اركبي يابت
حور وآدم
كانت الشمس في عزّ الظهر، والشارع يغلي من حرارة الأسفلت وزحام السيارات. وسط كل ده كانت بنت صغيرة الملامح تقف عند الإشارة، تمسك في يدها باقة ورد صغيرة وبعض علب المناديل.
ملابسها بسيطة وقديمة، وحجابها ملفوف بسرعة كأنها خرجت من بيتها على عجلة، ووجهها يحمل آثار تعب يوم طويل.
كانت تجري بين السيارات بابتسامة تحاول تخفي بها إرهاقها وهي تنادي بصوت واضح
ورد يا بيه.. ورد جميل! مناديل يا هانم لو سمحتي.
اسمها حور... والغريب أن اسمها كان يشبهها، لكن جمالها الحقيقي كان مختبئاً خلف تعب الأيام وغبار الطريق.
اقتربت من سيارة فاخرة توقفت عند الإشارة، طرقت على الزجاج وقالت بأدب
ورد يا بيه؟
رفع الشاب عينيه من هاتفه ونظر لها للحظات، ثم قال ببرود
لا، شكراً.
ابتعدت حور وهي تتمتم بضيق
هو الواحد لما يقول لا يقولها بذوق برضه، مش كأنه بيكلم حد أقل منه.
لم تسمعها السيارة الأخرى التي توقفت بجانبها، لكنها سمعت صوتاً هادئاً يقول
هاتي وردة.
التفتت حور، فوجدت شاباً ينزل نظارته الشمسية قليلاً، لتظهر عينان خضراوان وملامح هادئة.
ناولته وردة صغيرة، فقال
بكام؟
عشرة جنيه يا بيه.
أخرج ورقة مالية وأعطاها لها.
نظرت حور للمال بعد أن تحركت السيارة، واتسعت عيناها بدهشة.
مئة جنيه؟! هو فيه ناس لسه بتعمل كده؟
منذ ذلك اليوم، أصبح ذلك الشاب يأتي تقريباً كل يوم. يأخذ منها وردة أو مناديل، ويترك لها مبلغاً أكبر من المعتاد.
كانت حور مستغربة، فهي لم تعتد أن يهتم بها أحد، خصوصاً شخص يبدو من عالم مختلف تماماً عن عالمها.
وفي يوم، توقفت سيارته أمامها كعادته.
فتح الزجاج وقال
بقولك يا شاطرة.
رفعت حاجبها وقالت
اتفضل يا بيه.
ابتسم قليلاً وقال
اركبي، عايز أتكلم معاكي في موضوع.
وضعت حور يدها على خصرها وقالت بحذر
موضوع إيه يا عنيا؟ أنا مش بتاعة مواضيع.
نظر لها باستغراب وقال
إيه أسلوبك ده؟ أنا قصدي نقعد ونتكلم في حاجة مهمة.
ردت بسرعة
لو موضوع مهم قولي هنا.
تنهد بضيق
يا بنتي اركبي، أنا هعمل بيكي إيه؟ ده أنتِ طفلة!
فتحت عينيها بصدمة
طفلة؟! أنا طفلة يا بيه؟
قال وهو يحاول كتم ضيقه
مش قصدي سنك، قصدي شكلك وطريقتك.
عقدت ذراعيها بعناد
برضه مش راكبة.
هز رأسه وقال
براحتك.
ثم تحرك بسيارته.
ظل اسم هذا الشاب يدور في رأسها طوال الأيام التالية.
من هو؟ ولماذا يهتم بها؟ وماذا يريد منها؟
أما هو فكان اسمه آدم الكيلاني.
شاب ناجح ينتمي لعائلة كبيرة، لكنه كان يعيش تحت ضغط كبير من الجميع حوله. بعد تجربة صعبة في حياته جعلته يفقد ثقته في نوايا الناس، أصبح يبحث عن شخص يراه كما هو، لا كما يملك.
وفي مساء أحد الأيام، كانت حور عائدة من عملها بعدما تأخر الوقت. وبينما كانت تسير في شارع جانبي، لاحظت سيارة تسير ببطء خلفها.
زاد خوفها عندما توقفت السيارة أمامها فجأة.
نزل منها شاب غريب وقال بابتسامة غير مريحة
استني بس، عايز أتكلم معاكي.
تراجعت حور خطوة وقالت
لو سمحت ابعد.
قبل أن يقترب أكثر، توقفت سيارة أخرى بجانبهم.
نزل آدم بسرعة وقال بصوت حاد
فيه حاجة؟
نظر له الشاب الآخر باستفزاز
وأنت مالك؟
وقف آدم أمام حور وقال
مالكش دعوة بيها. امشي.
وبعد جدال قصير، اضطر الشاب للرحيل.
نظرت حور لآدم بدهشة وقالت
أنت؟!
ابتسم ابتسامة بسيطة
آه، أنا.
ثم أشار إلى سيارته
اركبي، لازم نتكلم.
نظرت له بحذر
أنت كل مرة تقول نتكلم، هو الموضوع ده إيه بالضبط؟
قال بهدوء
موضوع ممكن يغير حياتك.
