ربيت بنتي بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

كنت أقف عند باب المركز.
وأستقبل كل طفل بنفس الجملة
أهلًا بيك... من النهارده، إنت مش لوحدك.
وفي كل مرة كنت أشوف أب أو أم تايهين، أفتكر نفسي زمان، وأقول في سري
يمكن ربنا سمح بكل اللي عشناه... عشان نكون سبب في تخفيف وجع غيرنا.
وهكذا، تحولت الحكاية التي بدأت بحادث مؤلم ورسالة هجر، إلى حياة مليئة بالأمل، وصار كل يوم في المركز بداية جديدة لعائلة أخرى تبحث عن نور بعد سنوات من الظلام بعد شهرين...
افتتحنا المركز في حفل بسيط.
ماكانش فيه كاميرات كتير، ولا مشاهير.
كان فيه أطفال على كراسي متحركة، وآباء وأمهات شايلين هم الدنيا على كتافهم.
وأنا أول ما دخلت، افتكرت نفسي من 12 سنة.
نفس الخوف.
ونفس الحيرة.
ونفس السؤال
يا ترى ابني هيعيش حياة طبيعية؟
بعد قص الشريط، رفضت أقف على المسرح كتير.
قلت كلمتين بس
المكان ده معمول عشان محدش يحس إنه لوحده.
الناس كلها سقفت.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت ولد صغير عنده حوالي تسع سنين.
كان قاعد في آخر القاعة، ساكت، ومش راضي يبص لحد.
أبوه كان بيحاول يضحكه.
وهو رافض حتى يرد عليه.
بعد انتهاء الحفل، رحت أقعد جنبه.
قلت له بابتسامة
اسمك إيه يا بطل؟
رد من غير ما يرفع عينه
يوسف.
قلت
تحب تفرجني على الكرسي بتاعك؟
بصلي باستغراب.
يعني مش هتسألني هقدر أمشي ولا لأ؟
ابتسمت.
لأ... لأن ده مش أول سؤال مهم.
رفع عينه لأول مرة.
قلت
أول سؤال مهم هو... إيه حلمك؟
سكت شوية.
وبعدين قال
كنت نفسي أبقى سبّاح.
ابتسمت من قلبي.
وقلت
تعالى.
خدته على قسم العلاج المائي.
ليلى ورنا كانوا هناك، بيساعدوا الأطفال يتعرفوا على المكان.
أول ما شافوه، قربوا منه.
ليلى قالت
إحنا كمان كنا بنحب السباحة.
رنا ضحكت
ولسه بنحبها.
يوسف بص لهم باستغراب.
بجد؟
هزوا رأسهم.
وحكوله إزاي كانوا بيقعوا، ويقوموا، ويتعبوا، ويرجعوا يحاولوا.
ولأول مرة...
يوسف ابتسم.
أبوه غطى وشه بإيده وهو بيعيط.
همس لي
دي أول مرة يضحك من يوم الحادث.
ربتّ على كتفه.
وقلت
يمكن النهارده بداية جديدة.
في آخر اليوم...
قبل ما المركز يقفل، نبيل كان واقف يبص على الأطفال وهم خارجين.
قلت له
شايف؟
ابتسم وقال
أهو ده اللي كنت بحلم بيه.
لكن قبل ما نركب عربياتنا...
جريت علينا ليلى وهي ماسكة ظرف أبيض وصل مع البريد.
وقالت وهي بتلهث
يا بابا... الخطاب ده باسمنا كلنا.
بصيت على المرسل...
وماكانش فيه اسم.
بس كان مكتوب بخط واضح
يُفتح بحضور الأسرة كاملة فقط.
تبادلنا النظرات في صمت...
ثم حملت الظرف بيدي، وشعرت أنه يخفي بداية حكاية جديدة، لا تقل غرابة عن كل ما مررنا به بعد مرور سنة...
المركز بقى يستقبل عشرات الأسر كل أسبوع.
في كل مرة كنت أشوف طفل داخل وهو خايف، كنت أفتكر أول يوم دخلت فيه المستشفى وأنا شايل ليلى ورنا، وقلبي مليان خوف.
وفي صباح شتوي هادئ...
وصلت عربية إسعاف قدام المركز.
نزل منها بنت صغيرة، عندها حوالي سبع سنين.
كانت ماسكة دبدوب قديم بقوة، ومش راضية تسيبه.
جريت ليلى تستقبلها، بينما رنا قعدت جنب والدتها تهديها.
لكن أول ما بصيت في ملف الحالة...
اتجمدت.
اسم الأب كان مألوفًا جدًا.
رفعت عيني، ولقيت راجل واقف بعيد، مكسور، ووشه مليان تعب.
أول ما عينه جت في عيني، عرفني.
وقرب بخطوات بطيئة.
وقال
أستاذ أحمد... يمكن حضرتك ما تفتكرنيش.
حاولت أفتكر.
لكن معرفتش.
طلع صورة قديمة من محفظته.
كانت صورة من يوم الحادث... الشرطة كانت مصوراها.
وأشار لشخص واقف وسط الناس.
