مديرة المطعم
الجهاز، ثم إلى هالة.
أما هالة...
فأغمضت عينيها للحظة، وكأنها عرفت أن ما هو قادم سيكون أصعب بكثير مما مضى فرد الأمن حط جهاز التسجيل على الترابيزة بحرص.
كان جهازًا قديمًا، عليه آثار تراب خفيف، وكأنه متخبي من سنين.
مدقق الحسابات قال
نجربه؟
سليم هز رأسه.
شغّله.
ضغط فرد الأمن على زر التشغيل.
في البداية...
طلع صوت تشويش.
ثم بدأ صوت واضح يخرج من السماعة.
...أي حد يعترض على التعليمات يتكتب عنه تقرير...
الصالة كلها سكتت.
الصوت كان صوت هالة.
كملت التسجيل
...ولو حد سأل على البقشيش، قولوا إن الزباين ما سابوش حاجة...
منى حطت إيدها على بقها.
أنا فاكرة الاجتماع ده...
التسجيل كمل
...وأي شكوى للإدارة لازم تعدي عليّا الأول...
المحامي وقف التسجيل وقال
ده يفسر ليه الشكاوى كانت بتختفي.
لكن سليم قال بهدوء
كمّل.
رجع التسجيل يشتغل.
وفجأة...
طلع صوت شخص تاني.
صوت راجل.
لكن ما كانش واضح مين.
قال
...المهم محدش يعرف إن الأرقام اتغيرت...
هالة اتوترت جدًا.
وقالت بسرعة
الصوت ده مش معروف!
لكن سامي، المحاسب السابق، رد فورًا
أنا عارفه.
كل الناس بصت له.
قال
الصوت ده كنت بسمعه كل أسبوع.
بس صاحبه ما كانش بيظهر قدام الموظفين.
سليم عقد حاجبيه.
مين؟
سامي بلع ريقه وقال
كان بيجي بعد معاد القفل.
ويدخل المكتب مباشرة.
وأول ما يخرج...
كنا نلاقي تعليمات جديدة.
عم حسن قال باستغراب
طول عمري فاكر إن هالة هي صاحبة القرار.
سامي هز رأسه.
لأ.
هي كانت بتنّفذ...
لكن كان فيه حد أكبر منها بيوجه كل حاجة.
ساد صمت ثقيل.
هالة حاولت تمسك الكرسي عشان توازن نفسها.
وقالت بصوت مرتجف
أنا... أنا...
لكن الكلمات وقفت في زورها.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف سليم.
بص للشاشة.
ثم وقف بهدوء.
قال للمحامي
المكالمة دي لازم أرد عليها.
خرج خطوتين بعيد عن الجميع.
ولما رد...
اتغيرت ملامحه.
قال باحترام
أيوه يا فندم... أنا في الفرع دلوقتي.
استمع لثوانٍ.
ثم رد
تمام... فهمت.
قفل المكالمة.
ورجع يبص للموجودين.
وقال بهدوء
واضح إن اللي كشفناه النهارده...
فتح ملفات في فروع تانية كمان.
ثم نظر إلى الجهاز مرة أخرى، وقال
لكن قبل ما نتحرك لأي مكان...
لازم نعرف صاحب الصوت ده.
وهنا...
طلب خبير الصوتيات من أحد المحامين أن يسلمه جهاز التسجيل، وقال
قد أحتاج دقائق قليلة فقط...
ولو توقعي صحيح...
الاسم اللي هيظهر هيغيّر القضية كلها خبير الصوتيات أخذ جهاز التسجيل بحذر، ووصل سماعات صغيرة بجهاز الكمبيوتر المحمول اللي كان معاه.
الصالة رجعت هادئة.
حتى العاملين وقفوا أماكنهم، مستنيين النتيجة.
مرت خمس دقايق...
وبعدين عشرة.
وأخيرًا، خبير الصوتيات شال السماعة، وقال
الصوت واضح بما يكفي.
سليم سأله
عرفت صاحبه؟
الخبير هز رأسه وقال
أقدر أحدد إن نفس الشخص موجود في أكتر من تسجيل.
لكن تحديد الاسم محتاج مقارنة بعينة صوت رسمية.
المحامي قال
يعني لسه مينفعش نتهم حد.
بالضبط.
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وده اللي أنا عايزه.
محدش هيتظلم... حتى لو هو اللي ظلم غيره.
الكلمة دي خلت أكتر من زبون يبصله بإعجاب.
أما هالة...
فكانت لأول مرة تبكي.
لكن سليم لم يلتفت إليها.
نظر إلى منى وقال
منى.
ارتبكت وقالت
أفندم.
من النهارده، محدش هيعتبرك مفصولة.
