دعا زوجته
إخفاؤه أكثر من ذلك...
تبادل الجميع النظرات في صمت.
أما كريم...
فكانت عيناه معلقتين بالصندوق الخشبي.
كان يشعر أن ما بداخله...
لن يغير ماضيه فقط...
بل سيقلب مستقبل الجميع رأسًا على عقب أخذ فؤاد نفسًا عميقًا...
وأكمل قراءة الرسالة.
أعرف أنكم ستتفاجأون بما سأقوله، لكني أتحمل مسؤوليتي كاملة أمام الله وأمامكم.
ارتجفت يد الحاجة نادية.
أما كريم فكان واقفًا مكانه، لا يرمش.
تابع فؤاد
لو وصلتم إلى هذه الرسالة، فأرجو ألا يحكم أحد منكم قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
ساد صمت ثقيل.
حتى الأطفال، رغم أنهم لا يفهمون ما يحدث، جلسوا بجوار بعضهم في هدوء.
ثم أكمل
أول قرار اتخذته في حياتي وندمت عليه... كان أنني سمحت للغضب أن يفرق بين ابني وزوجته.
اتسعت عينا كريم.
وبص لأمه بسرعة.
لكنها خفضت رأسها ولم تنطق.
أكمل فؤاد
كنت أظن أن الأيام ستصلح ما أفسدناه، لكن المرض سبقني، ولم أستطع الاعتذار.
بدأت دموع الحاجة نادية تنزل في صمت.
همست
الله يرحمك...
ثم رفع فؤاد الورقة الأخيرة.
وقال
أما الصندوق... ففيه شيء احتفظت به سنوات، وأوصيت ألا يُفتح إلا إذا اجتمع أولادي وأحفادي تحت سقف واحد.
نظر الجميع إلى الصندوق.
كان الصمت يزداد ثقلاً مع كل ثانية.
مد فؤاد الظرف إلى كريم.
تفضل... المفتاح.
أمسك كريم المفتاح بيد مرتجفة.
تقدم نحو الصندوق ببطء...
أدخل المفتاح في القفل...
ودار به.
صدر صوت طَق خافت.
ثم رفع الغطاء ببطء شديد...
وانحنى الجميع لينظروا إلى ما بداخله.
لكن قبل أن ينطق أحد بكلمة...
تغيرت ملامح كريم فجأة.
وشحب وجهه وهو يحدق في أول شيء رآه داخل الصندوق.
أما أنا...
فشعرت أن قلبي توقف للحظة.
لأنني تعرفت على ذلك الشيء من أول نظرة.
شيء كنت أظن أنه اختفى إلى الأبد...
ولم أتخيل يومًا أنه سيعود للظهور في ليلة الكريسماس هذه تجمدت أنفاسي.
كان أول شيء داخل الصندوق...
ألبوم صور قديم.
فوقه ظرف مغلق.
وتحته أربع علب صغيرة ملفوفة بنفس شريط هدايا الكريسماس.
فتح كريم الظرف بيدين مرتجفتين.
وكانت آخر رسالة كتبها والده
يا كريم...
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى ربنا جمعك تاني بالناس اللي خسرتهم.
يمكن أنا غلطت، ويمكن أنت كمان غلطت.
لكن مفيش إنسان يستحق يعيش عمره كله أسير قرار أخده وهو غاضب.
لو ربنا رزقك أولاد، ما تحرمهمش من أبوهم.
ولو ظلمت حد، اعتذر له قبل ما يفوت الأوان...
لأن في يوم هتدور على فرصة واحدة تصلح بيها اللي فات، ومش هتلاقيها.
انفجر كريم في البكاء لأول مرة.
بكى من قلبه...
مش علشان الرسالة.
لكن لأنه أدرك إنه ضيّع أول ضحكة لأولاده...
وأول خطوة...
وأول يوم مدرسة...
وكل ذكرى كان يتمنى يعيشها.
قرب من الأطفال، ونزل على ركبتيه.
وقال بصوت متقطع
أنا عارف إن كلمة آسف ما ترجعش اللي فات... لكن لو تسمحولي... أحب أبدأ من النهارده.
بص آدم لإخوته...
ثم بصلي.
ابتسمت له وأنا أومأت برأسي.
اقترب الأطفال الأربعة في هدوء.
وحضنوه معًا.
وفي اللحظة دي...
ماكانش فيه حد في البيت قادر يمنع دموعه.
حتى ياسمين، خطيبته، ابتسمت في هدوء وقالت
أنا مش مكاني هنا.
خلعت خاتم الخطوبة، ووضعته على الطاولة.
وقالت
الراجل ده عنده عيلة محتاجاه أكتر من أي حاجة.
ثم ودعت الجميع ورحلت باحترام، دون خصام أو كراهية.
مرّت ستة أشهر...
لم نعد زوجين.
ولم نحاول أن نرجع الماضي.
لكن كريم أصبح أبًا حقيقيًا.
كان يحضر حفلات المدرسة...
ويذاكر مع أولاده...
ويأخذهم كل عطلة إلى الحديقة.
تعلم أن الأبوة ليست كلمة تُقال...
بل مسؤولية تُعاش.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كان الأربعة يجرون في الحديقة ويضحكون...
وقفت الحاجة نادية بجانبي وقالت
سامحيني.
ابتسمت لها، وربتُّ على يدها.
وقلت
المسامحة مش بتغيّر الماضي... لكنها بتدي المستقبل فرصة.
رفعت عيني للسماء، وأنا أرى أولادي يضحكون مع أبيهم.
وأدركت أن أجمل انتقام لم يكن أن أراه نادمًا...
بل أن يرى بنفسه الحياة الجميلة التي كاد أن يخسرها إلى الأبد.
تمت.