ابويا ضرب بنتي

لمحة نيوز

الحاج محمود، خادمة كانت شغالة عندكم من سنين اتصلت بينا.
دخلت ست كبيرة في السن.
وشها مليان خوف.
قالت
أنا اسمي أم سعاد... اشتغلت هنا أكتر من خمستاشر سنة.
أمي أول ما شافتها صرخت
إنتِ جاية تعملي إيه؟
الست بصتلها وقالت
ضميري صحاني.
سكت المكان كله.
قالت وهي بتبكي
دي مش أول مرة الحاج محمود يضرب طفل بالحزام.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
حتى خالد لف وبصل لأمه.
أم سعاد كملت
كنت بشوف الضرب بعيني... وكل مرة كانوا يقولولي دي تربية... ولو اتكلمتي هتترفدي.
الظابط سجل كل كلمة.
ثم سألها
عندك أي دليل؟
هزت رأسها.
وقالت
أيوه.
طلعت من شنطتها فلاشة صغيرة.
وقالت
من سنتين ركبت كاميرا صغيرة في المطبخ بعد ما اتهموني ظلم بالسرقة... كنت بخاف على نفسي.
أخدها الظابط فورًا.
واتنقلت لمعمل الفحص.
بعد أقل من ساعة...
رجع الفني.
وقال
الفلاشة شغالة.
اتفتح أول مقطع.
ظهر أبويا وهو بيزعق في حفيد ابن أخويا بسبب إنه كسر طبق.
ثم رفع الحزام...
لكن الفيديو وقف قبل الضرب.
المشهد اللي بعده...
كان أصعب.
ظهر طفل صغير بيعيط...
وصوت أبويا بيقول
اللي ميخافش... ميترباش.
البيت كله سكت.
خالد نزل رأسه لأول مرة.
وأمي قعدت على الكرسي وهي بتردد
مكنش يقصد... مكنش يقصد...
لكن المباحث بقوا يتعاملوا مع الموضوع بشكل مختلف.
الواقعة بقت مش مجرد حادث منفرد...
بقت في شبهة نمط متكرر من العنف.
وفي نفس الوقت...
رن تليفوني.
كان المستشفى.
اتجمد الدم في عروقي.
رديت بسرعة.
الدكتور قال
مدام ريم... ياريت ترجعي حالًا... ليان فاقت، لكنها قالت جملة محتاجين حضرتك تسمعيها بنفسك.
من غير ما أسأل أي حاجة...
جريت ناحية العربية.
وأنا مش عارفة...
إيه اللي طفلة عندها تلات سنين ممكن تقوله...
ويخلي الدكتور بنفسه يطلب حضوري فورًا.
يتبع...وصلت المستشفى وأنا بجري.
قلبي كان هيقف.
أول ما دخلت أوضة الملاحظة، لقيت أحمد قاعد جنب ليان، وماسك إيدها.
الدكتور أشارلي أقرب.
وقال بصوت هادي
اتكلمي معاها براحة... هي فاقت، لكن في حاجة قالتها وكررتها أكتر من مرة.
قربت من السرير.
مسحت على شعرها.
ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة، وقالت
مامي...
حضنتها بحذر.
حمد لله على سلامتك يا روح مامي.
سكتت شوية...
وبعدين قالت وهي باصة في السقف
هو جدو زعلان مني؟
حسيت دموعي نزلت لوحدها.
قلت
لا يا حبيبتي... إنتِ معملتيش حاجة غلط.
هزت رأسها بالنفي.
وقالت
أنا كنت خايفة أقول الحقيقة.
الدكتور بصلي باهتمام.
وأنا سألتها
حقيقة إيه يا ليان؟
ردت بصوت متقطع
جدو قاللي... لو قلت لمامي إنه ضربني... هيزعل مني ومش هيخليني أدخل بيته تاني.
سكتت الأوضة كلها.
حتى الممرضة وقفت مكانها.
أحمد غمض عينه بقهر.
أما أنا...
فافتكرت فجأة عشرات المرات اللي كنت وأنا صغيرة أقول فيها لأمي
بابا ضربني.
فترد بنفس الجملة
متقوليش لحد... ده أبوكي.
عرفت ساعتها...
إن الخوف بيتورث لو محدش وقفه.
