رجع بعد 3سنين بقلم زيزي

لمحة نيوز

منهم قال
دوروا كويس... ما يخرجش من هنا.
بعد دقائق طويلة، هديت الأصوات.
أحمد خرج بحذر، وفضل ماشي لحد ما وصل لشارع عمومي.
ركب أول تاكسي قابله.
السواق سأله
على فين يا باشا؟
أحمد قال بسرعة
أي مكان بعيد من هنا.
بعد ما اطمأن إن محدش وراه، فتح الصندوق مرة تانية.
طلع الفلاشة.
وكان فيه كارت صغير متعلق بيها.
مكتوب عليه بخط أبوه
متفتحهاش على أي جهاز... روح للأستاذ فؤاد منصور.
وفي ضهر الكارت عنوان مكتب محاماة قديم في وسط البلد.
أما دفتر الحسابات...
فلما قلب أول صفحة، لقى ملاحظات مكتوبة بالتواريخ.
كل صفحة فيها تحويلات مالية، وأرقام شيكات، وتوقيعات.
وفي آخر صفحة جملة واحدة محاطة بدائرة حمراء
لو الأوراق دي ظهرت... هتعرفوا مين كان بيسرق المصنع بجد.
أحمد قلب الصفحة الأخيرة...
فلقى اسمًا مكتوبًا بخط واضح.
لكن قبل ما يقرأه كاملًا...
رن هاتف قديم كان داخل الصندوق.
اتفاجأ.
التليفون كان مقفول من سنين، ومع ذلك اشتغل لوحده.
وظهر على الشاشة رقم واحد فقط...
بدون اسم.
تردد أحمد لحظة.
ثم ضغط على زر الرد.
جاله صوت رجل كبير في السن، هادئ جدًا، قال
لو أنت أحمد... اقفل الخط فورًا، لأنهم بيراقبوك من لحظة ما فتحت الصندوق... ولو اتأخرت خمس دقايق، هيعرفوا مكانك أحمد قلبه دق بعنف.
بص حواليه من شباك التاكسي، وكل عربية بقت بالنسبة له مصدر شك.
قال بصوت منخفض
حضرتك مين؟
جاله الرد بسرعة
ما يهمكش أنا مين... المهم إن والدك وثق فيا، وطلب مني أكلمك في اليوم اللي تفتح فيه الصندوق.
أحمد سكت.
الرجل كمل
انزل من العربية عند أول محطة بنزين، وسيب التليفون والصندوق في شنطتك، وما تفتحش الفلاشة مهما حصل.
أحمد قال باستغراب
إزاي أسيبهم؟
رد الرجل
لأن اللي بيدور عليك، مش بيدور على أحمد... بيدور على اللي مع أحمد.
الخط اتقفل.
فضل أحمد ماسك الموبايل ثواني وهو بيفكر.
في الآخر نفذ الكلام.
طلب من السواق يقف عند محطة بنزين، نزل، ودخل المحطة من الباب الأمامي، لكنه خرج من الباب الخلفي، بينما الشنطة فضلت في العربية للحظات.
وبالفعل...
بعد أقل من دقيقة، عربية سوداء وقفت جنب التاكسي.
نزل منها راجلين.
واحد منهم فتح باب العربية بسرعة، وخطف الشنطة، وركبوا واختفوا.
السواق فضل يصرخ
يا حرامية!
لكن أحمد كان واقف من بعيد، بيتابع المشهد.
ابتسم لأول مرة.
لأن قبل ما ينزل من العربية، كان نقل الفلاشة، ودفتر الحسابات، والمظروف المختوم إلى جيوب الجاكيت من غير ما حد يلاحظ.
أما الصندوق...
فكان فاضي.
بعد ساعة، وصل لمكتب المحامي الأستاذ فؤاد منصور.
المكان كان قديم، ولافتته باهتة، كأن الزمن وقف عنده.
خبط على الباب.
فتح له سكرتير مسن، وبمجرد ما سمع اسمه، اتغيرت ملامحه.
قال بسرعة
اتفضل... الأستاذ مستنيك من سنين.
أحمد استغرب.
دخل المكتب.
لقى راجل في السبعينات من عمره، واقف قدام صورة كبيرة للحاج محمود.
أول ما شاف أحمد، قام من مكانه، وعينه دمعت.
وقال
أخيرًا جيت... كنت خايف أموت قبل ما أسلمك الأمانة.
أحمد مد له الفلاشة.
المحامي هز رأسه وقال
دي مش أهم حاجة.
وأشار إلى المظروف المختوم بالشمع الأحمر.
افتح ده الأول.
فتح أحمد المظروف بحذر.
كان بداخله عقد رسمي، ورسالة قصيرة.
قرأ أول سطر، فتجمد مكانه.
أنا، محمود الشاذلي، بكامل إرادتي، أُقر أن ابني أحمد بريء من كل التهم المنسوبة إليه...
وقبل أن يكمل القراءة، مد المحامي يده إليه بملف آخر أكثر سُمكًا، وقال بصوت حازم
وده الملف اللي حاولوا يختفي للأبد... فيه كل المستندات اللي تثبت مين لفّق القضية، ومين استولى على أموال المصنع، لكن في اسم واحد لسه ما شفتوش... ولو شفته، هتعرف إن الحقيقة كانت أقرب ليك مما كنت تتخيل أغلق أحمد الباب الحديدي خلفه، وسار داخل الممر الضيق الذي لا يدخله سوى خيط رفيع من الضوء.
كان الممر ينتهي في جراج قديم خلف المبنى.
خرج منه وهو يلتفت حوله بحذر، ثم استوقف سيارة أجرة وطلب من السائق أن يتجه إلى المنطقة الصناعية حيث يقع مصنع والده.
