بعد تمن سنين بقلم صافي هاني

لمحة نيوز

بعد تمن سنين من يوم ما شريف سابني حامل ووحيدة، عزمني على عزومة العيد في بيت عيلته، وكان واضح إنه عايز يكسر عيني ويتباهى بيا قدام مراته الثانية الجديدة عشان يفكرني بماضيّ الحزين معاه. كان فاكر إنني هاجي لوحدي، مكسورة، ويصعب على اللي يسوى واللي ما يسواش.
لكن اللي حصل إني نزلت في جنينة فيلا والدته بطيارة هليكوبتر ومعايا الأربع تواءم اللي عمره ما كلف نفسه يعرف إنهم موجودين في الدنيا.
الرسالة وصلتني في ليلة باردة من ليالي الشتا.
كنت واقفة في مكتبي، بَبُص على أنوار وسط البلد في القاهرة، وفجأة تليفوني رن.
شريف.
وقفت مذهولة لثواني وأنا ببص على الاسم.
تمن سنين.
تمن سنين من يوم ما اختفى لمجرد إنه عرف إني حامل.
تمن سنين من يوم ما اتهمني بالكدب.
تمن سنين من يوم ما رمى عليا اليمين وطلقني وغير أرقامه ومشي من غير حتى ما يسمع دقة قلب واحدة من ولاده.
ودلوقتي عايزني في عزومة العيد.
رسالته كانت قصيرة ومختصرة
تعالي بيت أمي في الشيخ زايد يوم العيد، العيلة عايزة تشوفك للمرة الأخيرة.
ضحكت ب سخرية.
مش عشان الموضوع يضحك.
عشان كنت فاهمة بالظبط هو بيفكر في إيه وبيخطط لإيه.
شريف لسه فاكرني البنت الغلبانة اللي عندها 25 سنة والمكسورة اللي سابها وراه. كان فاكرني لوحدي، بعاني، ومنسية.
مكانش عنده أي فكرة أنا بقيت مين ودنيتي بقت عاملة إزاي.
مريم؟
داليا مساعدتي ظهرت عند الباب.
أنتي كويسة؟
لفيت الشاشة ناحيتها.
قرت الرسالة، وحواجبها عقدت باستغراب.
أنتي مش هتروحي بجد، صح؟
بصيت تاني على أنوار القاهرة اللي بتنور من ورا الشباك.
وابتسمت بثقة.
لأ، هروح طبعاً.
يوم العيد الصبح كان الجو برد وصافي جداً.
الطيارة الهليكوبتر طارت بيا فوق سما مصر، ومعايا أغلى أربع أشخاص في حياتي كلها.
ماما، احنا بجد رايحين نقابل تيتة وجدو النهاردة؟ يوسف سألني وعينيه بتلمع.
وطنط أم بابا كمان؟ نور زودت على كلامه.
ابتسمت لهم حتة ابتسامة حنينة.
يمكن.
قدامي كان قاعد ولادي الأربعة، لابسين طقم العيد زي بعض بالظبط.
ولدين.
وبنتين.
أربع تواءم.
تمن سنين.
كل واحد فيهم واخد عيون شريف وضحكته ونفس الفك العند اللي عنده.
محدش يقدر يشوفهم وميفهمش الحقيقة فوراً.
الراجل اللي هرب من المسؤولية ومن الأبوة، عنده أربع أطفال مستنيين يقابلوه.
هو بس مكانش يعرف لسه.
لما فيلا الشيخ زايد ظهرت تحتنا، قلبي بدأ يدق بسرعة.
مش خوف.
لكن شوق للحظة دي.
الطيارة هبطت في جنينة فيلا الحاجة فاطمة في الشيخ زايد بالظبط الساعة 1147 الضهر.
الهوا كان شديد والتراب طار حوالينا وأنا نازلة من الطيارة.
نزلت أنا الأول، وسبت نسمة الهوا الباردة تخبط في وشي.
وبعدين نزل يوسف.
وبعدين كريم.
وبعدين نور.
وبعدين ملك.
أربع خطوات صغيرة لولاد لابسين لبس العيد زي بعض.
أربع أدلة حية على كل حاجة شريف اتهرب منها وسابها.
الباب الكبير بتاع الفيلا اتفتح.
