انا استخبيت

لمحة نيوز

زر الرد، وحط الموبايل على السماعة.
جاله صوت متغير إلكترونيًا
أنت لوحدك يا يونس؟
رد بثبات
مين إنت؟
ضحكة قصيرة خرجت من السماعة.
الأسئلة دلوقتي أنا اللي بسألها.
سكت لحظة، ثم قال
مراتك بخير... لحد دلوقتي.
قبضة يونس اشتدت.
لو لمستها...
قاطعه الصوت
ولا حد لمسها، ولا هيتمسها... إحنا مش مجرمين. إحنا عايزين حاجة واحدة.
إيه هي؟
الملف.
يونس بص للعجوز، ثم قال
ولو سلمته؟
رد الصوت
هترجع مراتك لبيتها، وكأن حاجة ما حصلتش.
يونس سكت ثواني.
ثم قال
عايز أسمع صوتها.
جاءه الرد فورًا
من حقك.
بعد لحظات...
سمع صوت ندى، متعب لكنه ثابت
يونس... متعملش اللي هما عايزينه... أوعى...
وفجأة انقطع الصوت.
ورجع الرجل المجهول للكلام
معاك ساعة واحدة.
وأغلق الخط.
يونس فضل واقف مكانه.
ثم رفع رأسه، ونظر إلى الملف في إيده.
كان قدامه اختيار صعب...
إما يسلم الملف وينقذ زوجته، أو يحتفظ به ويحاول الوصول إليها بطريقة أخرى، وهو لا يعرف إن كان الوقت سيسعفه أم لا.
وفي تلك اللحظة، لمح الرجل العجوز شيئًا من نافذة المخزن، فاتسعت عيناه وقال بصوت مرتجف
يا نهار أبيض... هم سبقونا على المكان اللي طلبوه منك يونس جرى ناحية النافذة.
بص برا...
لقى عربيتين سودا واقفين على أول الطريق الترابي، لكن المكان اللي طلبوا يقابلوه فيه كان فاضي.
قال العجوز بسرعة
دي مش عربياتهم.
يونس لف له.
يعني إيه؟
رد بصوت خافت
فيه حد بيراقبهم هما كمان... والملف بقى الكل بيجري وراه.
في اللحظة دي، موبايل يونس اهتز برسالة جديدة.
فتحها بسرعة.
كانت عبارة عن إحداثيات لمكان قديم على أطراف البلد، وتحتها سطر واحد
تعالى قبل المغرب... لو اتأخرت دقيقة، هتمشي وهيتمشي معاها السر.
يونس رفع عينه للعجوز.
تعرف المكان ده؟
هز رأسه.
أعرفه... مصنع طوب قديم متقفل من أكتر من عشرين سنة.
سكت لحظة، ثم أكمل
بس فيه حاجة غريبة...
إيه؟
المكان ده مليان مخارج وأنفاق قديمة... أي حد يدخله من غير ما يكون حافظه، ممكن يفضل يلف فيه بالساعات.
يونس أخد نفسًا عميقًا.
قفل الملف بإحكام، وخباه داخل بطانة جاكيته.
ثم بص للرجال اللي كانوا واقفين.
وقال بلهجة حاسمة
اللي هييجي معايا هيعرض ندى للخطر.
قائد المجموعة رد
إحنا مش هنقرب... بس هنفضل بعيد نراقب. لو احتجتنا، هنظهر.
يونس اكتفى بهزة رأس.
ركب عربيته، وانطلق بأقصى سرعة.
طول الطريق، كان عقله مشغول بحاجة واحدة...
ليه ندى كانت مصرة تخبي عنه كل ده؟
هل كانت بتحاول تحميه؟
ولا كانت تعرف سرًا أكبر من الملف نفسه؟
بعد أقل من ساعة...
وصل للمصنع المهجور.
السكون كان مخيف.
لا صوت طيور...
ولا حركة بشر.
نزل من العربية ببطء.
وقبل ما ياخد خطوتين...
سمع صوت ندى، واضح جدًا، بيناديه
يونس... متدخلش!
التفت بسرعة ناحية الصوت...
لكن المكان كان خاليًا تمامًا.
عرف فورًا إنهم بيستخدموا سماعات مخفية لبث صوتها.
ابتسم ابتسامة باردة وقال لنفسه
عايزين يشتتوا تركيزي...
وبينما كان بيتقدم بحذر، لمح بابًا حديديًا نصف مفتوح، وعلى الأرض أمامه كانت توجد إسورة ندى التي أهداها لها يوم زواجهما.
رفعها من الأرض، وضغط عليها بين أصابعه.
ثم دخل من الباب...
غير مدرك أن عشرات العيون كانت تراقبه من الظلام، وأن أول خطوة داخل المصنع كانت بداية مواجهة ستكشف أن السر الحقيقي أخطر بكثير مما تخيله، لكن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد يونس انحنى والتقط الإسورة.
قلبها بين أصابعه للحظة...
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
ندى أذكى من كده...
بص على قفل الإسورة.
كان مفتوحًا بطريقة مقصودة، وكأنها هي اللي خلعتها بنفسها.
وفجأة لاحظ نقطة صغيرة جدًا من الطلاء الأحمر على طرفها.
عرفها فورًا.
دي كانت العلامة اللي اتفقوا عليها من سنين...
لو اضطرت تسيب أثر وهي تحت ضغط، تحط نقطة حمرا على أي حاجة تقع منها، معناها إنها هي اللي سابتها بإرادتها، وإنها لسه بتفكر وبتقاوم.
أخذ نفسًا ارتاح له قلبه لأول مرة.
الحمد لله... لسه قوية.
دخل الممر الحديدي بهدوء.
كل خطوة كانت بتطلع صدى يخبط في جدران المصنع القديم.
