جوزي ضربني
جواه صور عقود، مراسلات، وإيصالات.
قال
من حوالي شهرين، اتطلب مني تجهيز أوراق تخص شقة مدام ياسمين.
اتجمدت مكاني.
سألته
مين طلب منك؟
سكت لحظة.
وبص ناحية كريم.
كريم حاول يقاطعه
كلام فارغ.
لكن هشام كمل
الطلب جالي عن طريق شخص قريب جدًا من العائلة.
وبعدين طلع ورقة.
والأهم من كده... إن الشخص ده كان عارف تفاصيل دقيقة عن الشقة، وعن مواعيد خروج ودخول ياسمين.
حسيت بقشعريرة.
مش بس كانوا عايزين الشقة...
كانوا بيتابعوا كل خطوة.
ندى قربت مني وقالت بصوت منخفض
أنا كنت حاسة إن في حاجة غلط.
بصيتلها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
نزلت عينيها وقالت
كنت شاكّة بس... ماكنتش متخيلة إن الموضوع يوصل لكده.
في الناحية التانية، كريم كان بيحاول يستعيد سيطرته.
قال للضابط
كل ده سوء تفاهم. الأوراق دي مش معناها حاجة، وممكن أي حد يعملها.
رد هشام بهدوء
عشان كده جبت الدليل.
فتح الفلاشة اللي كانت معاه.
وقال
عليها تسجيل مكالمة بيني وبين الشخص اللي طلب تجهيز الأوراق.
الكل سكت.
حتى حماتي اللي كانت طول الوقت بتحاول تقلل من الموضوع، بقت قاعدة من غير كلمة.
الضابط أخذ الفلاشة.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف كريم.
نظر للشاشة بسرعة، ثم حاول يقفل المكالمة.
لكن الضابط لمح الاسم.
مين بيتصل؟
كريم ما ردش.
الضابط قال
هات الهاتف.
بتردد، سلّمه له.
نظر الضابط للشاشة...
ثم رفع عينه ناحية كريم.
غريب...
المكالمة جاية من نفس الرقم اللي موجود في الورق ده.
كريم لأول مرة فقد هدوءه.
قال بعصبية
لا... الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين.
لكن قبل ما يكمل...
فتح الضابط سجل المكالمات.
والاسم اللي ظهر خلّى الجميع يبص ناحية شخص واحد في الصالة...
شخص ما كانش حد متوقع إنه يكون له علاقة بكل اللي حصل الضابط قرب شاشة الهاتف منه، وبص مرة تانية على الرقم.
ثم رفع عينه ببطء ناحية السفرة.
الكل بدأ يبص لبعضه.
مين الشخص اللي الرقم مسجل باسمه؟
كريم كان واقف متوتر، يحاول ياخد الموبايل من إيد الضابط.
دي خصوصياتي... مينفعش تمسك تليفوني كده.
الضابط رد ببرود
لما يكون فيه بلاغ اعتداء ومحاولة تزوير، كل حاجة مرتبطة بالواقعة بتتحقق منها.
ضغط على الاسم الظاهر.
وفي اللحظة دي...
اتسمع صوت شهقة من آخر الصالة.
كانت من حماتي.
لفينا كلنا ناحيتها.
وشها كان باين عليه إنها فهمت قبل أي حد.
قالت بصوت متقطع
لا... مستحيل.
بصيت لها.
مين؟
لكن قبل ما ترد...
دخل صوت كريم بسرعة
مفيش داعي للكلام ده.
الجملة دي كانت كفاية.
لأنها أكدت إن فيه حاجة مستخبية.
الضابط قال
أنا سألت سؤال.
سكت كريم.
هشام قرب الملف من الضابط وقال
الاسم ده هو اللي تواصل معايا أول مرة.
فتح الورقة اللي في إيده.
وأشار على التوقيع الموجود تحت طلب تجهيز الأوراق.
وده كمان توقيعه.
نظرت للورقة.
وفي اللحظة اللي شفت فيها الاسم...
حسيت إن الأرض اتحركت تحتي.
لأن الشخص اللي كان بيخطط ياخد شقتي...
ماكانش غريب.
كان شخص أنا كنت بثق فيه.
شخص دخل بيتي.
وقعد على سفرتي.
وسمع تفاصيل حياتي.
كريم حاول يتكلم
ياسمين، اسمعيني قبل ما تحكمي.
بصيت له لأول مرة من غير خوف ولا غضب.
بس كان عندي سؤال واحد
من إمتى؟
ما ردش.
وده كان الرد اللي محتاجاه.
الضابط بدأ يطلب من الجميع الهدوء، وطلب من أمين الشرطة تسجيل أقوال كل الموجودين.
