رجع بعد 3سنين بقلم زيزي
وقف فورًا، وراح بص من فتحة الستارة.
رجع وهو عابس.
وقال
دول مش من أي جهة رسمية.
أحمد سأله
عرفت منين؟
رد المحامي
لأنهم نفس الأشخاص اللي كانوا بيسألوا عن الملف ده من شهور.
فتح درج مكتبه، وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
ضغط به على مكتبة خشبية ضخمة.
وفجأة...
المكتبة اتحركت ببطء، وظهر خلفها باب حديدي ضيق.
قال المحامي
والدك جهز المخرج ده من سنين، وقال لي لو أحمد جه يوم، وكان في حد بيراقبه، خرجه من هنا.
أحمد بص للممر المظلم، ثم للمحامي.
قال
وأنت؟
ابتسم الأستاذ فؤاد وقال
أنا هعطلهم شوية. لكن أوعدني متواجهش حد قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.
قبل ما أحمد يرد...
سمع صوت خبط قوي على باب المكتب من بره.
ثم صوت واحد بيقول
افتح يا أستاذ فؤاد... معانا أمر بالتفتيش.
نظر المحامي إلى أحمد وقال بصوت خافت
امشِ... وكل إجابة بتدور عليها موجودة في المكان اللي والدك كان يرفض يبيعه مهما كانت الإغراءات... المصنع.
أغلق أحمد الملف بإحكام، ودخل الممر السري، بينما صوت الخبط على الباب كان يزداد قوة... دون أن يعرف أن ما ينتظره داخل المصنع أخطر بكثير مما يتخيل تجمد أحمد في مكانه.
الصوت كان ضعيفًا... لكنه لم يكن صوتًا غريبًا عليه.
قرب أذنه من الباب أكثر.
وجاءه الصوت مرة ثانية
لو اللي بره من رجالة مختار... امشوا. مش هوقّع على أي حاجة.
ارتعشت يد أحمد.
همس من غير ما يحس
الصوت ده...
ثم قال بصوت أعلى
أنا أحمد... أحمد الشاذلي.
ساد صمت لثوانٍ.
ثوانٍ كانت أطول من ثلاث سنين قضاهم في السجن.
وفجأة جاءه صوت الرجل من الداخل، وهو يكاد يبكي
أحمد؟... ابني؟
دموع أحمد نزلت من غير إرادته.
بدأ يحاول يفتح الباب بالمفتاح.
لفه مرة...
ومرتين...
لكن القفل ما فتحش.
في نفس اللحظة لمح ورقة صغيرة ملزوقة بجانب الإطار المعدني للباب.
كانت مكتوبًا عليها بخط والده
المفتاح يفتح القفل... لكن كلمة السر هي اللي تفتح الباب.
نظر أحمد حوله بسرعة.
ثم تذكر الجملة التي كان والده يرددها له منذ طفولته
الحق عمره ما بيموت... بس ساعات بيتأخر.
قالها بصوت مرتفع.
وفور انتهائه...
صدر صوت ميكانيكي خافت.
ثم انفتح الباب ببطء.
دخل أحمد وهو يكاد لا يصدق ما يراه.
الغرفة لم تكن زنزانة.
كانت غرفة محصنة، فيها مكتب صغير، وسرير، وخزانة ملفات، وكاميرات مراقبة قديمة.
وعلى السرير...
كان يجلس رجل هزيل، شعره كله أبيض، ووجهه مرهق من المرض.
لكن ملامحه لم تتغير.
إنه الحاج محمود.
وقف أحمد مكانه، غير قادر على الكلام.
أما الحاج محمود، فقام بصعوبة، وأسند نفسه إلى الحائط.
ثم فتح ذراعيه.
لم يحتج أحمد إلى كلمة واحدة.
جرى نحوه، واحتضنه بقوة.
وظلا دقائق لا يتكلمان.
فقط دموع أب وابنه كانت تتحدث.
بعد أن هدأ قليلًا، قال أحمد بصوت مختنق
قالوا لي إنك مت.
ابتسم الحاج محمود بحزن.
كان لازم يخلوا الناس كلها تصدق كده.
سأله أحمد بسرعة
مين؟ وليه؟
تنهد الأب وقال
لما اكتشفت إن في حد بيختلس من المصنع بمبالغ كبيرة، جمعت الأدلة كلها. لكن قبل ما أبلغ الجهات المختصة، عرفت إنهم لفّقوا لك القضية علشان يبعدوك.