طوال الطريق، كان يقلب الرسالة في يده.
جملة واحدة لم تفارق ذهنه
كل إجابة هتلاقيها في المصنع.
لكن كيف؟
المصنع أصبح تحت إدارة منى وكريم منذ دخوله السجن.
فهل بقي فيه شيء لم يكتشفوه؟
في الجهة الأخرى...
كانت منى تجلس في مكتبها داخل الفيلا، عندما رن هاتفها.
قال المتصل بقلق
يا هانم... أحمد راح المخزن، وهرب قبل ما نمسكه.
وقفت من مكانها بعصبية.
والصندوق؟
لقيناه... لكنه كان فاضي.
سادت لحظة صمت.
ثم التفتت إلى كريم الذي كان يجلس أمامها.
قالت بحدة
قلت لك من الأول متستهونش بيه.
رد كريم وهو يحاول إخفاء توتره
أكيد لسه ماوصلش لحاجة.
قالت وهي تضرب المكتب بيدها
لو وصل للملف... إحنا كلنا هنقع.
في تلك اللحظة، دخل عليهم رجل خمسيني أنيق، يرتدي بدلة رمادية.
كان اسمه مختار السيوفي، المدير المالي القديم للمصنع.
قال بهدوء
العصبية مش هتفيد.
نظرت إليه منى وقالت
أحمد بيتحرك أسرع مما توقعنا.
ابتسم مختار ابتسامة باردة.
سيبوه يروح المصنع... هناك هنعرف هو معاه إيه.
وصل أحمد إلى المصنع قبل غروب الشمس.
توقف أمام البوابة الحديدية.
كل شيء بدا كما تركه قبل ثلاث سنوات...
إلا أن اسم والده أُزيل من اللافتة الكبيرة، واستُبدل باسم شركة جديدة.
شعر بوخزة في قلبه.
اقترب من البوابة.
الحارس الجديد سأله
رايح لمين؟
قال أحمد بثبات
أنا أحمد الشاذلي... ابن مؤسس المصنع.
الحارس نظر إليه باستغراب، ثم فتح دفتر الزوار.
وفجأة، تغيرت ملامحه.
رفع رأسه وقال
حضرتك... استنى دقيقة.
دخل غرفة الأمن، ثم خرج بعد أقل من دقيقة وهو يحمل مفتاحًا صغيرًا وظرفًا أبيض.
قال
الحاجة دي عندنا من سنة ونص.
أحمد اندهش.
مين سابهالك؟
الحارس رد
الحاج محمود بنفسه.
فتح أحمد الظرف بسرعة.
وجد ورقة قصيرة مكتوبًا فيها
لو وصلت هنا، انزل للبدروم القديم... لكن انزل لوحدك، ومتثقش في أي حد حتى لو اشتغل معايا عشرين سنة.
أسفل الرسالة كان مرسوم سهم صغير، وبجواره رقم
B2
تنفس أحمد بعمق، واتجه إلى داخل المصنع.
كان البدروم مغلقًا منذ سنوات، ولم يكن يدخله إلا والده.
نزل درجات السلم ببطء.
كل خطوة كانت تزيد إحساسه بأن الحقيقة أصبحت قريبة.
وحين وصل إلى آخر درجة...
وجد بابًا فولاذيًا ضخمًا.
وفي منتصف الباب...
ثقب مفتاح.
أخرج المفتاح الصغير الذي أعطاه له الحارس.
لكن قبل أن يدخله في القفل...
سمع من داخل الغرفة صوتًا خافتًا جدًا...
صوت رجل يسعل، ثم يقول بصعوبة
مين... اللي بره؟أحمد مد إيده وهو متردد.
فتح الملف بهدوء، وكل ورقة كان بيقلبها كانت بتزود نبضات قلبه.
تقارير مراجعة مالية.
إيصالات تحويلات.
عقود بيع وشراء.
وخطابات رسمية مختومة.
كل حاجة كانت مترتبة بتاريخها، وكأن الحاج محمود كان بيجمع الأدلة بنفسه سنة بعد سنة.
رفع أحمد عينه للمحامي وقال
أبويا كان عارف بكل ده؟
تنهد الأستاذ فؤاد وقال
عرف بالتدريج. في الأول كان فاكر إن اللي حصل مجرد أخطاء في الحسابات، لكن بعدين اكتشف إن في حد بيستغل ثقته، وبيسحب فلوس من المصنع بأسماء شركات وهمية.
أحمد سأل بسرعة
مين؟
المحامي هز رأسه وقال
لو قلتلك دلوقتي، ممكن تتصرف بعصبية وتضيع حقك. لازم تمشي بالقانون.
ثم أخرج ورقة مطوية من الملف.
وقال
دي آخر ورقة كتبها والدك قبل ما يختفي.
فتحها أحمد.
كان مكتوب فيها
يا أحمد... لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أقابلك. أوعى تدور عليا قبل ما تخلص اللي بدأته. الحق لازم يرجع الأول، وبعدها دور عليّ.
اتسعت عينا أحمد.
قال بصوت مرتعش
يعني... أبويا ماكانش ميت؟
المحامي بص له وقال بهدوء
أنا آخر مرة شوفته كانت بعد التاريخ اللي قالوا فيه إنه توفي بشهرين.
سكت أحمد تمامًا.
كل اللي سمعه في البيت كان كذب.
القبر كان فاضي.
وشهادة الوفاة ماحدش وريهاله.
دلوقتي بقى متأكد إن في سر أكبر.
في اللحظة دي، دخل سكرتير المكتب بسرعة وهو متوتر.
قال
أستاذ فؤاد... في اتنين بره بيسألوا على الأستاذ أحمد، وبيقولوا إنهم من جهة رسمية.
المحامي
تم نسخ الرابط