دعا زوجته

لمحة نيوز

تيجي... لأن الحقيقة خلاص ما ينفعش تستخبى.
تبادل كريم وأنا نظرة سريعة...
ولأول مرة، شعرت أن المفاجأة الأكبر في هذا اليوم... لم تظهر بعد الرجل خلع معطفه ببطء...
وعينه ما فارقتش الأطفال.
خصوصًا آدم.
قرب منه خطوة، وقال بصوت فيه رعشة
ممكن... أسألك سؤال؟
آدم بصلي.
هزيت له راسي بالموافقة.
ابتسم الولد وقال
اتفضل.
الرجل ابتسم بحزن.
بتحب ترسم؟
استغربت السؤال.
لكن آدم رد بسرعة
آه... جدًا.
الرجل بص للحاجة نادية.
ابتسمت وهي بتمسح دموعها.
وقالت
زي أبوه بالظبط.
كريم لف ناحيتها باستغراب.
مين الأستاذ ده أصلًا؟
اتنهدت أمه.
وقالت
ده عمك سامح.
شهق كريم.
عمي؟!
هز الرجل رأسه.
آخر مرة شفتك فيها كان عندك عشر سنين.
سكت البيت كله.
ياسمين كانت بتراقب المشهد وهي مش فاهمة أي حاجة.
أما الأطفال فكانوا قاعدين جنب شجرة الكريسماس، بيلعبوا مع بعض في هدوء.
قال كريم بانفعال
إيه علاقة عمي بكل اللي بيحصل؟
بص له سامح نظرة طويلة.
وقال
علاقة أكبر مما تتخيل.
الحاجة نادية غمضت عينيها للحظة.
وكأنها بتجمع شجاعتها.
ثم قالت
قبل ما تسيب مراتك... أنا كنت عارفة إنها حامل.
اتسعت عينا كريم.
إيه؟!
بص لأمه بعدم تصديق.
يعني كنتِ عارفة؟!
هزت رأسها وهي بتبكي.
عرفت بعد ما مشيت بيومين.
صاح فيها
وليه ما قولتيليش؟!
ردت بصوت مكسور
دورت عليك... غيرت رقمك... وسافرت... وما سبتش أي طريق أوصل لك بيه.
سكت.
لأول مرة...
بدا عليه إنه بيحاول يفتكر.
فعلاً...
بعد الطلاق سافر أكتر من سنة، وقطع علاقته بمعظم الناس.
قال بصوت منخفض
يعني... أنا ماعرفتش.
قلت بهدوء
لأنك اخترت تمشي قبل ما تسمع.
خفض رأسه.
ولأول مرة...
اختفت كل الثقة اللي كانت في عينيه.
في اللحظة دي...
ليان قامت من مكانها.
كانت ماسكة رسمة صغيرة رسمتها في الطيارة.
قربت من كريم.
ومدتها له.
دي ليك.
إيده كانت بترتعش وهو بياخد الورقة.
فتحها ببطء.
كانت رسمة بسيطة...
رجل وست...
وأربع أطفال واقفين بينهم.
وفوقهم بيت كبير.
وفي أعلى الورقة مكتوب بخط طفولي
يمكن نبقى عيلة.
كريم غمض عينيه للحظة...
وشفاه ارتعشت.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة...
رن هاتف عمه سامح.
بص في الشاشة، واتغيرت ملامحه فجأة.
رد بسرعة، وبعد ثوانٍ قال بقلق
إيه؟!... إزاي حصل ده؟!
كل الموجودين بصوا له.
قفل المكالمة ببطء.
ثم رفع عينيه ناحية الحاجة نادية وقال
لازم نمشي حالًا... في حد وصل عند الشركة القديمة، وبيسأل عن ملفات اتقفلت من تمان سنين.
اتجمدت ملامحي.
لأنني كنت أعرف جيدًا...
أن الملفات دي هي السبب الحقيقي وراء انهيار حياتنا كلها.
لكن ماكنتش متخيلة...
إن حد هيحاول يفتحها من جديد... الآن سكت المكان كله.
أنا الوحيدة اللي فهمت معنى كلام سامح.
لأن الملفات دي ما كانتش مجرد ورق...
دي كانت الحقيقة اللي اتدفنت من تمان سنين.
بصيت لسامح، وسألته بهدوء
مين اللي راح هناك؟
هز راسه.
لسه معرفوش هويته... لكن طلب يشوف كل العقود القديمة باسم المنشاوي.
اتغير وش الحاجة نادية.
وقالت بسرعة
لا... مش دلوقتي.
رفع كريم عينه باستغراب.
إيه اللي بيحصل؟! حد يفهمني!
لفيت ناحيته.
