مديرة المطعم

لمحة نيوز

نصها.
طلع ولاعة من جيبه، وولعها.
الضوء الخافت انعكس على وش ليلى، فابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلوا.
قالت وهي بتفرك عينيها
هنغني لماما؟
ابتسم وقال
آه يا حبيبتي... زي كل سنة.
منى وقفت مكانها، وحست دموعها قربت تنزل.
أما باقي الزباين...
فبقوا ساكتين تمامًا.
سليم بدأ يغني بصوت هادي
سنة حلوة يا جميل...
وليلى كملت معاه وهي بتضحك
...سنة حلوة يا ماما.
ولما خلصوا...
غمضوا عينيهم ثانية.
سليم قال بصوت منخفض
الله يرحمك يا نجلاء... ويوعدنا بيكي في الجنة.
حتى هالة، رغم ارتباكها، نزلت عينها للأرض.
لكن اللحظة الإنسانية انتهت بسرعة...
لما واحد من المحامين قرب من سليم وهمس
الفريق وصل يا فندم.
بعد ثوانٍ...
دخل أربعة أشخاص ببدل رسمية.
واحد منهم كان مدير المراجعة الداخلية.
والتاني مسؤول الموارد البشرية.
والتالت مدقق حسابات مستقل.
أما الرابع...
فكان مسؤول الأمن الإداري.
أول ما شافتهم هالة، وشها اصفر.
قالت بتوتر
هو... هو كل الناس دي ليه؟
رد مدير المراجعة
علشان الجرد هيبدأ دلوقتي.
وبأمر مباشر.
هالة حاولت تتمالك نفسها.
الجرد يتأجل لبكرة... المطعم مليان زباين.
لكن سليم قال بهدوء
لا.
هيبدأ دلوقتي.
لأن الظلم عمره ما استأذن حد.
مدقق الحسابات فتح حقيبة جلد سوداء.
وطلع منها جهاز لوحي وملفات مختومة.
وقال
ممنوع أي موظف يغادر المكان قبل انتهاء المراجعة.
في اللحظة دي...
واحد من العاملين في الكاشير بدأ يتوتر بشكل واضح.
بص لهالة...
وهالة بادلته نفس النظرة.
النظرة ما استمرتش غير ثانيتين...
لكن سليم لاحظها.
قال للمحامي
سجل اسم الموظف ده.
الشاب ارتبك وقال بسرعة
أنا... أنا ماليش دعوة.
سليم رد بهدوء
لو مالكش دعوة... متخفش.
وقبل ما حد يرد...
جرس باب المطعم رن من جديد.
دخل رجل كبير في السن، لابس يونيفورم قديم ونضيف.
أول ما شاف سليم...
ابتسم وقال
الحمد لله إنك جيت بنفسك.
سليم قام من مكانه بسرعة، وسلم عليه بكل احترام.
الموجودين استغربوا...
إزاي صاحب المكان بيقف لرجل بسيط بالشكل ده؟
ابتسم سليم وقال
يا عم حسن... وحشتني.
الرجل رد وهو بيبص حواليه بحزن
المكان اتغير يا ابني... مش هو اللي سبناه.
الصالة سكتت مرة تانية...
لأن واضح من نظرة سليم...
إن كلام عم حسن هيكشف أسرار أكبر بكتير من مجرد سرقة بقشيش سليم فضل يبص في الورقة ثواني.
ملامحه هديت أكتر...
وده كان مخيف لأي حد واقف في المكان.
قفل الملف براحة، وحطه على الترابيزة.
وقال للمحامي
هاتوا الملف رقم سبعة.
المحامي فتح حقيبة تانية، وطلع دوسيه أزرق مكتوب عليه
مراجعة داخلية سري.
هالة بصت للدوسيه، وإيديها بدأت ترتعش.
قالت بسرعة
حضرتك... أكيد في خطأ.
سليم رفع عينه ليها وقال
أنا لسه ما اتهمتش حد.
لكن الحقيقة هي اللي هتتكلم.
مدير المراجعة الداخلية قال
من شهرين، وصل للإدارة المركزية بلاغات إن بعض الموردين بيتحاسبوا على أسعار أعلى من المتفق عليها.