والناس اللي جوة اتلموا.
لمحت الحاجة فاطمة علطول.
عينيها وسعت من الصدمة.
كوبية العصير اتزحلقت من إيدها واتفشكت على الأرض.
حلو أوي.. خلّيهم يبصوا ويتفرجوا.
الولاد قربوا مني ومسكوا فيا.
همست لهم جاهزين؟
هزوا راسهم.
ومشينا مع بعض ودخلنا البيت.
لما الباب اتفتح، الصالة كلها سكتت ومحدش كان بيتحرك.
وكان واقف هناك.. شريف.
كبر شوية في السن.
ووزنه زاد حاجة بسيطة.
بس لسه محتفظ ب شياكته المبالغ فيها والمنظرة اللي كان دايماً بيحب يظهر بيها.
وكانت واقفة جنبه مراته الثانية الجديدة، لابسة فستان شيك وبتضحك وكأنها مستنية منه هدية غالية بعد العزومة.
لكن ثقة شريف في نفسه اتمحت تماماً في اللحظة اللي شاف فيها الولاد.
عنيه بدأت تتنقل من وش طفل للتاني.
ويرجع يبصلي.
حكايات_صافي_هاني
الدم هرب من وشه ولونه خطف.
كنت شايفه الحقيقة وهي بتنزل عليه زي الصاعقة صدمة ورا صدمة.
يوسف.
كريم.
نور.
ملك.
الشبه مكانش فيه أي مجال للشك.
شريف... مراته الثانية همست ب ذهول. مين الأطفال دول؟
منطقش ولا كلمة.
مكانش قادر ينطق أصلاً.
أنا عشت بتخيل اللحظة دي لسنين.
اللحظة اللي يشوف فيها الحاجة الغالية اللي رماها بإيده.
اللحظة اللي يفهم فيها تمن الجبن والهروب بتاعه.
اللحظة اللي يستوعب فيها إن في الوقت اللي مسحنا فيه من حياته، احنا بنينا دنيا وحياة كاملة وناجحة من غيره.
خطيت خطوة لجوه.
السكوت كان مالك المكان كله.
كل العيون كانت متوجهة عليا أنا.
وقلت بكل هدوء كل سنة وأنتم طيبين، عيد سعيد.
شريف كان شكله نسي إزاي يتنفس.
حطيت إيدي على كتف ملك وبصيت في عين الراجل اللي اتخلى عننا بكل قوة.
وقلت الكلمتين اللي قلبوا التربيزة على الكل
جبت لك ولادك الأربعة اللي عمرك ما كلفت نفسك تعرف إنهم موجودين.
علبة الذهب الصغير اللي كانت في إيد شريف وقعت منها.
مراته الثانية شهقت ب صدمة.
والحاجة فاطمة رجعت لورا وهي مش قادرة تقف على رجلها.
وقبل ما أي حد فيهم يستوعب الصدمة أو يفوق، واحد من ولادي بص لشريف بكل براءة وسأله السؤال اللي جمد الدم في عروق كل اللي واقفين في الصالة...
يوسف بص لشريف بعينيه الواسعة، وقال بصوت بريء هزّ الصالة كلها
هو حضرتك... بابا بجد؟
السؤال وقع على المكان كأنه صاعقة.
شريف فتح بقه، لكن ولا حرف خرج.
أما مراته، فلفت تبص له بسرعة، ثم رجعت تبص للأطفال، وكأنها بتحاول تقنع نفسها إن اللي شايفاه مجرد سوء تفاهم.
الحاجة فاطمة قربت خطوة وهي بتبص في وش يوسف، وبعدها في وش كريم... ثم نور... ثم ملك.
إيديها بدأت ترتعش.
همست بصوت مخنوق
يا ساتر... نفس عيون أبوه... حتى الابتسامة...
أنا فضلت واقفة مكاني.
ولا شماتة...
ولا انفعال...
كنت مستنية الحقيقة هي اللي تتكلم.
شريف أخيراً قدر يطلع صوته، لكنه كان متكسر
مريم... الكلام ده... إزاي؟
ابتسمت ابتسامة هادئة.
إزاي؟ دي المفروض تسألها لنفسك... أنت آخر مرة شفتني فيها كنت حامل. وبعدها

تم نسخ الرابط