حماتي قالتلي بقلم منال علي

لمحة نيوز

مستكتراني في بيت ابني.
جوزي حاول يهديها
يا ماما، اسمعي الأول.
لكنها ما سكتتش.
بقت تعيد نفس الكلام بصوت أعلى، لدرجة إن الجيران بقوا يسمعوا.
وابني الصغير صحى من النوم، وفضل يعيط بخضة.
جريت عليه أشيله.
وأنا حامل في آخر أيام حملي، وبطني كانت مشدودة جدًا.
فضلت أهديه، وهي لسه بتتكلم.
وفجأة قالت جملة وجعتني بجد
الظاهر إنك مستعجلة أول ما أخو جوزك يتجوز عشان ترجعيني بيتي... أصل وجودي خانقك.
حلفتلها
والله ما فكرت بالطريقة دي.
لكنها كانت قررت تصدق اللي في دماغها.
ومن اليوم ده...
كل تصرف بقى له معنى.
لو عملت أكل، تقول اعمليه لنفسك... أنا ماليش نفس.
ولو سألتها تشرب حاجة، ترد لا... أوفر عليكم.
ولو جبت حاجة لابني، تقول بصوت تسمعه أهو ابنها أهم من أي حد.
والأصعب...
إنها بقت تتصل بقرايبهم وتحكيلهم رواية تانية خالص.
رواية بطلتها هي...
والشريرة فيها أنا.
وفي أقل من يومين...
لقيت تليفوني بيرن.
رقم أخت جوزي.
رديت وأنا مش متوقعة اللي سمعته منها...
يتبع...رديت عليها وأنا مستغربة.
أول ما قلت ألو؟
سمعتها بتقول بحدة
هو صحيح اللي ماما بتحكيه؟
اتلخبطت وقلت
تقصدي إيه؟
قالت بنبرة كلها عتاب
إنك بتعدّي عليها اللقمة، وعايزة تاخدي منها فلوس مقابل قعدتها عندكم!
حسيت إن دمي غلي.
لكن تماسكت وقلت
والله ده ما حصل. كل اللي قولته لجوزي إن ظروفنا صعبة، وإن المصاريف زادت، وخفت عليه لأنه شايل فوق طاقته.
قالت وهي بتتنهد
بصي... أنا مش هتدخل، بس ماما زعلانة جدًا.
وقفلت المكالمة.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا حاسة إن سمعتي بقت على كل لسان.
وبدأت ألاحظ حاجة غريبة...
كل ما حد من قرايب جوزي يكلمني، أحس إن كلامه متغير.
اللي كان يسأل عليا كل يوم، بقى بيسأل ببرود.
واللي كان يضحك معايا، بقى يرد كلمتين وخلاص.
عرفت إن القصة وصلت للكل...
لكن بطريقتهم هم.
أما أنا...
ولا حد سمع مني كلمة.
عدت كام يوم، وكنت بحاول أعدي الموضوع.
لكن تعبي زاد جدًا.
رجلي ورمت.
وضغطي بقى يوطى فجأة.
والدكتورة كانت موصياني أرتاح على قد ما أقدر.
لكن الراحة دي كانت مستحيلة.
حماتي بقت تعتبر إني موجودة في البيت يعني الخدمة شغالة.
مرة تناديني
اعمليلي شاي.
وبعدها بخمس دقايق
هاتيلنا فاكهة.
وبعدها
اعملي قهوة للضيوف.
وفي نفس الوقت...
ابني بيعيط.
والغسيل متراكم.
وألم ضهري بقى لا يحتمل.
وفي صباح يوم...
صحيت على دوخة شديدة.
ولما حاولت أقوم من السرير...
حسيت الدنيا بتلف بيا.
سندت على الحيطة بالعافية.
في اللحظة دي...
دخلت حماتي الأوضة، بصتلي، وقالت بمنتهى البرود
إيه؟ لسه نايمة؟ الضيوف جايين بعد العصر، والبيت محتاج يتروق.
