انا استخبيت

لمحة نيوز

اتحركت تلقائيًا، لكن بدل ما يندفع، رجع خطوة لورا واستخبى في ظل الخزانة.
الخطوات قربت...
وباب المخزن اتفتح على آخره.
دخل راجل كبير في السن، لابس جلابية بسيطة، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
وشه كان هادي، لكنه كان بيبص حواليه بحذر.
وقف قدام الخزانة، وتمتم
الحمد لله... لسه محدش فتحها.
يونس خرج من مكانه فجأة وقال بصوت ثابت
وأنا بقى عايز أعرف إنت مين.
الراجل اتخض، لكن سرعان ما استعاد هدوءه.
بص ليونس طويلًا وقال
كنت متأكد إنك هتوصل للمكان ده... بس كنت مستنيك بعد بكرة.
يونس قرب منه خطوة.
مين باعتك؟ وليه بتهدد مراتي؟
الراجل هز رأسه بسرعة.
أنا ما هددتش مراتك.
يبقى الرسائل اللي بتوصلها دي من مين؟
تنهد الرجل وقال
فيه ناس بتدور على حاجة قديمة... وندى اتحطت في النص من غير ذنب.
يونس عقد حواجبه.
إيه هي الحاجة دي؟
قبل ما الراجل يرد...
سمعوا صوت موتور عربية وقف بعنف قدام البيت.
بعدها بثواني...
أصوات أبواب عربيات بتتقفل.
ثم صوت حد بيصرخ من بره
فتشوا المكان كله... لازم نلاقي الخزانة قبل ما صاحب البيت يرجع!
اتسعت عينا الرجل وقال بسرعة
وصلوا...
يونس بص له بحدة.
مين دول؟
رد وهو يحاول يفتح شنطته الجلدية
الناس اللي بقالها سنين بتفتش على أمانة اتسابت عند أبوك... وأبوك مات قبل ما يقول مكانها.
يونس اتجمد.
أبويا؟!
هز الرجل رأسه وقال
وأنت ومراتك بقيتوا في قلب الحكاية... من غير ما تعرفوا.
وفي الخارج...
بدأت خطوات ثقيلة تقترب من باب المخزن...
ثم سُمِع صوت مقبض الباب وهو يتحرك ببطء، كأن أحدهم يحاول فتحه من الخارج يونس ما نطقش بحرف.
بلع غضبه، وكتم كل الأسئلة اللي كانت هتنفجر من جواه.
لو واجهها دلوقتي...
اللي بيهددها هيعرف إنها اتكلمت.
وده آخر حاجة كان مستعد يخاطر بيها.
فضل يمثل إنه طبيعي، وقعد على السفرة كأن اليوم عادي.
ندى كانت بتحاول تاكل، لكن إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة المعلقة.
كل شوية تبص ناحية الشباك...
كأنها خايفة حد يكون واقف برا بيراقب البيت.
يونس خد باله من كل تفصيلة.
ولأول مرة من سنين...
حس إن بيته بقى مكان غريب عليه.
في نص الليل...
اتأكد إن ندى نامت.
قام بهدوء، وفتح درج الكومودينو اللي شافها وهي بتحط فيه الظرف.
قلب الورق بسرعة...
بس اتصدم.
الظرف كان فاضي.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لنفسه
يعني كنتِ متوقعة إني هدور.
قبل ما يقفل الدرج، لمح حاجة صغيرة لازقة من الداخل.
قصاصة ورق مطوية بعناية.
فتحها...
وكان مكتوب فيها بخط مرتب
المفتاح تحت البلاطة الثالثة... المخزن القديم.
مفيش اسم.
ولا توقيع.
ولا أي تفسير.
يونس حفظ الجملة في دماغه، ورجع كل حاجة مكانها قبل ما ندى تصحى.
مع أول ضوء للفجر...
خرج من البيت من غير ما يحسسها.
