اخويا كلمني
المحتويات
مليان تواريخ وتوقيعات.
قال ده سجل الزيارات.
قلبت الصفحات...
كل زيارة للمزرعة كانت متسجلة.
اسمي.
أسماء العمال.
الموردين.
حتى فرق الصيانة.
لكن عند صفحة من شهرين...
وقفت إيدي فجأة.
كان فيه توقيع باسم أخويا.
وتحته ملاحظة بخط مدير المزرعة
طلب الاطلاع على ملفات الملكية... وتم رفض الطلب لعدم وجود تفويض.
رفعت الدفتر قدامه.
وسألته بهدوء جيت هنا ليه؟
قال بسرعة كنت بطمن على المكان.
مدير المزرعة رد فورًا لأ... حضرتك سألت وقتها عن أصل العقود، وسألت فين النسخة المختومة.
سكت.
ثم أخرج المدير ورقة تانية.
وقال وده تقرير الحارس.
قرأت أول سطر...
حضر الأستاذ... ومعه شخصان، وطلبوا دخول المخزن القديم، لكن تم الرفض تنفيذًا للتعليمات.
البنت بصت لأخويا بصدمة.
وقالت إنت قلتلي إنك عمرك ما جيت هنا!
بدأ يتوتر، وقال أنا... كنت بدور على أوراق بس.
لكن الراجل الكبير قاطعه وقال واضح إن الموضوع بدأ قبل البيع بوقت طويل.
وفجأة...
رن هاتف مدير المزرعة.
رد، وسكت ثواني.
ثم بصلي وقال
في عربية داخلة من البوابة... ومعاها مندوب بيقول إنه جاي يستلم المزرعة رسميًا.
نظرت نحو النافذة.
سيارة سوداء كانت بتقترب ببطء.
وقفت أمام المكتب.
ونزل منها رجل يحمل حقيبة مستندات، وقال من أول لحظة
أنا جاي أسلم باقي الأوراق... لكن الظاهر إن في حاجة كبيرة اتغيرت هنا.
يتبع...الرجل دخل المكتب بهدوء، وحط حقيبة المستندات على الترابيزة.
بص على الوجوه حواليه، ولاحظ التوتر.
قال واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
الراجل صاحب البدلة رد بسرعة بالعكس... وجودك مهم جدًا.
فتح المندوب الحقيبة، وأخرج ملفًا أزرق.
قال أنا مندوب الشركة اللي كان المفروض يتم نقل الملكية ليها، وجاي أستلم النسخ النهائية.
أخويا ابتسم لأول مرة من ساعة ما وصلنا، وقال أهو... الراجل بنفسه جه.
لكن المندوب ما بصلهوش.
كان مركز معايا أنا.
وسأل حضرتك المالكة المسجلة؟
قلت أيوه.
مد لي الملف وقال يبقى لازم تشوفي الصفحة الأخيرة.
فتحتها...
وكان فيها بند بخط كبير
لا يتم سداد باقي قيمة الصفقة إلا بعد حضور المالكة شخصيًا، وإقرارها أمام الجهة المختصة بالموافقة.
رفعت عيني للمندوب.
قلت يعني الفلوس كلها ما اتدفعتش؟
ابتسم وقال ولا حتى نصفها.
الكل بص لأخويا.
أما هو فاتلعثم وقال إزاي؟... أنا استلمت...
المندوب قاطعه حضرتك استلمت مبلغًا على سبيل الحجز المبدئي فقط، وليس ثمن البيع.
الراجل صاحب البدلة فتح الملف اللي معاه بسرعة، وبقى يقارن بين الورق.
وبعدين قال باندهاش دي أول مرة أشوف حد يمضي على عقد من غير ما يقرأ شروطه.
البنت بصت لأخويا بصدمة.
وقالت يعني المشروع اللي قلتلي عليه...
ما كملتش.
لأنها كانت فهمت إن الصورة مختلفة تمامًا.
أما أنا، فسألت المندوب
المبلغ اللي اتدفع... اتحول لمين؟
رد وهو بيقلب في كشف التحويلات
للشخص اللي قدم نفسه بصفته المفوض عن المالكة.
ساد صمت ثقيل.
كل الأنظار اتجهت ناحية أخويا.
لكن قبل ما حد يتكلم...
المندوب وقف فجأة، وطلع ورقة صغيرة من الملف.
وقال
في حاجة استغربتها من أول يوم... علشان كده احتفظت بنسخة منها.
مد الورقة ناحيتي.
أول ما قريتها...
اتغيرت ملامحي.
لأن التوقيع الموجود عليها...
كان بيحاول يقلد توقيعي...
لكنه وقع في غلطة صغيرة جدًا...
