حماتي قالتلي بقلم منال علي

لمحة نيوز

دي كانت مختلفة.
لا صوت عالي.
ولا كلام جارح.
ولا حتى نظرة تحدي.
كانت شايلة كيس كبير.
حطته على الترابيزة، وقالت
ده كل احتياجات البيت للشهر... وده مبلغ تحتفظوا بيه لأي مصاريف تخص البيبي.
أنا وجوزي بصينا لبعض باستغراب.
كملت وهي دموعها نازلة
أنا كنت فاكرة إن وجودي خفيف عليكم... وماحستش بحجم الحمل اللي كنتي شايلاه. لما قريت الورقة... حسيت إني كنت شايفة نفسي بس.
قبل ما أرد...
دخلت أخت جوزي هي كمان.
وقفت قدامي وقالت بإحراج
أنا آسفة... صدقت الكلام من غير ما أسمعك.
بدأت أحس إن الأمور بترجع لمكانها.
لكن فرحتنا ماكملتش.
في نفس اللحظة...
رن موبايل حماتي.
ردت وهي مبتسمة.
لكن بعد ثواني...
اختفت الابتسامة من وشها.
قالت بصدمة
إيه؟! الفرح اتلغى؟!
جوزي قام بسرعة وقال
في إيه؟
بصتلنا وقالت وهي مصدومة
العروسة... اختفت من البيت الصبح، وسابت جواب... وأخوك منهار.
اتجمدنا كلنا.
لأن محدش كان متوقع إن بعد كل اللي حصل...
هيبدأ امتحان أصعب بكتير للعيلة كلها...
يتبع...وصل الخبر زي الصاعقة.
جوزي خرج يجري من الأوضة وهو بيكلم أخوه.
وأنا فضلت مكاني، شايلة البيبي، ومش قادرة أستوعب.
حماتي قعدت على الكرسي وهي بتقول
يا ساتر يا رب... يا ساتر.
بعد حوالي ساعة، رجع جوزي.
وشه كان شاحب.
قلت بقلق
إيه اللي حصل؟
قال وهو بيتنهد
العروسة مختفتش... هي سابت جواب وقالت إنها مش قادرة تكمل الجواز، وإنها كانت موافقة تحت ضغط أهلها.
تنهد وكمل
وأخويا قافل على نفسه ومش راضي يكلم حد.
سكتنا كلنا.
حتى حماتي ما علقتش.
واضح إن اللي حصل هزها من جوا.
بعد يومين خرجت من المستشفى.
وأول ما دخلت البيت، لقيت حاجة استغربتها.
البيت نضيف.
والتلاجة مليانة أكل.
وفي المطبخ أكياس طلبات تكفي شهر كامل.
بصيت لجوزي باستغراب.
ابتسم وقال
ماما هي اللي جابت كل ده.
ماكنتش مصدقة.
ومن يومها...
حماتي بقت كل يوم تيجي تساعدني ساعة ولا اتنين، وتشيل البيبي عني عشان أعرف أرتاح.
ولو استخدمت طبق...
كانت تقوم تغسله بنفسها.
ولو فتحت التلاجة...
تقول لو حاجة ناقصة اكتبيها، وأنا أجيبها.
في الأول افتكرت إنها هترجع لطبيعتها بعد كام يوم.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
وفي مساء، بعد حوالي أسبوعين...
قعدت جنبي وقالت
عارفة أنا ليه اتغيرت؟
هزيت راسي.
قالت وهي باصة لحفيدها
لأن ربنا وراني إن الكلمة ممكن تهد بيت... وإن الظلم مش لازم يكون ضرب أو إهانة... ساعات بيكون تجاهل لتعب حد.
سكتت شوية.
وأضافت
وأكتر حاجة كسرتني... إنك رغم كل اللي عملته معاكي، كتبتي في الورقة إنك مش زعلانة مني.
دموعها نزلت.
ولأول مرة...
حضنتني.
حضن أم لبنتها.
وساعتها حسيت إن الحمل التقيل اللي كنت شايلاه على قلبي، أخيرًا بدأ يخف.
لكن بعد أقل من شهر...
وأنا برتب الدولاب...
وقعت من بين هدوم حماتي ورقة قديمة مطوية.
فتحتها من باب الفضول...
وأول سطر فيها خلاني أحس إن في سر كبير كانت مخبياه عن العيلة كلها...
يتبع...فتحت الورقة وأنا فاكرة إنها يمكن روشتة دكتور... أو فاتورة قديمة.
لكن أول ما قريت أول سطر، اتسمرت مكاني.
كان مكتوب بخط إيد حماتي
لو حصلي حاجة قبل ما أقول الحقيقة... سامحوني.
قلبي دق بسرعة.
كملت قراية.
أنا السبب إن جواز ابني الكبير اتأخر سنين... وكل بنت كانت تيجي أخوفها من مسئولية بيتنا، عشان كنت خايفة يسيبني لو اتجوز.
شهقت من غير ما أحس.
يعني...
حماتي بنفسها كانت بتبوظ كل مشروع جواز لأخو جوزي؟
كملت وأنا مش مصدقة.