لكن قبل ما نتحرك...
ندى قربت مني تاني، وقالت
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيت لها.
قالت وهي مترددة
أنا شفت كريم قبل العزومة النهارده... كان بيتكلم مع حد في المكتب.
سألتها
مين؟
بصت ناحية باب الفيلا.
ثم قالت
الشخص اللي دخل من شوية.
في اللحظة دي...
كلنا لفينا ناحية الباب.
لكن الرجل اللي دخل قبل قليل...
كان اختفى.
وساب وراه ملف واحد بس.
ملف مكتوب عليه بخط كبير
الدليل الأخير أمين الشرطة قرب من الملف الموضوع على الطاولة.
الضابط أشار له
افتحه.
لكن قبل ما يلمسه، كريم اندفع خطوة للأمام وقال بعصبية
استنوا... ده ملف مش معروف مصدره، مينفعش تفتحوه كده.
الضابط بصله نظرة طويلة.
غريبة... إنت ليه قلقان من ملف مش عارف محتواه؟
سكت كريم.
ولأول مرة، ما لاقاش إجابة جاهزة.
فتح أمين الشرطة الملف بحذر.
في البداية كانت أوراق عادية...
صور من رسائل.
إيصالات.
وتواريخ.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كانت عبارة عن جدول مكتوب فيه مواعيد وأسماء.
قربت ياسمين من غير ما تحس.
وقلبها بدأ يدق أسرع.
لأن الجدول كان فيه تفاصيل عن شقتها.
موعد دفع الأقساط.
موعد سفرها.
موعد رجوعها.
حتى مواعيد زياراتها لأهلها.
همس الضابط
واضح إن حد كان بيتابع تحركاتك لفترة.
رفعت عيني ناحية كريم.
إنت كنت عارف كل ده؟
وشه كان جامد، لكن عينيه كانت بتفضحه.
قال
أنا جوزك... طبيعي أعرف حاجات عن حياتك.
رديت
مش طبيعي تعرف مواعيد خروجي، وأقساطي، وخطواتي القانونية.
سكت.
في اللحظة دي، ندى فتحت فمها وكأنها حسمت قرارها.
قالت
أنا لازم أقول حاجة.
كلنا بصينا لها.
قبل العزومة بأسبوع، سمعت كريم ومامته بيتكلموا.
حماتي صاحت
ندى! خليكي في حالك.
لكن ندى كملت
كانوا بيقولوا إن ياسمين لو رفضت، هيضغطوا عليها لحد ما توافق.
ثم نظرت لكريم
وسمعتك بتقول إنك عارف نقطة ضعفها.
الضابط سأل
إيه نقطة الضعف دي؟
ندى هزت رأسها.
قال... إنها دايمًا بتحاول تحافظ على شكل العيلة قدام الناس، ومش هتفضحهم.
الجملة نزلت على المكان كله.
لكن ياسمين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لأنهم كانوا فاهمينها غلط.
هي كانت تحافظ على الناس...
لكن مش على حساب نفسها.
المسعف ناداها عشان تتحرك للمستشفى.
وقبل ما تخرج من الفيلا، سمعت كريم ينادي عليها بصوت مختلف تمامًا.
مش صوت الشخص الغاضب اللي ضربها.
كان صوت شخص بدأ يدرك إن السيطرة راحت من إيده.
ياسمين...
وقفت.
لكنه لم يعرف يكمل.
فقالت بهدوء
إنت قضيت سنين فاكر إن سكوتي ضعف.
بس الليلة دي... عرفت إن سكوتي كان صبر.
ثم خرجت مع رجال الإسعاف.
لكن وهي راكبة العربية...
وصلها إشعار على هاتفها.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها...
وكان فيها صورة واحدة فقط.
صورة لورقة جديدة.
وتحتها جملة قصيرة
لو فاكرة إن الموضوع انتهى... إنتِ لسه ماشفتيش أخطر جزء فتحت ياسمين الصورة مرة تانية.
إيديها كانت لسه بترتعش من التعب والصدمة، لكن عقلها كان شغال أسرع من أي وقت.
الصورة كانت لورقة عقد.
في البداية ما فهمتش
معناها.
قربت الشاشة من عينيها...
ثم اتسعت عينيها.
العقد كان فيه اسمها.
لكن مش عقد ملكية شقة...
كان عقدًا يخص تنازلًا عن حق مالي.
والأغرب...
إن التاريخ المكتوب عليه كان قبل جوازها بكام شهر.
