماع على تعيين مدير جديد للمركز.
ابتسمت وقلت
ربنا يوفقه.
الرجل ابتسم هو الآخر وقال
هو حضرتك.
اتسعت عيناي.
أنا؟!
هز رأسه.
الأستاذ نبيل قال إن الشخص الوحيد اللي يقدر يفهم احتياجات الأهالي هو أب عاش التجربة بنفسه.
اعترضت فورًا.
أنا معنديش خبرة في الإدارة.
نبيل رد بهدوء
الإدارة بنتعلمها... لكن الرحمة والإخلاص ما بيتعلموش.
ليلى مسكت إيدي.
وقالت بابتسامة
طول عمرك بتساعدنا... يمكن جه الوقت تساعد ناس أكتر.
أما رنا فقالت وهي تنظر حولها
فاكر لما كنت تقولنا إن ربنا ممكن يطلع خير من أصعب ابتلاء؟
ابتسمت رغم الدموع.
فاكر.
أخرج أحد أعضاء المجلس ظرفًا صغيرًا آخر.
وقال
وده أول مشروع حابين حضرتك تشرف عليه.
فتحت الظرف.
كان فيه تصميم لمبنى جديد.
مكتوب عليه
قسم العلاج المائي للأطفال.
توقفت لحظة.
العلاج المائي...
العوم.
نفس الرياضة اللي كانت ليلى ورنا بيعشقوها قبل الحادث.
نظرت إليهما.
كانت الابتسامة مرسومة على وجهيهما لأول مرة من الصبح.
قال نبيل
لما عرفت إنهم كانوا بيحبوا السباحة، قررنا يبقى أول قسم يتبني هو القسم ده.
سكت قليلًا، ثم أضاف
يمكن طفل يدخله وهو فاقد الأمل... ويخرج منه وهو مؤمن إن بكرة أفضل.
شعرت أن الغصة التي صاحبتني اثنتي عشرة سنة بدأت تخف لأول مرة.
ولم يعد البيت ممتلئًا بالحزن كما كان.
بل امتلأ بأحاديث عن الأطفال الذين يمكن مساعدتهم، والأسر التي قد تجد من يساندها، والأحلام التي يمكن أن تبدأ من جديد.
وفي تلك الليلة، بعدما انصرف الجميع، جلست أنا وليلى ورنا في الشرفة، نتأمل السماء في هدوء، وكل واحد فينا يشعر أن صفحة جديدة بدأت... لكننا لم نكن نعرف أن أول يوم في المركز سيحمل لنا لقاءً سيغيّر حياة أسرة أخرى بالكامل دخلنا البيت في هدوء.
حتى نبيل وافق يقعد معانا، لأنه بقى واحد من العيلة.
حطيت الظرف على الترابيزة.
ليلى قالت افتحه يا بابا.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة واحدة، ومفتاح صغير لامع.
بدأت أقرأ
إلى الأسرة التي علمت الناس معنى الصبر...
لو وصل لكم الخطاب ده، يبقى فيه أمانة لازم ترجع لأصحابها.
قبل سنوات، اتبرع شخص مجهول بمبلغ كبير، وطلب يفضل اسمه سر.
الشرط الوحيد كان إن الفلوس ما تتسلمش إلا بعد افتتاح المركز.
رفعت عيني باستغراب.
كمّلت القراءة.
الأمانة عبارة عن صندوق محفوظ في خزينة البنك، والمفتاح المرفق يخصه.
نبيل هز رأسه باستغراب.
أنا أول مرة أسمع بالكلام ده.
في اليوم التالي...
روحنا البنك.
الموظف راجع الأوراق، وبعدين نزل للخزينة.
رجع بعد دقائق، شايل صندوق خشبي صغير.
حطه قدامنا.
وقال
اتفضلوا.
فتحت الصندوق.
كان جواه دفتر قديم جدًا.
وفيه صور.
وصور أكتر.
كلها لأطفال اتعالجوا ورجع لهم الأمل.
وفي آخر الدفتر...
رسالة قصيرة.
لو أنقذتم طفلًا واحدًا، يبقى حياتي ما راحتش هدر.
وتحتها توقيع.
لكن التوقيع كان غير واضح.
ليلى قلبت الصفحة الأخيرة.
ولقت جيبًا صغيرًا فيه فلاشة.
رجعنا البيت وشغلناها على الكمبيوتر.
ظهر فيديو لرجل كبير في السن.
قال بابتسامة هادئة
لو بتشوفوا الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
بدأ يحكي إنه فقد ابنه الوحيد في حادث من سنين.
ومن يومها قرر يخصص جزءًا كبيرًا من ثروته لمساعدة الأطفال المصابين.
وقال
أنا ماعرفش مين هيكمل الطريق بعدي... لكن لما سمعت عن أب ربّى بنتيه بكل الحب ده، عرفت إن الأمانة في إيد أمينة.
سكتنا كلنا.
ماحدش كان يعرف الرجل.
ولا عمرنا قابلناه.
لكن كلماته وصلت لقلوبنا.
من اليوم ده...
كبر المركز.
وبقى فيه علاج طبيعي، وعلاج مائي، ودعم نفسي، ومنح تعليمية.
ليلى بدأت تدرس العلاج الطبيعي.
ورنا اختارت تدرس علم النفس، عشان تساعد الأطفال يتغلبوا على خوفهم.
أما أنا...
كل صباح
متابعة القراءة