وفجأة...
اشتغلت لمبة واحدة في آخر الممر.
ثم الثانية...
ثم الثالثة...
كأن حد بيقوده لمكان معين.
وصل إلى قاعة واسعة، وفي منتصفها ترابيزة معدنية.
فوقها جهاز تسجيل قديم.
وبجواره ورقة.
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت ندى
يونس... لو إنت اللي بتسمع الرسالة دي، يبقى عرفت إنهم قدروا يوصلوا ليا. متقلقش عليا... أنا بخير. أهم حاجة متتهورش.
توقف التسجيل لثانية...
ثم أكمل
افتكر دايمًا إن القوة مش في أول ضربة... القوة في إنك تعرف مين اللي بيحرك الكل.
انتهى التسجيل.
يونس طوى الورقة ووضعها في جيبه.
قال بصوت منخفض
يعني حتى الرسالة دي، سجلتيها وإنتِ عارفة إني هاجي.
في تلك اللحظة...
دوى تصفيق بطيء داخل القاعة.
خرج رجل من بين الأعمدة، يصفق وهو يبتسم.
قال
بصراحة... مراتك تستحق الاحترام.
وقف يونس ثابتًا.
هي فين؟
الرجل أشار إلى كرسي أمامه.
اقعد الأول.
مش هقعد.
ابتسم الرجل وقال
زي ما تحب.
ثم أخرج جهازًا لوحيًا صغيرًا، وشغله.
ظهر بث مباشر.
ندى كانت جالسة في غرفة نظيفة، غير مقيدة، وأمامها كوب ماء ومصحف مفتوح.
بدت مرهقة...
لكن لم يكن عليها أي أثر أذى.
نظر الرجل إلى يونس وقال
قلتلك... محدش لمسها.
رد يونس ببرود
طالما عايز الملف... خدني أنا وسيبها.
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
الموضوع عمره ما كان الملف بس...
ثم مال للأمام وقال
فيه شخص من الماضي... هو اللي بدأ كل الحكاية، ولو اسمه خرج للنور، هتتهد إمبراطوريات كاملة.
وقبل أن ينطق بالاسم...
انطفأت كل أنوار المصنع دفعة واحدة.
وسُمعت من الخارج أصوات سيارات تقترب بسرعة، تلاها صوت إطلاق صافرات إنذار، لتتحول القاعة في لحظة إلى فوضى، بينما اختفى الرجل في الظلام قبل أن يكمل كلمته النهاية
انطفأت الأنوار، وتحول المصنع إلى ظلام دامس.
لكن يونس لم يتحرك من مكانه.
كان يعرف أن الجري في الظلام هو أسرع طريق للفخ.
بعد لحظات، اشتغلت أنوار الطوارئ الخافتة.
المكان أصبح شبه خالٍ.
أما الرجل الغامض... فقد اختفى.
في المقابل، كانت صافرات الشرطة تقترب من الخارج.
خرج يونس مسرعًا، فوجد قوة أمنية تحاصر المصنع بعد أن أبلغ أحد السكان عن تحركات مريبة في المكان.
وفي أثناء تفتيش المصنع، عثروا على غرفة جانبية مغلقة.
فتحوا الباب...
فوجدوا ندى بداخلها.
كانت بخير، لكنها مرهقة نفسيًا بعد أيام من التهديد والضغط.
أول ما رأت يونس، جرت نحوه وهي تبكي.
ضمها بقوة وقال
سامحيني... كنت فاكر إني بحميكي، لكني كنت بعيد عنك أكتر مما ينبغي.
ردت وهي تمسح دموعها
أنا خبيت عليك عشان ما أخسركش... كنت عارفة إنك لو عرفت هتدخل نفسك في خطر.
ابتسم يونس وقال
ومن النهارده... مفيش سر بينا.
بعد التحقيقات، اتضح أن مجموعة من المزورين كانت تحاول الاستيلاء على أرض مملوكة لعدد من الورثة، وأن والد يونس احتفظ بالمستندات الأصلية أمانةً حتى لا تضيع الحقوق.
وحين توفي، بقي الرجل العجوز يحافظ على الأمانة، بينما حاول أفراد العصابة الوصول إليها بالضغط على ندى، معتقدين أنها تعرف مكانها.
لكنها لم تخبرهم بشيء، وتحملت الخوف وحدها حتى لا تجر يونس إلى مواجهة قد تودي بحياته.
أما الملف...
فسلمه يونس إلى النيابة مع كل الأدلة، وعادت الحقوق إلى أصحابها، وسقطت العصابة كلها أمام العدالة.
بعد شهور...
باع يونس جزءًا كبيرًا من أعماله، وقرر أن يقضي وقتًا أطول مع زوجته.
وفي يوم هادئ، كانت ندى تسقي الزرع أمام البيت، حين مرت أم محمد، الجارة.
ابتسمت وقالت
الحمد لله إن ربنا كشف الحقيقة.
ابتسم يونس وهو ينظر إلى زوجته وقال
لولا إنك اتكلمتي يومها، كان ممكن أفضل عايش في وهم إن الحماية فلوس وحراس... واتعلمت إن أقرب الناس لينا محتاجين يسمعوا مننا قبل ما يحرسهم أي حد.
ضحكت ندى وهي تمسك بيده.
وقال لها
البيت ده عمره ما هيدخله خوف تاني... طول ما إحنا مع بعض.
وانتهت الحكاية، بعدما انتصر الصدق والثقة، وعرف يونس أن أقوى حماية ليست القوة ولا النفوذ... بل أن يظل الزوجان سندًا لبعضهما في
كل محنة.

تم نسخ الرابط