همست لنفسها
إيه ده؟
حاولت تتصل بالرقم المجهول.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
وصلت المستشفى، وعملوا لها الفحوصات اللازمة، وبعد ما اطمأنوا إن الإصابة سطحية، جلست تنتظر التقرير الطبي.
لكن عقلها لم يكن في المستشفى.
كان يرجع لكل لحظة عاشتها مع كريم.
كل مرة كان يسألها عن أوراق الشقة.
كل مرة كان يقول لها إحنا واحد... مفيش حاجة اسمها بتاعك وبتاعي.
كانت تفتكرها وقتها جملة حب.
لكن الليلة دي فهمت إنها كانت محاولة لإلغاء حدودها.
بعد ساعة...
رن هاتفها.
كان المحامي سامح.
ردت بسرعة.
قال ياسمين، وصلتني معلومة جديدة.
سألته إيه هي؟
قال بصوت منخفض
الورق اللي لقيناه مش هو الخطة الأساسية.
سكت لحظة ثم أكمل
فيه مستند تاني اتجهز من فترة... ولو اتستخدم، كان ممكن يعمل مشكلة كبيرة.
قلبها انقبض.
مستند إيه؟
قال
وكالة عامة.
سكتت.
ثم قالت
أنا عمري ما عملت وكالة لكريم.
رد سامح
أنا عارف.
عشان كده الموضوع مقلق.
في نفس اللحظة...
وصلها إشعار جديد.
رسالة من نفس الرقم المجهول.
هذه المرة لم تكن صورة.
كانت جملة واحدة
اسألي كريم مين كان شاهد على الورقة اللي اتعملت باسمك.
رفعت ياسمين عينيها.
لأن السؤال كان له إجابة واحدة فقط...
الشخص الذي يعرف كل تفاصيل حياتها.
والشخص الذي كان حاضرًا في بداية كل شيء.
وفي نفس الوقت...
في قسم الشرطة، كان كريم جالسًا ينتظر التحقيق.
وفجأة دخل عليه أحد أفراد الشرطة وقال
في حد بره عايز يقابلك.
رفع كريم عينه.
مين؟
رد الرجل
بيقول إنه عنده معلومات عن ياسمين.
تغير وجه كريم.
لأن الاسم الذي نطق به الرجل بعد ذلك...
كان اسم شخص لم يكن يتوقع ظهوره أبدًا بعد ساعات طويلة من التحقيقات، بدأت كل الخيوط تتجمع.
الشخص الذي ظهر في النهاية لم يكن طرفًا جديدًا في القصة كما ظن الجميع، بل كان موظفًا سابقًا تعامل مع عائلة كريم في بعض الإجراءات الورقية.
اعترف أن هناك محاولات فعلًا لتجهيز أوراق باسم ياسمين بدون علمها، وأنه عندما رأى ما حدث لها في الفيلا قرر ألا يستمر في الصمت.
تم تفريغ تسجيلات الكاميرات، وظهرت الحقيقة كاملة
ظهر كريم وهو يصرخ عليها قبل الاعتداء، وظهر ضغط أهله عليها بخصوص الشقة، كما ظهرت محاولات إخفاء بعض الأوراق.
لم تعد المسألة مجرد خلاف عائلي...
أصبحت قضية اعتداء ومحاولة استغلال وتلاعب بالأوراق.
أما ياسمين، فبعد خروجها من المستشفى، رجعت لشقتها.
لأول مرة منذ سنوات دخلت بيتها وهي تشعر أنه مكانها فعلًا.
لم يكن مجرد حوائط وأثاث...
كان دليلًا على تعبها، وسنوات شغلها، وحلم بنته بإيدها.
كريم حاول يتواصل معها أكثر من مرة.
مرة يعتذر.
ومرة يقول إن كل شيء كان بسبب ضغط أهله.
لكن ياسمين كانت قد فهمت أن المشكلة لم تكن في لحظة غضب واحدة...
المشكلة كانت في شخص اختار أن يقف ضدها عندما احتاجته بجانبها.
قررت تنهي الزواج بهدوء، وبدأت حياتها من جديد.
أما عائلة كريم، فخسروا الصورة المثالية التي كانوا يحاولون الحفاظ عليها أمام الناس.
والأهم...
خسروا قدرتهم على التحكم في شخص ظنوا أنه سيسكت للأبد.
بعد فترة، وقفت ياسمين أمام شباك شقتها، تنظر للمدينة من فوق.
تذكرت الليلة التي خرجت منها وهي تنزف ومكسورة.
ثم ابتسمت.
لأنها اكتشفت أن أقوى قرار أخذته في حياتها...
لم يكن شراء الشقة.
بل كان قرارها أنها لن تسمح لأحد أن يأخذ منها حقها مرة أخرى.
النهاية.