بصيتلها وأنا حرفيًا مش قادرة أقف.
قلت بصوت ضعيف
والله تعبانة أوي النهارده.
ردت من غير أي تعاطف
كلنا حملنا وخلفنا... الحمل مش مرض.
خرجت وسابتني.
الكلمة دي كسرتني.
لكن خوفي من المشاكل خلاني أقوم بالعافية.
بدأت أنضف...
وأمسح...
وأرتب.
ولما وصلت للمطبخ...
حسيت بمغص شديد جدًا...
لدرجة إني مسكت طرف الرخامة علشان ما أقعش.
وفي نفس اللحظة...
سمعت صوت حماتي من الصالة وهي بتنادي عليا بصوت عالي
يا بنتي... أسرعي شوية... الضيوف قربوا يوصلوا!
حاولت أرد...
لكن فجأة حسيت بسائل دافئ بينزل...
وبصيت تحت رجلي...
واتجمدت مكاني من اللي شوفته...
يتبع...بصيت تحت رجلي...
ولقيت السائل بينزل أكتر.
إيدي بدأت ترتعش.
همست لنفسي
يا رب... معقول ده ميه الولادة؟
حاولت أمشي ناحية الصالة، لكن المغص ضربني بقوة، واضطريت أمسك في الحيطة.
ناديت بصوت واطي
يا طنط...
ما سمعتنيش.
رفعت صوتي شوية
يا طنط... الحقيني.
جريت عليا وهي متضايقة، وأول ما شافت وشي الأصفر قالت
مالك؟
قلت وأنا بتوجع
حاسّة إن ميه الولادة نزلت... والمغص بقى شديد.
بدل ما تقلق...
قالت وهي باصة للساعة
بس الضيوف هيوصلوا دلوقتي! استحملي شوية، يمكن إنذار كاذب.
بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
قلت بالعافية
مش قادرة أقف...
في اللحظة دي دخل ابني الصغير المطبخ، وشافني بعيط، فبدأ يعيط هو كمان.
البيت كله اتقلب.
مسكت الموبايل بإيد بترتعش واتصلت بجوزي.
رد بسرعة
خير؟
ما قدرتش أتكلم من الوجع.
كل اللي قلته
إلحقني...
سمع صوت عياطي، وقال
أنا جاي حالًا.
قفل الخط.
حماتي كانت لسه واقفة، وكل اللي شاغلها إنها تقول
طيب والضيوف؟ هنعمل فيهم إيه دلوقتي؟
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصل جوزي وهو بيجري.
أول ما شافني، وشه اتغير.
قال بغضب
إنتِ لسه هنا؟! ليه محدش خدها المستشفى؟
حماتي ردت بسرعة
أنا افتكرت إن لسه بدري.
ما ردش عليها.
شالني بنفسه، ونزل بيا على العربية.
وطول الطريق كان ماسك إيدي، وكل شوية يقول
استحملي... خلاص وصلنا.
وصلنا المستشفى، والدكاترة دخلوني بسرعة.
بعد الكشف، خرج الدكتور وهو باين عليه الانزعاج.
بص لجوزي وقال
كان لازم تيجي من بدري... هي كانت محتاجة راحة تامة، والمجهود اللي عملته وهي في آخر الحمل خطر جدًا.
جوزي بص ناحية أمه...
وأول مرة أشوف في عينه نظرة غضب بالشكل ده.
أما حماتي...
فنزلت عينيها في الأرض، وما نطقتش ولا كلمة.
لكن في نفس اللحظة...
خرجت ممرضة من أوضة الكشف وهي ماسكة ظرف صغير، وقالت
مين فيكم زوج المريضة؟
جوزي قال
أنا.
ناولته الظرف وقالت
لقيناه في شنطتها... وقالت لو حصل أي حاجة قبل ما تفوق، تديلهولك.
استغرب وفتح الظرف...
وأول ما قرأ أول سطر...
اتغير لون وشه تمامًا...
وقال بصوت مخنوق
إيه ده...؟!