كنت فاكرة إني بعمل الصح... وإن ولادي هيبقوا جنبي طول العمر. لكن بعد اللي حصل مع مرات ابني، فهمت إن خوفي خلاني أظلمهم كلهم.
قفلت الورقة بسرعة.
وقعدت على السرير.
ألف سؤال لف في دماغي.
هل أقول لجوزي؟
ولا أواجه حماتي الأول؟
وفي نفس اللحظة...
دخلت حماتي الأوضة.
أول ما شافت الورقة في إيدي...
وشها اصفر.
وجريت ناحيتي وهي بتقول بارتباك
منين لقيتيها؟
قلت بهدوء
وقعت من الدولاب.
قعدت على طرف السرير، وخدت الورقة من إيدي، وفضلت تبص لها ثواني.
وبعدين قالت بصوت مكسور
كنت ناوية أحرقها... لكن مقدرتش.
سكتت شوية، وكملت
أنا كنت أنانية... كنت خايفة أفضل لوحدي بعد ما أبوهم مات. كل ما واحدة تتقدم لابني الكبير، كنت ألاقي أي سبب أخلي الجوازة تبوظ.
قلت وأنا مصدومة
يعني هو مالوش ذنب في كل اللي حصله؟
هزت رأسها وهي بتعيط.
ولا ذنبه... ولا ذنب أخوه... ولا ذنبك إنتِ.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
قام جوزي يفتح.
وبعد ثواني سمعناه بيقول بدهشة
إنتِ؟!
خرجت أبص.
ولقيت بنت واقفة قدام الباب.
شكلها في آخر العشرينات.
وشها باين عليه التوتر.
وقالت وهي باصة مباشرة لحماتي
أنا جاية أرجع الأمانة... وأقول الحقيقة اللي سكتّ عليها خمس سنين.
حماتي اتجمدت مكانها.
أما أنا...
فحسيت إن الورقة اللي وقعت من الدولاب...
ما كانتش غير بداية السر الحقيقي.
يتبع...البنت دخلت وهي مرتبكة، وما إن قعدت حتى قالت
أنا اسمي سلمى... وكنت مخطوبة لأخو جوز حضرتك من خمس سنين.
بصت لحماتي وقالت والدموع في عينيها
حضرتك جيتيلي قبل كتب الكتاب بأسبوع، وقلتيلي إن ابنك وافق عليا غصب، وإنه لسه بيحب واحدة تانية، وإنه لو اتجوزني هعيش تعيسة.
شهق جوزي، وقال إيه؟! الكلام ده حصل؟
هزت سلمى رأسها.
أنا صدقت... وفسخت الخطوبة بنفسي، وما قلتش الحقيقة لأهلي علشان ما أعملش مشاكل.
بصت لحماتي مرة تانية وقالت ولما سمعت إن خطوبته الأخيرة اتفسخت، عرفت إن اللي حصل معايا يمكن يكون اتكرر مع غيري... وجيت أقول الحقيقة.
سكت البيت كله.
أخو جوزي كان حاضر، وبص لأمه وهو بيقول بصوت مكسور
يعني... كل السنين دي كنت فاكر إن العيب فيا؟
حماتي انهارت في البكاء.
وقعدت على الأرض وهي تقول
سامحوني... بعد وفاة أبوكم خوفت أفضل لوحدي. كل ما واحدة كانت تدخل حياتكم، كنت أحس إنكم هتسيبوني. الشيطان لعب بعقلي، وكل مرة كنت أقول دي آخر مرة... لحد ما دمرت حياة ولادي بإيديا.
كانت أول مرة تعترف بكل حاجة.
ما حدش اتكلم.
ولا حد شتمها.
كان الوجع أكبر من أي كلام.
بعد أيام، جمعت العيلة كلها بنفسها.
واعترفت قدام الجميع بكل اللي عملته، واعتذرت لابنها الكبير، وليا، وحتى اتصلت بسلمى وأهلها تعتذر لهم.
وأخو جوزي، رغم إنه اتوجع، قال لها
أنا مسامحك... بس بشرط. من النهارده ما يبقاش في كدب ولا تدخل في حياة حد.
ومن يومها فعلًا اتغيرت.
بقت تزورنا وهي شايلة طلبات البيت قبل ما تدخل.
ولو جابت حاجة لحفيدها، كانت تجيب زيها لولاد إخواته.
وبطلت تتدخل في قرارات ولادها.
أما أنا...
فأدركت إن الصبر مهم، لكن السكوت عن الغلط مش دايمًا صح.
ولو كنت اتكلمت باحترام من البداية، ولو جوزي حافظ على خصوصية كلامنا، ولو حماتي سمعت بدل ما تحكم... كان ممكن نتجنب وجع كبير.
كبر أولادي وهم بيحبوا جدتهم، لأنها حاولت تصلح أخطاءها بالفعل، مش بالكلام.
وكلما افتكرت الأيام الصعبة دي، أحمد ربنا إن النهاية كانت فيها اعتراف، واعتذار، وإصلاح... بدل ما كانت تبقى قطيعة عمرها ما تتصلح.
تمت.

تم نسخ الرابط