وقلت بهدوء
من حقك تعرف... لكن مش قدام الأطفال.
في اللحظة دي...
ملك شدت طرف فستاني.
همست
ماما... إحنا عملنا حاجة غلط؟
نزلت لمستواها وابتسمت.
أبدًا يا قلبي... إنتوا أحسن حاجة حصلت في حياتي.
ابتسمت الصغيرة، ورجعت تكمل لعب مع إخواتها.
أما كريم...
فكان باصص لهم وكأنه بيحاول يحفظ ملامحهم.
كل دقيقة كان بيكتشف شبه جديد.
ضحكة عمر...
طريقة ليان وهي بترتب شعرها...
حتى طريقة آدم وهو بيحط إيده في جيبه...
كلها كانت نسخة منه.
قطع الصمت بصوت مبحوح.
ممكن... أعرف كانوا بيكبروا إزاي؟
بصيت له ثواني.
ثم قلت
أول كلمة قالها آدم كانت ماما.
وأول مرة عمر جرى فيها وقع وكسر سنه الأمامي.
ليان بتحب الرسم.
وملك ما بتنامش غير وهي حاضنة الدبدوب بتاعها.
كل جملة كنت بقولها...
كانت بتفكره بسنين عمره اللي ضاعت.
سنين ما كانش موجود فيها.
فضل ساكت...
ولا مرة حاول يقاطعني.
وفجأة...
آدم جري ناحيته.
وقف قدامه وقال ببراءة
حضرتك زعلان؟
بلع كريم ريقه.
شوية.
ابتسم آدم ومد إيده الصغيرة.
الماما بتقول الزعل بيخف لما حد يمسك إيدك.
بص كريم للإيد الصغيرة...
وببطء مد إيده هو كمان.
أول مرة...
يلمس إيد ابنه.
اتجمد مكانه.
وكأن الإحساس ده كان أكبر من قدرته على الاستيعاب.
لكن في نفس اللحظة...
دوى صوت سيارة توقفت بعنف أمام الفيلا.
ثم تبعها صوت باب اتقفل بقوة.
الخادمة جريت ناحية الشباك.
شهقت وهي بتقول
فيه ناس برا... ومعاهم ملفات وصندوق كبير.
اتبادلنا النظرات في صمت.
وبعد ثوانٍ...
رن جرس الباب.
رنّة طويلة...
كأن اللي واقف برا واثق إن دخوله هيغيّر كل حاجة.
تقدمت الحاجة نادية بخطوات مترددة نحو الباب...
وما إن فتحته...
حتى تجمدت في مكانها وهي تهمس باسم الشخص الذي رأته
إنت...!اتسعت عينا الحاجة نادية...
ورجعت خطوة لورا من شدة المفاجأة.
الشخص اللي كان واقف على الباب انحنى باحترام وقال
مساء الخير... آسف على المجيء من غير موعد.
كل اللي في الصالة بصوا ناحيته.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادية، وفي إيده حقيبة جلد قديمة وصندوق خشبي صغير.
قال كريم باستغراب
حضرتك مين؟
رد الرجل بهدوء
اسمي فؤاد... وكنت المستشار القانوني لوالدك الله يرحمه.
ساد الصمت.
أكمل فؤاد
قبل وفاته بأيام، سلمني أمانة... وقال ما تتفتحش إلا بعد مرور تمان سنين كاملة.
شهقت الحاجة نادية.
معقول... لسه محتفظ بيها؟
هز رأسه.
نفذت وصيته بالحرف.
رفع الصندوق الخشبي ووضعه فوق الطاولة.
كان عليه قفل نحاسي قديم، ومكتوب بخط يد واضح
يفتح بحضور جميع أفراد العائلة.
نظر فؤاد إلى الأطفال، ثم إليّ، ثم إلى كريم.
وقال
واضح إن لأول مرة... العائلة كلها موجودة.
مد كريم يده ناحية الصندوق، لكنه تردد.
سأل بصوت منخفض
إيه اللي جواه؟
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.
أنا نفسي ما أعرفش.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
المفتاح موجود جوه الظرف... لكن والدك طلب إن قبل فتحه، كل واحد في البيت يسمع رسالة كتبها بنفسه.
أحسست بأنفاسي تتسارع.
حتى الأطفال وقفوا يتفرجوا في هدوء، من غير ما يفهموا سبب التوتر.
فتح فؤاد الظرف بحذر...
وأخرج منه ورقة مطوية بعناية.
ثم بدأ يقرأ بصوت واضح
إذا كنتم تسمعون رسالتي الآن... فمعنى ذلك أن الوقت قد حان لتظهر الحقيقة كاملة، وأن سرًا ظل مخفيًا لثماني سنوات لم يعد يجوز
تم نسخ الرابط