ترددت حور قليلاً، ثم ركبت معه وهي لا تعرف أن هذه اللحظة ستكون بداية حكاية لم تكن تتوقعها أبداً...كان آدم يقود السيارة بصمت، بينما كانت حور تنظر من النافذة بحذر. لم تكن معتادة على الجلوس في سيارات فاخرة أو التعامل مع أشخاص من عالم مختلف عن عالمها.
بعد دقائق، توقف آدم في مكان هادئ، ثم التفت إليها.
بصي يا حور، أنا مش هلف ولا أدور عليكي.
نظرت له باهتمام
اتفضل.
أخذ نفساً عميقاً وقال
أنا عايز أطلب منك طلب غريب شوية.
رفعت حاجبها
غريب قد إيه يعني؟
تردد للحظة ثم قال
عايز أتجوزك.
سكتت حور تماماً، كأنها لم تستوعب ما سمعته.
ثم انفجرت في الضحك
أنت بتهزر صح؟
ظل آدم ينظر لها بجدية
لا، مش بهزر.
اختفت ابتسامتها تدريجياً.
يعني إيه تتجوزني؟ أنت تعرفني منين أصلاً؟
قال بهدوء
أنا أعرف كفاية.
ضحكت بسخرية
كفاية إيه؟ أنت عارف اسمي بس!
أعجب آدم بطريقة تفكيرها، فهي لم تنبهر بالسيارة أو المال، بل سألت السؤال الذي لم يتوقعه.
قال
أنا مش بدور على واحدة تبص لفلوسي. كل اللي حواليا شايفين آدم الكيلاني صاحب الشركات والاسم الكبير، لكن محدش بيشوف آدم نفسه.
سكت قليلاً ثم أكمل
أنا محتاج جواز لفترة... جواز رسمي، مش لعبة ولا حاجة غلط. مجرد اتفاق بينا، وكل واحد يحافظ على حدوده.
ظلت حور صامتة وهي تفكر.
ثم قالت
طيب وليه أنا؟
ابتسم آدم
لأنك الوحيدة اللي لما شافتني ما حاولتش تستفيد مني.
ضحكت حور
ده عشان أنا أصلاً كنت فاكرة إنك واحد متنكد وخلاص.
لأول مرة ابتسم آدم بصدق.
وده بالضبط اللي أقصده.
عادت حور للجدية
بس أكيد فيه شروط.
هز رأسه بإعجاب
كنت متأكد إنك هتسألي.
قالت وهي تعد على أصابعها
أول حاجة، الجواز يكون رسمي قدام الناس. ثاني حاجة، محدش يذلني أو يعايرني بأصلي أو ظروفي. وثالث حاجة... أنا مش هكون مجرد صورة جنبك.
نظر لها آدم باهتمام.
موافِق.
تفاجأت
بسرعة كده؟
لأن الشروط دي طبيعية.
سكتت حور قليلاً، ثم قالت
طيب عايزة أعرف حاجة واحدة... أنت ليه مستعجل؟
تغيرت ملامح آدم للحظة، وكأن سؤالها لمس شيئاً داخله.
لأن فيه ناس لازم أثبت لهم إني قادر أختار حياتي بنفسي.
لاحظت حور أنه لم يقل كل الحقيقة، لكنها لم تضغط عليه.
قالت
أنا محتاجة أفكر.
هز رأسه
هسيبلك وقتك.
ثم أخرج ورقة صغيرة ووضعها أمامها.
ده رقمي. لو قررتي توافقي، كلميني.
نظرت حور للورقة ثم إليه.
ولو رفضت؟
ابتسم بهدوء
هحترم قرارك.
نزلت حور من السيارة وعادت إلى مكانها الصغير الذي تعيش فيه.
لكن طوال الليل لم تستطع النوم.
كانت تفكر في كلامه، وفي حياتها التي قضتها وحيدة منذ أن خرجت من دار الرعاية، وفي الأيام التي كانت تعود فيها متعبة ولا تجد من يسألها كيف حالها.
وفي الصباح، اتخذت قرارها.
أمسكت الهاتف بيد مترددة، وظلت تنظر للرقم دقائق طويلة...
ثم ضغطت اتصال.
في الناحية الأخرى، كان آدم جالساً في مكتبه، وعندما رأى اسمها على الشاشة، توقف للحظة.
رد بسرعة
حور؟
جاءه صوتها هادئاً
أنا موافقة.
سكت آدم قليلاً، ثم قال
تمام... هنبدأ الإجراءات.
لكن ما لم تعرفه حور أن دخولها إلى حياة آدم لن يكون مجرد اتفاق بسيط...
فخلف هدوئه كان هناك سر كبير سيجعلها تعيد التفكير في كل شيء...أكمل الجزء التالي لما تقولي كملمرت الأيام التالية بسرعة لم تتخيلها حور.
فجأة انتقلت من الوقوف بين السيارات تحت الشمس، إلى الجلوس في مكاتب مكيفة، واختيار فستان للزفاف، والتعامل مع أشخاص لم تكن تعرف حتى أن هذا العالم موجود.
لكن رغم كل شيء، ظلت حور كما هي.
في أول يوم دخلت فيه مكتب آدم، كانت السكرتيرة تنظر لها باستغراب من ملابسها البسيطة وطريقتها العفوية.
قالت السكرتيرة بنبرة رسمية
حضرتك عندك ميعاد؟
ابتسمت حور وقالت
آه، أنا