بعد تمن سنين بقلم صافي هاني
المحتويات
قفلت كل باب يوصلني بيك.
مراته بصت له بذهول.
يعني... يعني دي حقيقة؟
شريف مردش.
صمته كان أكبر اعتراف.
في اللحظة دي، كريم طلع من جيبه صورة قديمة صغيرة كان ماسكها من الصبح.
ناولها للحاجة فاطمة وقال
ماما قالت دي صورة بابا وهو صغير... عشان نعرفه لو شوفناه.
الحاجة فاطمة أخدت الصورة.
بصت فيها...
وبعدين رفعت عينيها على شريف.
نفس الملامح.
نفس الضحكة.
حتى الشامة الصغيرة اللي جنب العين كانت موجودة في يوسف.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
قعدت على أقرب كرسي وهي بتحط إيديها على قلبها.
أما باقي أفراد العيلة، فبقوا يبصوا لبعض في صدمة.
واحد منهم همس
يبقى كانوا عايشين كل السنين دي... وإحنا ولا نعرف عنهم حاجة؟
الجو كله اتقلب.
العزومة اللي كانت مليانة ضحك من دقايق، بقت صمت ثقيل.
وفجأة...
رن جرس الفيلا.
الخادم راح يفتح.
وبعد ثواني رجع وهو متوتر، وقال بصوت عالي
يا حاجّة... في ضيف بيقول إنه لازم يقابل الأستاذة مريم حالاً... وبيقول إن الموضوع يخص الأطفال.
كل العيون اتجهت ناحيتي...
وشريف رفع رأسه لأول مرة من ساعة ما شافنا...
وعلامات القلق بدأت تظهر على وشه بوضوح الخادم فتح الباب على وسعه...
ودخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي أنيقة، وماسك ملف جلدي أسود.
أول ما شوفته، ابتسمت بهدوء.
أما هو، فهز راسه باحترام وقال
آسف على المقاطعة يا أستاذة مريم... لكن حضرتك طلبتي مني أوصل الملف ده بنفسي.
شريف بصلي باستغراب.
مين ده؟
مردتش.
الراجل قرب، وسلمني الملف.
وبعدين بص للأطفال بابتسامة أبوية.
كل سنة وأنتم طيبين يا أبطال.
الأربعة ردوا بصوت واحد
وحضرتك طيب.
المشهد كله زوّد حيرة الموجودين.
مرات شريف همست
هو يعرفهم؟
الراجل سمعها، لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة.
أنا فتحت الملف بهدوء، واتأكدت إن كل الأوراق موجودة.
بعدها قفلته تاني.
شريف كان أعصابه بتنهار.
مريم... ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟
بصيت له لأول مرة من ساعة ما دخلت.
وقلت بهدوء
هتفهم... بس واحدة واحدة.
الحاجة فاطمة قامت من مكانها، وقربت من الأطفال وهي بتحاول تتمالك نفسها.
وقفت قدام ملك.
وقالت بصوت مرتعش
اسمك إيه يا حبيبتي؟
ملك.
وعندك كام سنة؟
تمانية.
الحاجة فاطمة غمضت عينيها للحظة.
تمانية.
نفس عدد السنين اللي فاتت من يوم ما خرجت مريم من البيت.
مبقاش فيه أي مجال للشك.
رفعت إيدها بتردد، وكأنها عايزة تلمس شعر البنت.
لكنها رجعتها بسرعة، وكأنها خايفة تكون متستحقش.
نور بصتلها ببراءة وقالت
حضرتك بتعيطي ليه؟
السؤال كسر قلب الست.
دموعها نزلت أكتر، وقالت بصوت مخنوق
أصل... فرحانة.
يوسف بصلي وهمس
ماما... هي دي تيتة؟
ربتّ على كتفه.
أيوه.
الولد ابتسم تلقائيًا.
وقبل ما أي حد يلحق يمنعه...
جري ناحيتها وقال
كل سنة وإنتِ طيبة يا تيتة.
الحاجة فاطمة ركعت على ركبتيها واحتضنته، وانفجرت في البكاء.
أما شريف...
فكان واقف مكانه، عاجز حتى ياخد خطوة.
كل ثانية كانت بتعدي، كان بيكتشف قد إيه خسر.
لكن قبل ما يحاول يقرب...
وقبل ما ينطق بأي كلمة...
الراجل اللي سلمني الملف قال بهدوء
لو سمحت يا أستاذ شريف... قبل أي كلام، في حاجة مهمة لازم حضرتك تشوفها.
ثم وضع الملف على الطاولة...
وفتحه أمام الجميع.