لف حوالين السور الخلفي، لحد ما وصل لمخزن قديم كان مقفول بقاله سنين، وكان موجود في آخر الجنينة.
وقف قدامه.
بص على الأرض.
عد البلاط...
واحد...
اتنين...
تلاتة.
ركع على ركبته، ورفع البلاطة الثالثة.
فعلاً...
كان فيه مفتاح صغير ملفوف في قطعة قماش.
قلبه بدأ يدق بعنف.
حط المفتاح في القفل الصدئ.
لفه ببطء...
وسمع صوت تك.
الباب اتفتح سنتيمترات قليلة، وخرجت منه ريحة تراب ورطوبة قديمة.
ولما دخل خطوة واحدة بس...
لمح في آخر المخزن خزانة حديد ضخمة، وعلى بابها ورقة مكتوب عليها بخط أحمر
لو فتحت الخزانة قبل ما تعرف الحقيقة... هتضيع ندى للأبد.
تجمد يونس مكانه...
وفي نفس اللحظة، سمع صوت خطوات جاية من خارج المخزن... حد كان داخل عليه، بخطوات واثقة، وكأنه كان عارف من البداية إنه هييجي للمكان ده يونس أشار للرجل أن يلتزم الصمت.
في لحظة، انطفأت كل مشاعره، وحل محلها ذلك الهدوء الذي اشتهر به في أصعب المواقف.
صوت المقبض توقف...
ثم جاء صوت رجل من الخارج
المخزن مقفول.
رد عليه آخر
اكسره.
تبادل يونس والرجل نظرة سريعة.
قال الرجل هامسًا
لو دخلوا وشافوني، هيعرفوا إن كل اللي عملوه مع ندى فشل.
يونس سأله بسرعة
تقصد إيه؟
لكن قبل أن يجيب...
ارتطم شيء ثقيل بالباب.
مرة...
ثم الثانية...
والباب الخشبي القديم بدأ يتشقق.
أخذ يونس نفسًا عميقًا، ثم جر صندوقًا حديديًا وأسنده خلف الباب ليكسب بعض الوقت.
نظر إلى الرجل وقال
هات الحقيقة... دلوقتي.
فتح الرجل شنطته، وأخرج منها ملفًا قديمًا مغلفًا بالقماش.
قال وهو يناوله ليونس
ده إثبات ملكية لأرض كبيرة كان والدك مؤتمنًا عليها لصالح مجموعة من الورثة. ناس نافذة حاولت تستولي عليها بالتزوير، ولما أبوك رفض، خبّى المستندات الحقيقية قبل وفاته.
يونس قلب الملف بسرعة.
الأوراق كانت قديمة، وعليها أختام رسمية.
قال بذهول
وإيه دخل ندى بكل ده؟
تنهد الرجل وقال
لأنها الوحيدة اللي كانت تعرف مكاني. بعد وفاة أبوك أنا اختفيت، وما كنتش بتواصل إلا معاها. كل مرة كانوا يضغطوا عليها عشان تدلهم عليّ... لكنها كانت ترفض.
سكت لحظة ثم أكمل
الرسائل اللي وصلتها، والتهديدات، كلها كانت عشان يخلوها تخاف وتتكلم. لكنها كانت مستحملة لوحدها، ومخبتش عليك لأنها كانت عارفة إنك لو عرفت هتدخل مواجهة ممكن تكلفك حياتك.
ارتطم الباب بقوة أكبر.
وانكسر أحد ألواحه.
ظهر من الفتحة شعاع ضوء...
وصوت رجل يقول بثقة
خلص وقت الاختباء.
أغلق يونس الملف بسرعة، وأخفاه تحت سترته.
ثم نظر إلى الرجل العجوز وقال
مهما كانوا عايزين... مش هياخدوه.
وفي اللحظة التالية...