والفرق كان بيختفي.
ثم أخرج مجموعة فواتير.
لما راجعنا المستندات...
اكتشفنا إن التوقيعات كلها باسم واحد.
هالة صرخت
التوقيع ممكن يتزور!
رد المدقق بهدوء
وده اللي فكرنا فيه.
علشان كده عرضناها على خبير خطوط.
وأخرج تقريرًا مختومًا.
والنتيجة أكدت إن التوقيعات أصلية.
ساد الصمت.
أحد الطهاة، الذي كان يعمل في المطعم منذ سنوات، تمتم
يعني إحنا كنا بنتحاسب على كل جنيه... وفي ناس كانت بتلعب في آلاف؟
في تلك اللحظة...
اقترب فرد الأمن الإداري من الكاشير.
وقال له بهدوء
ممكن مفاتيح المكتب الإداري.
ارتبك الشاب وقال
المفاتيح... مع المديرة.
التفت الجميع إلى هالة.
ترددت لحظة...
ثم أخرجت سلسلة مفاتيح من جيبها وهي ترتجف.
أخذها فرد الأمن، واتجه إلى المكتب.
بعد دقائق...
عاد وهو يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
قال
لقيناه في الدرج السفلي، وكان مقفول.
نظر سليم إلى هالة وسأل
تحبي تفتحيه بنفسك؟
لم ترد.
ظل الصمت يملأ المكان.
ناولها المفتاح.
لكنها لم تمد يدها.
عندها قال سليم
افتحوه.
فتح فرد الأمن الصندوق ببطء...
وكل العيون كانت معلقة بما بداخله.
وفور ما ارتفع الغطاء...
تبادل المحامون النظرات.
وأخرج أحدهم ظرفًا بنيًا سميكًا، مكتوبًا عليه بخط كبير
خاص... لا يُفتح إلا بحضور المالك.
سليم أخذ الظرف بين يديه...
ونظر إليه للحظات.
ثم بدأ يفتح الختم ببطء...
وفي اللحظة التي سحب فيها أول ورقة من داخله، تغيّر وجه أحد المحامين فجأة وقال
أستاذ سليم... دي مش مجرد مخالفة إدارية...سليم رفع عينه للمحامي، وقال بهدوء
قول اللي عندك.
المحامي أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
الورق ده يثبت إن فيه قرارات اتاخدت باسم الإدارة... من غير أي تفويض.
وفيه توقيعات مزورة على مخاطبات داخلية.
مدير الموارد البشرية مد إيده وأخذ أول ورقة.
وبعد ما قراها، اتسعت عينه وقال
دي قرارات فصل.
أكتر من سبعة عشر موظف اتفصلوا خلال آخر ثلاث سنين.
والسبب المكتوب في الملفات سوء سلوك.
منى شهقت.
وقالت
بس فيه ناس منهم كانوا محترمين جدًا!
رد عم حسن بحزن
أنا فاكرهم واحد واحد.
فيهم شاب رفض ياخد بقشيش من زبون بالقوة.
وفيهم ست كانت بتقسم أكلها مع عامل النظافة.
كل ذنبهم إنهم كانوا بيعترضوا على الغلط.
سليم أغلق الملف للحظة، ثم قال
هاتوا ملفاتهم.
المحامي رد
كلها موجودة.
وأرقام تليفونات أغلبهم لسه محفوظة.
سليم قال دون تردد
من بكرة الصبح...
كل واحد منهم يتواصل معاه.
اللي يحب يرجع شغله، يرجع بكل حقوقه.
منى حطت إيدها على فمها من شدة المفاجأة.
أما العمال...
فبدأت ملامح الأمل ترجع لوشوشهم لأول مرة.
في اللحظة دي، اقتربت ليلى من أبوها وهي ماسكة الأرنب اللعبة.
وقالت بصوت بريء
بابا...
هي الأبلة اللي جابتلي اللبن هتزعل؟
سليم ابتسم وربت على رأسها.
لا يا حبيبتي.
ثم نظر إلى منى وقال
الإنسانية عمرها ما كانت سبب للعقاب.