وفي أول صفحة...
ظهرت ورقة جعلت ملامح شريف تتغير تمامًا، بينما عمّ الصمت أرجاء الفيلا من جديد...الصالة كلها كانت ساكتة...
حتى صوت الساعة المعلقة على الحائط بقى مسموع.
شريف بلع ريقه بصعوبة، وبص لكريم.
حاول يبتسم... لكن ابتسامته ماتت قبل ما تظهر.
قال بصوت مبحوح
أنا... غلطت.
كريم عقد حواجبه.
دي مش إجابة.
الجملة خرجت من طفل عنده تمن سنين...
لكن وقعت على شريف كأنها حكم.
يوسف مسك إيد أخته نور وقال
إحنا كل عيد كنا نعمل بطاقة ونكتب فيها كل سنة وأنت طيب يا بابا... وماما كانت تحتفظ بيها.
شريف رفع عينه بسرعة ناحيتي.
بصيت له بهدوء.
فتحت شنطتي الصغيرة...
وطلعت ظرف أبيض قديم.
ناولته له.
اتفضل.
فتح الظرف بإيد بترتعش.
كان جواه ثماني بطاقات معايدة.
واحدة لكل عيد.
بخط أطفال صغير.
الأولى كان مكتوب فيها
يا بابا... أنا يوسف. نفسي أشوفك.
والتانية
أنا نور... كل سنة وأنت طيب.
والتالتة
أنا كريم... لما أكبر هعرفك أنا.
والرابعة
أنا ملك... ماما قالت إن الدعاء بيوصل.
وفي كل سنة...
كانت البطاقات بتزيد.
والخط بيتغير مع كبر سنهم.
لكن جملة واحدة كانت موجودة في آخر كل بطاقة
يمكن العيد الجاي نبقى كلنا مع بعض.
إيد شريف بدأت ترتعش بعنف.
نزلت دمعة على أول بطاقة.
الحاجة فاطمة كانت بتبكي في صمت.
أما مراته الثانية، فكانت واقفة بعيد، ملامحها كلها حيرة.
بصت لمريم وقالت بهدوء
هو... هي عمرها كلمتك عنهم؟
شريف هز راسه بالنفي.
ولا مرة.
أنا قلت بهدوء
لأني كنت مؤمنة إن اللي عايز يعرف... بيدور.
سكتُّ لحظة.
ثم كملت
وأنت اخترت متدورش.
شريف قفل الظرف ببطء.
بص للأطفال الأربعة.
وقال بصوت يكاد لا يُسمع
أنا عارف إن مفيش كلمة هتصلح اللي فات... لكن ممكن تسمحولي أقعد معاكم شوية؟
الأطفال بصوا لبعض.
ثم بصوا لي.
كان واضح إنهم مستنيين إجابتي...
فاكتفيت بابتسامة هادئة، من غير ما أنطق بكلمة.
وفي اللحظة دي...
يوسف أخد خطوة صغيرة للأمام، وكأنه هيقول القرار اللي هيغيّر شكل اليوم كله...شريف مد إيده وهو متردد...
بص على أول ورقة.
وبمجرد ما قرا أول سطر، اتسمرت عينه.
دي... دي نتيجة تحليل...
الراجل هز راسه بهدوء.
حضرتك كمّل القراءة.
شريف ابتدى يقلب الصفحات واحدة ورا التانية.
تقارير مستشفى.
شهادات ميلاد.
أوراق متابعة الحمل.
كلها بتاريخ يرجع لثماني سنين.
وكل ورقة كانت بتأكد نفس الحقيقة...
إن مريم كانت حامل وقت الطلاق، وإن الأطفال الأربعة اتولدوا بعدها بأشهر.
مراته الثانية قربت تبص معاه.
وشها اصفر.
همست
يعني... هي كانت بتقول الحقيقة من الأول؟
محدش رد.
لأن الإجابة كانت قدامهم.
الحاجة فاطمة حطت إيدها على وشها وهي بتبكي.
يا ضنايا... عملتوا إيه في البنت؟
واحد من أعمام شريف قال وهو بيبص له بغضب
إحنا صدقناك... قولتلنا إنها كانت بتكدب عليك.
شريف نزل عينه في الأرض.
لأول مرة...
مكانش عنده أي مبرر.
أنا قفلت الملف بهدوء.
وقلت
أنا مجتش النهارده عشان أفضح حد.
كلهم بصوا لي.
ولا جايه أطالب بحاجة... ولا حتى أعاتب.
يوسف شد طرف فستاني.
فابتسمت وربتّ
متابعة القراءة