ده أنا.
افتكرت فجأة.
كان شاب صغير وقتها، واقف وسط الزحمة، وبيساعد رجال الإسعاف ينظموا الطريق.
قال بصوت متأثر
أنا عمري ما نسيت اليوم ده.
سألته
خير؟
خفض رأسه وقال
بنتي تعرضت لحادث من شهر.
بصيت ناحية الطفلة.
كانت قاعدة على كرسي متحرك، بتحاول تخبي دموعها.
قال
كل ما أشوفها أفتكر بناتك... وعرفت إن المكان الوحيد اللي ممكن يديها أمل هو هنا.
ربتّ على كتفه.
وقلت
طالما دخلت من الباب ده... يبقى الأمل بدأ.
ابتسم لأول مرة.
وبينما ليلى كانت تعرف البنت على غرفة العلاج المائي، ورنا كانت بتحكي لها عن أول يوم ليها على الكرسي المتحرك.
سمعت البنت الصغيرة تسأل
هو ممكن أرجع ألعب مع صحابي؟
ليلى ابتسمت وقالت
إحنا مش بنوعد حد بحاجة مستحيلة... لكن بنوعدك إننا هنفضل نحاول معاكي لحد آخر يوم.
الكلمة دي خلت الأب يبكي.
أما أنا، فوقفت أبص للمشهد من بعيد.
وافتكرت وعدي القديم لبنتَيّ وهما على سرير المستشفى
عمري ما هسيبكم.
واكتشفت بعد كل السنين دي...
إن الوعد ده ما بقاش يخص ليلى ورنا بس.
بقى وعد لكل طفل يدخل المركز وهو محتاج حد يمسك إيده ويقوله
إحنا معاك... ومش هتمشي الطريق ده لوحدك بعد ثلاث سنوات...
كان المركز بقى من أكبر مراكز التأهيل في المحافظة، وأصبح يستقبل أطفالًا من محافظات مختلفة.
وفي احتفال عيد الأب...
وقفت على نفس المسرح اللي كنت واقف عليه أول يوم الافتتاح.
لكن المرة دي، ما كنتش أنا اللي هتكلم.
ليلى ورنا طلبوا الميكروفون.
بصيت لهم بابتسامة، وأنا فاكر اليوم اللي قالولي فيه
يا بابا... إحنا مخبيين عنك سر.
ليلى بدأت الكلام، وقالت
الناس كلها فاكرة إن بابا هو اللي أنقذ حياتنا.
وسكتت لحظة.
ثم أكملت
لكن الحقيقة... هو أنقذ أرواح كتير غيرنا.
رنا مسكت إيد أختها وقالت
بابا عمره ما خلانا نحس إننا ناقصين حاجة. كان بيصحى قبلنا، وينام بعدنا، ويضحك قدامنا، ويعيط لوحده عشان إحنا مانشوفوش.
القاعة كلها كانت ساكتة.
حتى نبيل، اللي كان قاعد في الصف الأول، كان بيمسح دموعه.
ثم نزلت ليلى من على المسرح، ووقفت قدامي.
طلعت من جيبها مفتاحًا صغيرًا.
ابتسمت وقالت
فاكر أول مفتاح رجعلك بعد سنين؟
ضحكت وقلت
أفتكره.
قالت
وده بقى آخر مفتاح.
استغربت.
خرجنا كلنا برة المركز.
وكان فيه مبنى جديد جنب المبنى الرئيسي، متغطي بستارة كبيرة.
شدوا الستارة...
فظهر الاسم.
بيت الأمل... لإقامة أسر الأطفال أثناء فترة العلاج.
بصيت لهم وأنا مش قادر أتكلم.
رنا قالت وهي بتبكي
إنت بعت بيتك زمان عشان تعالجنا.
ليلى كملت
فإحنا قررنا نبني بيت لكل أب وأم ييجوا من بعيد، ومايلاقوش مكان يناموا فيه.
وقتها...
ماقدرتش أمسك دموعي.
حضنتهم الاتنين.
وقلت بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إني أنا اللي ربيتكم.
ليلى ابتسمت.
وقالت
لأ يا بابا...
إنت علمتنا يعني إيه إنسان.
في اللحظة دي، كل الأطفال الموجودين في المركز خرجوا يجروا ناحية الساحة، بعضهم على أقدامه، وبعضهم على كراسي متحركة، وبعضهم بعكازات... لكن كلهم كانوا بيضحكوا.
اتصورت صورة جماعية.
وكان نبيل واقف جنبنا، لأول مرة حاسس إن الحمل اللي شاله سنين طويلة اتشال من على قلبه.
بصيت للسماء، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه من المستشفى وأنا خايف من المستقبل.
وقتها كنت فاكر إن حياتنا انتهت.
لكن الحقيقة...
إن النهاية اللي كنت بخاف منها، كانت مجرد بداية لطريق أكبر مما كنت أتخيل.
انتهت الحكاية، لكن الأثر اللي بيتركه الحب الحقيقي، عمره ما بينتهي.

تم نسخ الرابط