وبعد انتهاء التحقيقات، هتستلمي كل مستحقاتك، بما فيها أي بقشيش أو خصومات اتاخدت منك بدون حق.
منى انهارت في البكاء.
وقالت
أنا ما كنتش مستنية غير كلمة إني عملت الصح.
ابتسم سليم وقال
وده أهم من أي مكافأة.
ثم التفت إلى جميع العاملين.
وقال بصوت سمعه كل من في المطعم
أي موظف عنده ورقة، أو رسالة، أو دليل، أو حتى شهادة...
بابي مفتوح.
والحقيقة مش هتخاف من النور.
في تلك اللحظة...
رفع أحد الطهاة يده بتردد.
وقال
أنا عندي مفتاح.
الجميع بص له باستغراب.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
وقال
قبل ما أسيب الشيفت الأسبوع اللي فات، لقيته واقع في المكتب.
ولما سألت عليه...
مدام هالة قالت سيبه معاك لحد ما تطلبه.
هالة رفعت رأسها فجأة.
وعلامات الذعر رجعت لوشها.
سليم مد يده للمفتاح.
مفتاح إيه؟
الطاهي رد
فيه مخزن صغير في آخر الممر.
عمرنا ما دخلناه.
وكان ممنوع حد يقرب منه.
نظر سليم إلى فرد الأمن.
وقال بهدوء
يلا...
نشوف المخزن ده فيه إيه.
وتحرك الجميع ناحية الممر الخلفي...
بينما بقيت هالة واقفة مكانها، لا تتحرك، وكأنها تعرف أن الباب الذي سيفتح بعد لحظات قد يكشف أسرارًا ظلت مخفية لسنوات سليم أخذ المفتاح من الطاهي، ومشى بخطوات ثابتة ناحية آخر الممر.
وصل لباب حديد صغير، عليه طبقة تراب، وكأنه ما اتفتحش من زمان.
لف المفتاح...
وساد صمت في المكان كله.
الباب اتفتح ببطء.
الجميع دخل خلفه.
المخزن ما كانش مليان فلوس ولا مجوهرات...
كان مليان صناديق ملفات.
كل صندوق مكتوب عليه سنة.
وملفات موظفين.
وشكاوى.
وكشوف بقشيش.
وأوراق كان المفروض توصل للإدارة، لكنها اتخبّت هنا سنين.
مدقق الحسابات فتح أول صندوق، وبص لسليم وقال
كل الأدلة موجودة... ومترتبة.
ابتسم سليم ابتسامة حزينة وقال
الحقيقة كانت مستنية حد يفتح الباب بس.
خلال أسبوعين...
انتهت المراجعة الكاملة.
اترد لكل موظف حقه.
وصُرفت كل الخصومات اللي اتاخدت منهم بغير وجه حق.
واتصلت الإدارة بكل العاملين اللي اتفصلوا ظلم، وعرضت عليهم يرجعوا لو حابين.
أما هالة...
فاتخذت الشركة ضدها كل الإجراءات القانونية والإدارية، بعد ما ثبتت المخالفات بالأدلة، وتركت منصبها.
وسامي، المحاسب السابق...
اعتذرت له الشركة رسميًا، واتعرض عليه يرجع مستشارًا ماليًا، لكنه ابتسم وقال
يكفيني إن الحقيقة ظهرت.
أما عم حسن...
فوافق يرجع يومين في الأسبوع، يدرب الموظفين الجدد.
وكان أول درس يقوله لكل موظف جديد
الزبون مش بيتقاس بلبسه... بيتقاس بكرامته.
وفي أول يوم بعد إعادة تنظيم المطعم...
أصرت منى إنها تكون واقفة على الباب تستقبل الزباين.
دخل راجل بسيط، لابس جلابية قديمة، ومعاه ابنه.
ابتسمت منى وقالت بكل احترام
أهلًا وسهلًا... نورتوا المكان.
سليم كان واقف من بعيد، شاف الموقف وابتسم.
قرب من ليلى، اللي كانت ماسكة نفس الأرنب القديم.
سألها
إيه رأيك في المطعم دلوقتي؟
ضحكت وقالت
بقى شبه ماما...
استغرب وقال
إزاي؟
قالت وهي تبص للناس
ماما كانت بتقول... المكان الحلو هو اللي محدش يحس فيه إنه غريب.
ابتسم سليم، ورفع عينه للسقف وكأنه بيكلم نجلاء
وعدتك أحافظ على المكان... بس النهارده فهمت إن المكان مش الحيطان ولا الديكور.
المكان الحقيقي... هو الناس.
وانتهى اليوم، والمطعم كان مليان زباين.
لكن أكتر حاجة كانت مالية المكان...
الاحترام.
تمت.