يتبع...جوزي فضل ماسك الورقة، وإيده بتترعش.
بص على أول سطر مرة... واتنين... وكأنه مش مصدق.
حماتي قربت منه وقالت بقلق
في إيه يا ابني؟
لكنه ما ردش.
أنا كنت لسه جوه أوضة الكشف، ومش عارفة إيه اللي بيحصل بره.
الورقة دي...
ما كانتش جواب وداع.
ولا وصية.
كانت مجرد ورقة صغيرة، كنت كاتبة فيها من كام يوم، بعد ما حسيت إن الولادة قربت.
كنت خايفة يحصل لي أي مكروه، فحبيت أسيب كلمتين لجوزي.
كتباله
لو بتقرأ الورقة دي، يبقى يا إما أنا لسه في العمليات... يا إما حصل ظرف. بس قبل أي حاجة، عايزة أقولك إني عمري ما زعلت من إننا فقراء... ولا من تعب الحياة. اللي وجعني بس، إني كنت بشوفك شايل فوق طاقتك، ومش قادرة أساعدك.
وقف شوية، ومسح دموعه.
وكمل يقرا
سامحني لو في يوم اشتكيت. والله ما كنت بقصد أتكلم على مامتك، ولا أحرجها. أنا كنت خايفة عليك... وعلى ابننا... وعلى البيبي اللي جاي. ولو أنا خرجت بخير، مزق الورقة دي وكأنها ما اتكتبتش.
ساعتها...
حماتي مدت إيدها وقالت
هات أشوف.
ناولها الورقة من غير ما يتكلم.
قعدت تقرأها ببطء...
ومع كل سطر، ملامحها كانت بتتغير.
لحد ما وصلت للجملة الأخيرة
يمكن في يوم الناس كلها تزعل مني... لكن يكفيني إن ربنا يعلم إن عمري ما تمنيت أكون سبب في زعل حد.
نزلت الورقة من إيدها.
وقعدت على الكرسي وهي ساكتة.
أول مرة...
أشوفها ساكتة.
بعد دقائق، خرج الدكتور وقال
الحمد لله... الولادة تمت، والأم والبيبي بخير.
جوزي جري ناحية الباب وهو بيبكي من الفرحة.
أما حماتي...
فضلت مكانها، باصة في الأرض، وكأنها بتراجع كل اللي حصل في الأيام اللي فاتت.
ولما سمحتلهم الممرضة يدخلوا يشوفوني...
كانت أول مرة حماتي تمسك إيدي، وتقول بصوت كله ندم
سامحيني يا بنتي... أنا ظلمتك.
... يمكن تكمل بعدها باعتذارها قدام العيلة وما الذي حدث بعد رجوعهم للبيت إذا حبيتي، لكن دي لسه مش النهاية الكاملة ابتسمتلها ابتسامة ضعيفة، رغم إني كنت لسه مرهقة من الولادة.
قلت بهدوء
الحمد لله إن ربنا ستر.
ماكنتش قادرة أتكلم أكتر من كده.
الممرضة طلبت منهم يخرجوا علشان أرتاح.
وبعد ساعة تقريبًا، نقلوني أوضة عادية.
كنت شايلة البيبي بين إيديا، وببصله، وكل اللي بفكر فيه إن ربنا كتبلي عمر جديد.
دخل جوزي، قعد جنبي، ومسك إيدي.
قال وهو صوته مكسور
أنا غلطت.
بصيتله.
كمل
غلطت لما نقلت كلامك لماما. كان المفروض اللي بينا يفضل بينا. أنا افتكرت إني هحل المشكلة... لكن أنا اللي كبرتها.
أول مرة أحس إنه فاهم أنا كنت موجوعة من إيه.
قلتله
أنا ماكنتش مستنية منك تحل كل حاجة... كنت بس محتاجة تحس بيا.
هز راسه وقال
ووعد... عمري ما هكرر الغلطة دي.
في الوقت ده، خبط خفيف على الباب.
دخلت حماتي.
لكن المرة
تم نسخ الرابط