بعد تمن سنين بقلم صافي هاني
على شعره.
وكملت
أنا جيت عشان ولادي كانوا بيسألوني كل سنة سؤال واحد...
نور قالت بسرعة وهي باصة لشريف
هو بابا شكله عامل إزاي؟
الصالة كلها سكتت.
ملك كملت ببراءة
وماما كانت تقولنا... يمكن الأيام تجمعكم في يوم.
دموع الحاجة فاطمة زادت.
أما شريف...
فرفع عينه ناحية الأطفال لأول مرة من غير خوف...
لكن بندم واضح.
أخد خطوة صغيرة ناحيتهم.
وقف على بعد مترين.
وقال بصوت مبحوح
أنا... ممكن...
لكن قبل ما يكمل...
كريم، اللي كان طول الوقت ساكت، بصله باستغراب وقال
حضرتك كنت فين كل السنين دي؟
السؤال كان بسيط...
لكن محدش في البيت قدر يتحمله.
وشريف فتح بقه يحاول يجاوب...
لكن الكلمات خانته، ولسانه اتعقد...
وظل الأطفال الأربعة مستنيين منه إجابة، بينما كل الموجودين التفتوا إليه في انتظار أول كلمة هينطقها يوسف وقف قدام شريف، وبصله من تحت لفوق.
كان شريف مستني يسمع أي كلمة...
عتاب...
رفض...
أو حتى لأ.
لكن يوسف قال بمنتهى البراءة
أنا أقعد مع حضرتك... بس الأول عايز أسألك سؤال.
شريف هز راسه بسرعة.
اسأل يا حبيبي.
يوسف قال
إنت بتحب الرسم؟
كل اللي في الصالة استغربوا.
حتى أنا.
شريف ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية، وقال
وأنا صغير... أيوه، كنت بحبه.
يوسف جري على شنطته الصغيرة، وطلع منها كراسة رسم.
فتحها على صفحة فيها رسمة بيت كبير.
قدامه شجرة.
وأربع أطفال بيلعبوا.
وفي آخر الرسمة... راجل واقف بعيد لوحده.
ناولها لشريف.
دي رسمتها من شهر.
شريف بص للرسمة، وسأل
وده مين اللي واقف بعيد؟
يوسف رد ببساطة
كنا فاكرين إنه حضرتك.
الصمت رجع يملأ المكان.
شريف فضل باصص للرسمة، ودموعه بتنزل من غير ما يحاول يمسحها.
نور قربت من أخوها وقالت
كل مرة كنا نرسمه بعيد... لأننا منعرفش هو قريب ولا بعيد.
الحاجة فاطمة غطت وشها بإيديها.
أما أعمام شريف، فبقوا مطأطئين راسهم.
ولا واحد فيهم لقى كلمة يقولها.
بعد لحظات، شريف نزل على ركبته قدام الأطفال.
وقال
أنا ما أستحقش إنكم تسامحوني بسهولة.
وسكت.
ثم كمل
لكن لو تدوني فرصة... هقضي عمري كله أحاول أصلح اللي ضيعته.
الأطفال الأربعة بصوا لي.
كنت شايفة في عيونهم ألف سؤال.
لكن قبل ما حد يرد...
سمعنا صوت أذان الظهر يصدح من المسجد القريب.
الحاجة فاطمة مسحت دموعها وقالت
النهارده عيد... وأول حاجة نعملها إننا نشكر ربنا.
ثم التفتت ناحيتي وقالت بصوت مكسور
يا مريم... ممكن بعد الصلاة نتكلم؟ لوحدنا.
نظرت إليها لثوانٍ...
ثم هززت رأسي بهدوء.
أما شريف، فظل ممسكًا بكراسة الرسم، ينظر إلى الرسمة وكأنه يرى فيها السنوات الثماني كلها...
دون أن يعرف أن الحديث الذي ستطلبه والدته بعد الصلاة سيكشف سرًا قديمًا لم يسمعه من قبل بعد ما خلصوا الصلاة، طلبت الحاجة فاطمة من الكل يسيبها تقعد مع مريم وشريف لوحدهم.
قعدت وهي ماسكة مسبحتها، ودموعها بتنزل في هدوء.
وقالت بصوت مكسور
أنا لازم أقول الحقيقة... يمكن أتأخرت، بس السكوت بقى ذنب.
بص لها شريف باستغراب.
قالت
يوم ما مريم جت البيت وهي حامل، كانت جاية ترجعلك... كانت مستعدة تبدأ معاك من جديد. لكن أنت دخلت غاضب، ومسمعتش منها كلمة. وبعد ما مشيت، هي فضلت واقفة قدام الباب بتعيط ساعات.
سكتت لحظة، ثم كملت
وأنا وقتها كنت أقدر أجبرك تسمعها... لكن خوفت أخسرك، فسكت. والنهارده عرفت إن سكوتي خلاني أخسر حفدتي وأحفادي تمن سنين.
شريف نزل برأسه، والندم كان ظاهر في كل ملامحه.
لف ناحيتي وقال
أنا مش هطلب منك ترجعيلي... لأني ضيعت حقي بإيدي. لكن بطلب منك حاجة واحدة... اسمحيلي أكون أب لأولادي، حتى لو متأخر.
بصيت للأولاد.
كانوا واقفين ماسكين إيدين بعض.
يوسف قال
ماما... إحنا نفسنا يبقى لينا بابا... بس من غير ما نزعلِك.
ابتسمت، ومسحت دموعي.
ركعت قدامهم وقلت
ولا عمركم هتزعلوني. اللي بيحب، عمره ما يمنع حد من حقكم.
وقفت، وبصيت لشريف.
أنا سامحتك... مش عشانك، لكن عشان ولادنا ميكبروش شايلين كراهية. إنما اللي بينا انتهى من زمان، وكل واحد طريقه مختلف.
شريف هز رأسه وهو بيحاول يخفي دموعه.
وده حقك.
في الأيام اللي بعدها، بدأ يشوف أولاده كل أسبوع.
كان بيتعلم إزاي يكون أب من البداية.
يحضر حفلات المدرسة.
يلعب معاهم.
يسمع حكاياتهم.
ويضيع ساعات وهو بيعوض لحظات ضاعت للأبد.
أما مراته الثانية، فاختارت تكمل حياتها معاه بعد ما عرفت الحقيقة كاملة، لأنها أدركت أن الأطفال لا ذنب لهم، وأن الماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكن التعامل معه بإنصاف.
أما أنا...
فرجعت لشغلي وحياتي، وأنا مطمنة إن أولادي أخيرًا عرفوا أبوهم، من غير كذب، ومن غير انتقام.
وفي أول يوم عيد بعد سنة...
وقف يوسف في وسط الجنينة، وجمع أخواته، واتصوروا صورة مع أبوهم وجدتهم.
ولما خلصوا، جريوا ناحيتي.
قال كريم وهو بيضحك
ماما... السنة دي بطاقة العيد مش هنبعتها.
ابتسمت وسألته
ليه؟
قال وهو ماسك إيد شريف
عشان بابا بقى موجود... ومبقيناش محتاجين نتمنى.
تمت.