كانت بنتي بقلم زيزي احمد
كانت بنتي اللي عندها خمس سنين مستخبية من عمتها وسط حفلة عيد ميلاد العيلة، وفجأة بصّتلي وهمست بصوت ضعيف
بابا... هو أنا المفروض أقول آسفة للعمة ريهام؟
بعد كام دقيقة بس، ظهرت حاجة صغيرة جدًا كانت كفيلة إنها تفضح الكذبة اللي أهلي كانوا بيحاولوا يداروا عليها بكل قوتهم.
بابا... هو لازم أعتذر للعمة ريهام؟
قالتها ليلى وهي مستخبية بين الغسالة وسلة الهدوم المتسخة. كان على خدها علامة حمرا واضحة، ولسه أثر صوابع باين على دراعها الصغير.
وبره... الحفلة كانت ماشية عادي كأن مفيش أي حاجة حصلت.
في جنينة بيت أهلي في التجمع، كانت البالونات الوردية مالية المكان، والترابيزات عليها أطباق الحلويات وأكواب العصير والجيلي. الأطفال كانوا بيلعبوا حوالين الألعاب المنفوخة، والمزيكا صوتها عالي.
كان عيد ميلاد بنت أختي سارة، اللي كملت ست سنين، بنت أختي ريهام الصغيرة.
ومن بعيد، أي حد كان هيشوفنا كان هيقول
دي عيلة سعيدة ومثالية.
لكن بنتي ليلى كانت مختفية.
في الأول قلت لنفسي إنها يمكن اتخضت من الزحمة وبعدت شوية. من ساعة وفاة أمها هبة من سنتين، وليلى بقت طفلة هادية. الزحمة بتوترها، والأصوات العالية بتخليها تغطي ودانها، وفي أي تجمع عائلي كانت تفضل ماسكة في هدومي وكأني الأمان الوحيد ليها.
دورت عليها في المطبخ.
وبعدين الحمام.
وبعدين أوضة الضيوف.
ولا لقيتها.
لحد ما سمعت صوت بكاء صغير طالع من ورا باب أوضة الغسيل.
أول ما فتحت الباب... حسيت نفسي مش قادر آخد نفسي.
كانت ليلى قاعدة على الأرض، حاضنة رجليها لصدرها. فستانها الأصفر متكرمش، ووشها كله دموع، وعلى خدها علامة حمرا كبيرة.
قربت منها أكتر، وشوفت العلامات اللي على دراعها.
مش واضحة لأي حد غريب...
لكن أي أب كان هيعرف إن في حاجة حصلت لبنته.
نزلت على ركبتي قدامها.
حبيبتي... مين عمل فيكي كده؟
وطّت عينيها وقالت
بس أوعى تزعل يا بابا.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
مديت إيدي ألمس شعرها، لكنها اتخضت ورجعت لورا.
بنتي اللي عمرها ما خافت مني... بقت خايفة من إيدي.
شيلتها بين دراعاتي بحذر، وهي مسكت في رقبتي وبدأ جسمها يترعش.
في اللحظة دي افتكرت أمها هبة وهي على سرير المستشفى، ماسكة إيدي بآخر قوتها.
قالتلي وقتها
وعدني يا أحمد... تحمي ليلى مهما حصل.
ووعدتها.
وهناك، في أوضة الغسيل في بيت أهلي، فهمت إني غلطت لما وثقت في صلة الدم أكتر من اللازم.
خرجت وأنا شايل ليلى.
الضحك بدأ يختفي واحدة واحدة.
كل العيون اتوجهت علينا.
كانت ريهام واقفة جنب تورتة عيد الميلاد بابتسامة متوترة. أمي منى كانت ماسكة أطباق ورق، وأبويا محمود واقف جنب الباب الزجاجي وفي إيده كوباية شاي.
كلهم شافوا وش ليلى.
سألت سؤال واحد بس
مين مد إيده على بنتي؟
ولا حد رد.
ريهام تنهدت بضيق وقالت
يا أحمد، متكبرش الموضوع. بنتك عملت مشكلة وخلاص.
بصيتلها بحدة.
عملتِ فيها إيه؟
قالت وهي بتلف عينيها
وقعت كب كيك سارة. وبعدها فضلت تعيط وتعمل دوشة. مسكت دراعها ودخلتها جوه عشان تهدى بدل ما تبوظ الحفلة.
ليلى خبّت وشها في رقبتي.
أمي قربت وقالت
مش وقت فضايح يا أحمد، الناس موجودة.
بصيتلها وأنا مش مصدق.
بنتي مرعوبة بين إيديا...
وهي كل اللي فارق معاها كلام الناس.
أبويا قال بصوت واطي
اهدأ يا ابني. الأطفال بتغلط، متحولش عيد الميلاد لمحكمة.
لكن ريهام عقدت دراعاتها وقالت
أنت بس بتدللها زيادة عشان لسه حاسس بالذنب ناحية هبة.
ساعتها المكان كله سكت.
بصيت لكل واحد فيهم.
ومبقتش مستني اعتذار.
قلت
إحنا ماشيين.
أمي مسكت دراعي.
متعملش منظر قدام الناس.
سحبت إيدي وقلت
أنتوا اللي عملتوا منظر لنفسكم.
ومشيت.
خرجت من البوابة وأنا شايل ليلى، وخلفنا كانت البالونات بتتحرك في الهوا، والحفلة مكملة كأن مفيش حاجة حصلت.
في العربية، ليلى همست
بابا... هو أنا لازم أقول آسفة للعمة ريهام؟
مسكت الدركسيون جامد.