الدكتور كتب ملاحظة في التقرير.
وقال
الكلام اللي قالته الطفلة هيتسجل لأنه خرج بشكل تلقائي، لكن التقييم القانوني ليه هيكون من اختصاص جهات التحقيق.
بعد حوالي ساعة...
دخل الظابط.
قال
النيابة هتبدأ التحقيق بكرة الصبح، وفيه طلب لسماع أقوال حضرتك، وأقوال زوجك، وكل الموجودين في الحفلة.
سألته
وأبويا؟
قال
لسه متحفظ عليه.
وقبل ما يمشي...
وقف وقال
بس في حاجة غريبة.
استغربت.
إيه هي؟
قال
فيه شاهد جديد راح القسم من نفسه.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
مين؟
رد الظابط
أخوكي... خالد.
اتسعت عيني من الصدمة.
خالد؟
أخويا اللي كان طول عمره بيدافع عن أبويا؟
الظابط كمل
قال إنه عايز يدلي بأقواله... وإن عنده كلام مخباه بقاله سنين.
الكلمات دي خلتني أعرف...
إن التحقيق الحقيقي لسه ما بدأش.
يتبع...تاني يوم...
دخلت مبنى النيابة وأنا حاسة إن كل خطوة بتفصل بين حياتين.
حياة كنت فيها بنت الحاج محمود...
وحياة بقيت فيها أم، وكل همها تحمي بنتها.
خالد كان واقف في آخر الطرقة.
أول ما شافني، نزل عينه في الأرض.
دي كانت أول مرة في عمره ميعرفش يبصلي.
قرب مني وقال بصوت واطي
ريم... ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
بصيت له من غير أي تعبير.
اتفضل.
اتنهد وقال
أنا غلطت سنين... كنت فاكر إن اللي أبويا بيعمله تربية.
سكت شوية، وكمل
بس أول ما شفت ليان واقعة على الأرض... افتكرت نفسي وأنا عندي سبع سنين.
استغربت.
عمري ما سمعت منه حاجة زي دي.
قال
فاكرة الندبة اللي في ضهري؟
هزيت راسي بالنفي.
ابتسم ابتسامة كلها وجع.
مش وقعة من على العجلة... زي ما كانوا بيقولوا للناس.
حسيت قلبي بيتقبض.
قال
دي كانت من نفس الحزام.
لأول مرة...
خالد بكى.
وقال
وأمي كانت كل مرة تقول أبوك بيعمل كده لمصلحتك.
خرج الظابط من مكتب التحقيق ونادى
الأستاذة ريم... اتفضلي.
دخلت.
وكيل النيابة رحب بيا بهدوء.
وقال
هنسمع أقوالك بالتفصيل.
حكيت كل حاجة...
من أول لحظة ليان قالت إنها عطشانة...
لحد ما شفت الحزام في إيد أبويا.
بعدها دخل أحمد...
وأكد نفس الرواية.
ثم دخل خالد.
أنا كنت متوقعة إنه يخفف عن أبويا.
لكن اللي قاله...
غير مجرى التحقيق.
قال بثبات
أنا شفت والدي وهو بيفك الحزام... وشفت الضربة.
سأله وكيل النيابة
هل دي أول مرة تشوفه يعتدي على طفل؟
خالد غمض عينه.
وقال
لا.
كنت أنا أول واحد.
سكتت القاعة.
ثم كمل
وبعدي أختي ريم... وبعدها أولادي... وكنا كلنا ساكتين.
وكيل النيابة كتب ملاحظاته.
ثم قال
هل في حد كان بيمنعكم تبلغوا؟
رد خالد
إحنا اتربينا إن اللي يتكلم يبقى عاق.
بعد انتهاء التحقيق...
خرجنا كلنا.
لقيت أمي قاعدة على كرسي في الممر.
وشها كان شاحب.
أول ما شافت خالد صرخت
إنت شهدت ضد أبوك؟!
رد عليها لأول مرة في حياته من غير خوف
أنا شهدت مع الحق.
رفعت إيدها كأنها هتضربه...
لكنه مسك إيدها برفق.
وقال
خلاص يا أمي... السلسلة دي لازم تقف عندنا.
أمي انفجرت في البكاء.