منى حاولت تتكلم، لكن دموعها سبقتها.
وفجأة...
رن هاتف أحد المحامين.
رد بسرعة، ثم تغيّر تعبير وجهه.
اقترب من سليم وقال بصوت منخفض
في شخص واقف بره.
بيقول إنه كان المحاسب السابق للفرع.
ومعاة شنطة مليانة مستندات.
وبيقول إنه مستني اليوم ده من سنين...
ثم أضاف وهو ينظر نحو الباب الزجاجي الذي ما زال المطر يهطل خلفه
وبيأكد إن اللي اتكشف لحد دلوقتي... مجرد بداية اتجهت كل الأنظار ناحية الباب الزجاجي.
وراءه...
كان راجل في أواخر الخمسينات، واقف تحت المطر، ماسك شنطة جلد بنية قديمة بإيده الاتنين.
هدومه كانت مبلولة...
لكن واضح إنه مش فارق معاه.
المحامي خرج له بسرعة.
وبعد ثوانٍ...
دخل الراجل للمطعم.
وقف أول ما شاف سليم.
وقال باحترام
أنا سامي... المحاسب اللي اشتغل هنا قبل سبع سنين.
سليم مد إيده وسلم عليه.
أهلاً بيك.
سامي بص حواليه، وشاف هالة.
فسكت لحظة...
ثم قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
هالة صرخت
كذاب!
اترفت بسبب أخطائك!
سامي هز رأسه بهدوء.
أنا ما اترفدتش.
أنا قدمت استقالتي.
بعد ما رفضت أمضي على مستندات مش قانونية.
ثم رفع الشنطة الجلد وحطها على الترابيزة.
فتحها...
وطلع منها عشرات الملفات.
كل ملف عليه تاريخ.
وكل ورقة متقسمة بعناية.
مدقق الحسابات بدأ يقلب فيها بسرعة.
وفجأة قال
يا أستاذ سليم...
الراجل ده محتفظ بنسخة من كل حاجة.
سامي ابتسم ابتسامة بسيطة.
وقال
كنت حاسس إن الحقيقة هتحتاج دليل.
ثم أخرج دفتر صغير جدًا.
أوراقه مصفرة من الزمن.
وقال
الدفتر ده كنت بكتب فيه كل ملاحظة.
كل مرة كان حد يتظلم.
كل مرة كانت فلوس تختفي.
وكل مرة كنت أرفض أمضي.
فتح صفحة محددة.
وقال
اقرأ التاريخ ده.
سليم قرأ بصوت منخفض.
ثم رفع رأسه فجأة.
التاريخ...
كان نفس اليوم اللي توفيت فيه نجلاء، زوجته.
سامي قال بحزن
اليوم ده حضرتك غبت عن الفرع.
والكل كان عارف إنك في ظروف صعبة.
وفي نفس اليوم...
استغلوا غيابك.
ومن بعدها بدأ الفساد يكبر يوم بعد يوم.
سليم أغمض عينيه للحظة.
وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال
يعني كل اللي حصل...
كان لأن محدش راجعهم.
سامي هز رأسه.
كان فيه ناس شرفاء.
لكن كانوا بيتكسروا واحد ورا التاني.
في تلك اللحظة...
اقتربت ليلى من منى، ومدت لها قطعة الجاتوه اللي كانت منى اشترتها لها.
وقالت بابتسامة بريئة
خدي... دي ليكي.
منى انحنت لمستواها، وابتسمت رغم دموعها.
وقالت
دي بتاعتك يا حبيبتي.
ليلى هزت رأسها وقالت
بابا بيقول... اللي يعمل خير لازم نفرحه.
ابتسم كل من في الصالة.
حتى بعض الزبائن صفقوا دون شعور.
لكن التصفيق توقف...
لما فرد الأمن الإداري خرج من المكتب وهو ماسك جهاز تسجيل صغير.
وقال بصوت واضح
أستاذ سليم...
لقينا الجهاز ده مخبي ورا الخزنة.
ويبدو إنه عليه تسجيلات قديمة لاجتماعات الإدارة.
سليم نظر إلى
تم نسخ الرابط