وقلتلها
لا يا حبيبتي... إنتِ عمرك ما تعتذري عشان كنتي خايفة. ولا عشان حد أذاكي.
وفي اللحظة دي، الموبايل رن.
ظهر اسم أمي على الشاشة.
ما رديتش.
لأني مكنتش أعرف إن مكالمتها دي كانت مجرد بداية لحقيقة أخطر بكتير...الموبايل فضل يرن مرة ورا التانية.
أمي.
بعدها أبويا.
وبعدين ريهام.
قفلت الصوت، وركزت مع ليلى اللي كانت قاعدة في الكرسي الخلفي، حضنة الدبدوب الصغير اللي أمها هبة كانت جايباهولها قبل ما تتوفى بأيام.
بصيت في المراية.
كانت ساكتة... لكن عينيها كانوا مليانين خوف.
وصلنا البيت، أول حاجة عملتها إني جبت علبة الإسعافات الأولية. قعدت قدامها على الكنبة، وحطيت قطنة عليها مطهر، ولما قربتها من خدها شهقت بخفة.
قلت بهدوء معلش يا قلب بابا... هتخف حالًا.
هزت راسها وهي بتحاول تبان قوية.
بعد ما خلصت، سألتها برفق احكيلي بقى... إيه اللي حصل من أول ما وصلنا؟
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت بصوت متقطع أنا كنت بلعب... وسارة وقعت الكب كيك من إيدي.
وبعدين؟
قلت لها آسفة... بس العمة ريهام زعلت أوي.
حسيت إن قلبي بيتقبض.
عملت إيه بعد كده؟
ليلى عضت شفايفها.
شدتني من دراعي... وقالتلي إني طفلة قليلة الأدب.
سكتت لحظة...
وبعدين خدتني جوه.
وبعدين؟
عينيها دمعت.
قالتلي لو عيطت هتزعل منك... وإنك هتسيبني لو فضلت أعمل مشاكل.
اتجمدت مكاني.
الجملة دي عمرها ما ممكن بنت عندها خمس سنين تألفها.
حد قالهالها.
حد استغل خوفها بعد وفاة أمها.
شددت على إيدي لدرجة إن مفاصلي وجعتني.
قلت وأنا بحاول أتماسك مين اللي قالك إن بابا هيسيبك؟
ردت بسرعة وهي بتهز راسها العمة ريهام... قالت إن كل الناس بتزهق من الأطفال اللي بيعيطوا.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
بصيت في الساعة.
كانت داخلة على عشرة بالليل.
مين ممكن يجي في الوقت ده؟
قمت بهدوء، وبصيت من العين السحرية.
لقيت أبويا واقف لوحده.
فتحت الباب من غير ما أتكلم.
دخل وهو متوتر، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن ليلى مش سامعاه.
قال أمك بعتتني.
رديت ببرود لو جاي تبرر... يبقى ملوش لازمة.
هز راسه بسرعة.
لا... أنا جاي أقولك حاجة.
أول مرة أشوف أبويا بالشكل ده.
وشه شاحب...
وصوته بيرتعش.
قعد على الكرسي وقال في حاجة لازم تعرفها... وريهام متقولهاش ليك.
حسيت إن الكلام تقيل.
قلت اتفضل.
بلع ريقه وقال بعد ما إنت خرجت من الحفلة... حصلت خناقة كبيرة.
بين مين ومين؟
بين أمك وريهام.
استغربت.
ليه؟
رد بصوت منخفض لأن سارة قالت قدام الكل إنها شافت أمها وهي بتزق ليلى وتضربها... وإن ليلى ما كانتش هي اللي وقعت الكب كيك أصلاً.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
قال البنت قالت إن الكب كيك وقع من سارة نفسها... وريهام خافت الناس تعرف، فرمت التهمة على ليلى.
في اللحظة دي...
الموبايل اللي كنت سايبه على الترابيزة نور بإشعار جديد.
رقم غريب.
ومع الإشعار كانت فيه رسالة واحدة فقط...
لو عايز تعرف ريهام كانت واخدة ليلى لوحدها ليه قبل ما تضربها... بص على كاميرات الجنينة قبل ما تتمسح.
رفعت عيني لأبويا بصدمة...
وقبل ما أنطق بكلمة، رن جرس الباب للمرة التانية...
لكن المرة دي...
الشخص اللي كان واقف بره، خلّى الدم يتجمد في عروقي...وقفت مكاني ثواني، وأنا باصص من العين السحرية.
كان شخص لابس كاب وجاكيت غامق، وماسك فلاشة صغيرة بين صوابعه.
فتحت الباب بحذر.
أول ما شافني قال بسرعة
أنت أحمد؟
هزيت راسي.
مد إيده بالفلاشة وقال
دي أمانة... واتقالّي أسلمهالك النهارده.
قبل ما أسأله أي سؤال، لف ومشي بسرعة، وركب عربية كانت مستنياه واختفت في آخر الشارع.
قفلت الباب وأنا حاسس إن في حاجة أكبر بكتير من مجرد خناقة حصلت في عيد ميلاد.
أبويا بص للفلاشة وقال بقلق
افتحها.
دخلت أوضة المكتب، وشغلت اللابتوب.
وصلت الفلاشة.
كان عليها ملف فيديو واحد بس...
اسمه
1247 PM
ضغطت تشغيل.
ظهرت صورة كاميرا مراقبة الجنينة.
الصورة كانت واضحة.
الأطفال بيلعبوا.
ليلى واقفة لوحدها ماسكة كب كيك.
سارة جريت ناحية الألعاب، وخبطت في الترابيزة بنفسها.
الكب كيك