غلطة محدش غيري كان ممكن يلاحظها.
رفعت الورقة قدام أخويا بهدوء، وقلت
واضح إن اللي كتب التوقيع كان حافظ شكله... لكنه ماكانش عارف سره.
اتسعت عينا أخويا...
ولأول مرة، ماعرفش ينطق ولا كلمة.
يتبع...أخويا فضل يبص للورقة، كأنها أول مرة يشوفها.
قال بصوت مهزوز أنا... معرفش الورقة دي.
حطيت الورقة على الترابيزة بهدوء.
وقلت أنا مش مستعجلة أعرف مين كتبها... لأن الحقيقة بتطلع لوحدها.
المندوب فتح الحقيبة مرة تانية، وقال في حاجة نسيت أسلمها.
طلع فلاشة صغيرة، وحطها قدامي.
سألته دي إيه؟
قال نسخة من تسجيل كاميرات مقر الشركة يوم توقيع العقد. بنحتفظ بيها مع كل الصفقات الكبيرة.
الراجل صاحب البدلة رفع حاجبيه بدهشة.
وقال يعني كل اللي حصل يوم التوقيع... متسجل؟
هز المندوب رأسه.
أخويا اتغير لونه فجأة.
أما البنت، فبدأت تبص له نظرات مليانة أسئلة.
مدير المزرعة شغّل اللابتوب الموجود في المكتب.
ركب الفلاشة...
وظهر الفيديو.
كانت القاعة واضحة.
الموظفين.
الملفات.
والشخص اللي دخل علشان يوقع.
لكن أول ما ظهر وجهه...
الكل اتصدم.
لأنه ماكنش أخويا.
كان شخص تاني تمامًا.
لابس بدلة، ونضارة، وكاب.
ملامحه متغطية جزئيًا.
دخل، وقع الأوراق، واستلم الظرف، وخرج في أقل من عشر دقائق.
المندوب قال ده الشخص اللي قدم نفسه على إنه المفوض.
بصيت لأخويا.
وسألته تعرفه؟
هز رأسه بسرعة.
لا.
لكن قبل ما حد يعلق...
مدير المزرعة وقف الفيديو فجأة.
وقال استنوا.
رجع اللقطة للخلف.
وكبر الصورة عند باب الشركة.
ظهر شخص واقف بره...
كان مستني الراجل اللي خرج.
ملامحه كانت بعيدة...
لكن العربية اللي واقف جنبها كانت واضحة جدًا.
سيارة سوداء، وعلى الزجاج الخلفي ملصق دائري مميز.
مدير المزرعة همس أنا شوفت العربية دي قبل كده.
كلنا بصينا له.
قال كانت واقفة قدام المزرعة... قبل شهرين... يوم ما حاولوا يدخلوا المخزن.
ساد الصمت.
وأنا حسيت إن خيوط القصة بدأت تتجمع.
الموضوع ماكانش مجرد بيع مزرعة...
كان فيه حد بيرتب لكل خطوة من شهور.
وفي اللحظة دي...
رن هاتفي.
رقم غير مسجل.
رديت.
جالي صوت هادئ جدًا قال
لو عايزة تعرفي مين بدأ كل ده... روحي للبيت القديم قبل غروب الشمس.
ثم...
أغلق الخط مباشرة.
رفعت عيني للحاضرين، وأنا ماقلتش لحد اللي سمعته.
لكن كان عندي إحساس واحد...
إن البيت القديم هيخبي الحقيقة اللي كل واحد فينا بيدور عليها.
يتبع...خرجت من المكتب وأنا ماسكة الموبايل بقوة.
مدير المزرعة لاحظ ملامحي وقال في حاجة حصلت؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت ممكن حد يحاول يسبقنا.
ركبت العربية واتجهنا ناحية البيت القديم، وهو أول بيت اتبنى في المزرعة من أكتر من خمسين سنة.
طول الطريق...
أخويا كان سايق ورايا بعربيته، لكنه مبقاش بيتكلم.
أما البنت، فكانت قاعدة جنبه، وواضح إنها بدأت تشك في كل كلمة قالها لها.
بعد عشر دقايق...
وصلنا.
البيت كان واقف وسط أشجار الجميز، بابه الخشبي مقفول، وشبابيكه مغطية بطبقة تراب سميكة.
أخرجت مفتاحًا صغيرًا من سلسلة مفاتيحي.
أخويا استغرب وقال لسه معاكي المفتاح ده؟
قلت جدتي كانت بتقول في أبواب مينفعش تتساب من غير أصحابها.
فتحت الباب...
وصوت صريره ملأ المكان.
دخلنا ببطء.
الأثاث كما هو.
الساعة القديمة على الحائط متوقفة.