انهار الباب نصف انهيار، وبدأت عدة ظلال تتحرك عند المدخل، بينما وقف يونس ثابتًا في مكانه، ينتظر أول من يجرؤ على الدخول أول رجل دخل المخزن، كان ماسك كشافًا قويًا، يسلط نوره في كل زاوية.
لكن قبل أن يرفع الكشاف ناحية يونس...
قال يونس بصوت هادئ
مكانك.
الرجل توقف لا إراديًا.
كانت نبرة يونس معروفة... نبرة رجل اعتاد أن يأمر فيُطاع.
دخل خلفه ثلاثة آخرون.
تبادلوا النظرات، وكأنهم أدركوا أنهم أمام الشخص الذي كانوا يتجنبون الاصطدام به.
قال أحدهم
إحنا مش جايين نحاربك يا أستاذ يونس.
رد يونس ببرود
يبقى تكسروا باب بيتي ليه؟
ساد الصمت.
ثم تقدم رجل يبدو أنه قائدهم، وقال
إحنا جايين ناخد الملف ونمشي... ومحدش هيتأذى.
ابتسم يونس ابتسامة خفيفة.
ولو قلت لأ؟
قال الرجل بلهجة جامدة
ساعتها هتكون أنت اللي اخترت.
في تلك اللحظة...
رن هاتف أحد الرجال.
نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه فجأة.
همس لقائده
في مشكلة... الست مش موجودة في البيت.
يونس انتفض قلبه.
ندى!
رفع رأسه بسرعة وقال
تقصدوا مين؟
لكن الرجل أدرك أنه تكلم أكثر مما ينبغي، فسكت.
أما قائدهم، فزمجر فيه
أنا قلت محدش ينطق!
قبض يونس يده بقوة.
كل ما كان يهمه الآن ليس الملف...
ولا الأرض...
ولا أي شيء.
ندى اختفت.
نظر إلى الرجل العجوز، فوجده شاحب الوجه.
قال العجوز بصوت مرتجف
لو سبقونا ليها... هيضيع كل شيء.
وقبل أن يتحرك أحد...
وصلت رسالة إلى هاتف يونس من رقم مجهول.
فتحها بسرعة.
كانت مجرد سطر واحد
لو عايز مراتك ترجع سالمة... تعالى وحدك، ومتبلغش الشرطة.
ارتفعت حرارة الدم في عروق يونس، لكنه أخفى انفعاله، وعيناه ثبتتا على الرسالة.
رفع رأسه ببطء...
وأدرك أن اللعبة الحقيقية بدأت الآن، وأن كل خطوة سيحسبها بدقة، لأن أي خطأ قد يعرّض ندى للخطر يونس قرأ الرسالة مرة...
واتنين...
وتلاتة.
ثم قفل شاشة الموبايل من غير ما يبين أي انفعال.
رفع عينه ناحية الرجال الواقفين قدامه وقال بهدوء
واضح إن فيه حد بيلعب بينا كلنا.
قائد المجموعة عقد حاجبيه.
إنت تقصد إيه؟
يونس طلع الموبايل ووراله الرسالة.
أول ما القائد قراها، وشه اتغير.
قال بسرعة
إحنا ماخدناش مراتك... ولو كانت اتخطفت فعلًا، يبقى فيه طرف تالت دخل على الخط.
ساد صمت ثقيل.
الرجل العجوز همس
كنت خايف من اللحظة دي...
يونس بصله بحدة.
قول كل اللي عندك.
تنهد العجوز وقال
اللي بيطمعوا في الملف معروفين... لكن فيه واحد أخطر منهم بكتير. راجل مبيظهرش بنفسه، وبيستخدم ناس تشتغل لحسابه. لو هو عرف إن الملف اتحرك من مكانه، هيعمل أي حاجة عشان ياخده.
وقبل ما يكمل...
رن هاتف يونس مرة تانية.
المرة دي كان اتصال.
رقم مجهول.
ضغط
تم نسخ الرابط