حاولت أطلعك براءة، لكن كل شاهد كان بيتراجع، وكل دليل كان بيختفي.
ولما رفضت أتنازل عن بقية الأسهم... بدأوا يهددوني.
أحمد قبض على يده.
مين كانوا؟
الحاج محمود نظر إليه طويلًا، ثم قال
منى كانت تعرف جزءًا من اللي بيحصل... لكن اللي كان بيدير كل حاجة فعلًا هو مختار السيوفي.
صمت لحظة، ثم أكمل
ومختار ماكانش لوحده... كان معاه شريك، شخص عمره ما شكيت فيه.
وقبل أن ينطق بالاسم...
انطفأت الكهرباء فجأة.
وغرقت الغرفة في الظلام.
ثم دوى صوت إغلاق الباب الحديدي من الخارج.
وتلاه صوت مختار السيوفي عبر مكبر صوت
الحمد لله... أخيرًا بقيتوا الاتنين في مكان واحد بعد لحظات من الظلام، اشتغلت الإضاءة الاحتياطية داخل الغرفة.
ابتسم مختار السيوفي وهو يتحدث عبر مكبر الصوت
تعبتوني كتير... لكن النهاية كانت لازم تبقى هنا.
اقترب أحمد من والده وقال
متخافش يا أبي... المرة دي مش هيسكتوا الحق.
لكن الحاج محمود ابتسم بهدوء وقال
أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين.
مد يده إلى درج المكتب، وأخرج جهازًا صغيرًا.
ضغط زرًا واحدًا.
في اللحظة نفسها، أضاءت شاشة كبيرة داخل الغرفة، وظهر تسجيل مصور بالصوت والصورة.
كان مختار ومنى وكريم مجتمعين قبل سنوات، يتحدثون عن تزوير المستندات، واختلاس أموال المصنع، وتلفيق قضية أحمد حتى يبتعد عن طريقهم.
قال كريم في التسجيل
أحمد لازم يدخل السجن... وإلا كل خطتنا هتنهار.
وتردد صوت مختار
ومحمود هنجبره ينقل الإدارة... ولو رفض، هنخليه يختفي.
ابتسم الحاج محمود وقال لابنه
كنت عارف إنهم هييجوا في يوم يدوروا على التسجيل، علشان كده ربطته بنظام إنذار.
وفجأة دوّت صفارات قوية في المصنع كله.
وبعد أقل من دقائق، وصلت قوات الشرطة والنيابة، بعدما تلقوا البلاغ الآلي الذي أرسله الجهاز بمجرد تشغيل التسجيل.
حاول مختار الهرب من الباب الخلفي، لكن رجال الأمن أمسكوا به.
أما كريم، فجلس على الأرض منهارًا وهو يردد
أنا غلطت... أنا كنت فاكر الموضوع هيقف عند الفلوس.
ومنّى وقفت صامتة، تدرك أن سنوات من الكذب انتهت في دقائق.
بدأت التحقيقات، وأُعيد فحص قضية أحمد.
وبعد ظهور التسجيلات والمستندات ودفاتر الحسابات، صدر حكم قضائي بإلغاء إدانته وإعلان براءته الكاملة، مع محاسبة كل من شارك في تلفيق القضية والاستيلاء على أموال المصنع.
وعاد المصنع إلى مالكه الشرعي، الحاج محمود، الذي قرر بعد تعافيه أن يسلم إدارته لابنه أحمد.
أول قرار اتخذه أحمد كان إعادة جميع العمال الذين فُصلوا ظلمًا، وصرف مستحقاتهم، وإعادة اسم والده على واجهة المصنع كما كان.
وفي أول يوم عمل، وقف الحاج محمود بجوار ابنه أمام البوابة وقال مبتسمًا
فاكر يا أحمد لما كنت بقولك الحق عمره ما بيموت... بس ساعات بيتأخر؟
ابتسم أحمد، ونظر إلى اللافتة التي عاد إليها اسم العائلة، ثم قال
اتأخر... لكنه رجع.
وانتهت القصة وقد عاد الحق إلى أصحابه، وأثبتت أن الصبر مع التمسك بالقانون والحقيقة أقوى من أي مؤامرة، وأن الظلم قد يطول، لكنه لا يدوم.