لكن قبل ما حد يتكلم...
خرج أحد الموظفين من مكتب وكيل النيابة وهو بينادي على اسم المحامي الموكل بالدفاع عن أبويا.
واضح من ملامحه إن فيه قرار جديد صدر...
قرار هيغير القضية كلها.
يتبع...المحامي دخل مكتب وكيل النيابة بسرعة.
كلنا فضلنا واقفين في الممر، محدش بيتكلم.
بعد حوالي عشر دقايق...
الباب اتفتح.
المحامي خرج وملامحه متغيرة.
أبويا كان جاي من غرفة الحجز ومعاه فردا أمن.
بص للمحامي وسأله بلهفة
ها؟ هروح البيت؟
المحامي رد بهدوء
النيابة قررت استمرار الإجراءات القانونية، ولسه التحقيقات مكملة.
أبويا لأول مرة فقد هدوءه.
زعق بصوت عالي
أنا ربيت عيالي بالطريقة دي وكلهم طلعوا رجالة وستات!
وكيل النيابة سمع صوته، وخرج من مكتبه وقال
طريقة التربية لا تبرر إيذاء طفل. التحقيق هيستمر وفقًا للأدلة وأقوال الشهود.
سكت أبويا.
يمكن لأول مرة في حياته...
حد يقف قدامه من غير ما يخاف.
خرجنا من المبنى.
أحمد كان ماسك إيدي.
قال
دلوقتي أهم حاجة ليان.
هزيت رأسي.
أيوه... هي وبس.
رجعنا المستشفى.
ليان كانت أحسن شوية.
أول ما شافتني فتحت دراعاتها الصغيرة.
حضنتها وأنا أوعد نفسي إن عمرها ما هتحس بالخوف اللي أنا عشته.
في الأيام اللي بعدها...
بدأت التحقيقات تستكمل، وتم سماع باقي الشهود، ومراجعة التسجيلات والتقارير الطبية، وكل طرف قدّم أقواله.
العيلة انقسمت.
ناس قالت إن اللي حصل لازم يتحاسب.
وناس فضلت تردد
دي كانت تربية.
لكن أنا...
ما دخلتش أي نقاش.
كل تركيزي كان إن بنتي تتعافى، وإن الحقيقة تتقال كاملة قدام الجهات المختصة.
وفي آخر يوم من الأسبوع...
وصلني اتصال من المحامي.
قال
ريم... حد عايز يقابلك.
سألته
مين؟
قال
أبوكي.
سكت ثواني.
وأضاف
قال إنه عنده كلام عمره ما قاله لحد... ومش هيقوله غير ليكي.
وقفت أبص للتليفون في صمت.
وأحمد سألني
هتروحي؟
بصيت ناحية أوضة ليان...
ثم رجعت بصيت للموبايل.
وما رديتش.
يتبع...تاني يوم الصبح...
فضلت ساعات أفكر.
أروح...
ولا لأ؟
أحمد قال بهدوء
القرار قرارك. لكن متحسيش إنك مضطرة تعملي حاجة مش مرتاحة لها.
بصيت لليان وهي بتلون في كراسة صغيرة جابها لها الدكتور.
كانت كل شوية ترفع رأسها وتسأل
إحنا هنروح بيت جدو تاني؟
كنت أبتسم وأغير الموضوع.
لكن السؤال كان بيوجعني.
في النهاية...
وافقت أقابل أبويا.
مش علشانه...
علشان أقفل باب فضل مفتوح طول عمري.
دخلت غرفة الزيارة.
كان قاعد على الكرسي، وشعره الأبيض باين أكتر من أي وقت فات.
أول ما شافني قال
اقعدي.
فضلت واقفة.
قلت
قول اللي عندك.
اتنهد وقال
أنا مش وحش.
رديت بهدوء
أنا ما قلتش إنك وحش... أنا قلت إن اللي حصل غلط.
هز رأسه بعصبية.
إنتوا الجيل الجديد مكبرين الموضوع.
سكت لحظة، ثم كمل
أنا اتربيت بالحزام... وأبويا كان أشد مني ألف مرة.
قلت
وده خلاك تكرر نفس اللي اتعمل فيك.
لأول مرة...
ملامحه
تم نسخ الرابط