وصور العائلة ما زالت معلقة.
لكن في منتصف الصالة...
كانت فيه ترابيزة صغيرة.
وعليها صندوق خشبي.
الصندوق كان عليه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها بخط جدتي
إذا وصلتِ إلى هنا، يبقى فيه حد حاول ياخد حق مش حقه.
أخويا قرب خطوة، لكني رفعت إيدي.
محدش يلمس حاجة.
فتحت الصندوق بهدوء.
لم أجد ذهبًا...
ولا أموالًا...
ولا أوراق ملكية.
كان بداخله دفتر مذكرات قديم.
وفي أول صفحة، كانت جملة واحدة
الثقة تُعطى... لكن المسؤولية تُثبت بالأفعال.
بدأت أقلب الصفحات.
كل صفحة كانت بتحكي سنة من تاريخ المزرعة.
إيرادات.
مصروفات.
مشروعات.
وأسماء الناس اللي اشتغلوا فيها.
لحد ما وصلت لآخر عشر صفحات.
كانوا مختلفين.
فيهم ملاحظات دقيقة عن اجتماعات، وزيارات، ومحاولات شراء متكررة للمزرعة خلال السنة الأخيرة.
وأمام كل محاولة...
كانت جدتي كاتبة كلمة واحدة
رفض.
ثم في آخر صفحة...
وجدت اسم شركة مكتوبًا داخل دائرة كبيرة، وتحته عبارة
لو رجعوا يحاولوا بعد وفاتي... يبقى هدفهم مش الأرض... هدفهم اللي تحت الأرض.
رفعت رأسي ببطء.
كل الموجودين كانوا بيبصوا لي.
أما أخويا فقال باستغراب
يعني إيه اللي تحت الأرض؟
قفلت الدفتر بهدوء.
ونظرت من شباك البيت ناحية الجزء الخلفي من المزرعة...
المكان اللي جدتي كانت تمنع أي حد يقرب منه مهما كانت الأسباب.
وقلت بصوت منخفض
واضح إن السر الحقيقي... عمره ما كان في عقد البيع.
ثم خرجت من البيت متجهة إلى ذلك المكان...
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت محرك حفار ضخم يقترب من الجهة الخلفية للمزرعة.
يتبع...اتجهنا بسرعة ناحية الصوت.
كل ما كنا بنقرب... صوت الحفار كان بيعلى.
لما وصلنا، لقينا شاحنة كبيرة واقفة برة السور الخلفي، وحفار واقف جاهز للشغل، ومعاه كذا عامل.
أول ما شافونا، السواق نزل وقال إحنا جايين ننفذ أمر الحفر.
سألته بهدوء مين اللي أصدر الأمر؟
طلع ورقة من جيبه وناولها لي.
بصيت فيها ثواني... ثم رجعتهاله.
وقلت الورقة دي مفيهاش توقيع صاحب الملك.
الراجل اتوتر وقال إحنا منفذين... واللي طلب الشغل قال إن كل التصاريح جاهزة.
في اللحظة دي، الراجل الكبير اللي كان معانا قرب من الورقة، وقراها كويس.
ثم قال الغريب إن المكان المحدد للحفر... هو نفس المكان اللي كانت الحاجة تمنع أي حد يقرب منه.
مدير المزرعة بصلي وقال نعمل إيه؟
قلت بحزم ولا متر واحد هيتحفر قبل ما نعرف مين باعتكم.
العاملين وقفوا يبصوا لبعض.
واضح إنهم مجرد ناس جاية تشتغل، ومش فاهمين سبب الخلاف.
وفجأة...
واحد منهم قال إحنا وصلنا بدري لأن الراجل اللي اتفق معانا قال لازم نبدأ قبل العصر.
سألته مين الراجل ده؟
رد معرفش اسمه... لكن ادانا عربون كبير، وقال الباقي بعد أول حفرة.
الراجل صاحب البدلة قال واضح إن حد مستعجل يوصل لحاجة.
سكتنا كلنا.
وفي اللحظة دي...
الحارس اللي كان واقف عند البوابة جري علينا وهو بينهج.
وقال لقيت دي عند السور.
ومد إيده بورقة مطوية.
فتحتها.
كانت مرسوم عليها جزء من المزرعة بخط اليد.
وعليه علامة حمراء... في نفس مكان الحفار واقف.
وفي أسفل الورقة مكتوب
اللي بتدوروا عليه... أعمق مما تتخيلوا.
بصيت للراجل الكبير.
لقيته شاحب.
سألته حضرتك تعرف حاجة؟
اتنهد طويلًا...
وقال
أعرف... لكن لو قلت دلوقتي، هتتغير نظرة كل واحد فيكم للمزرعة.
وسكت.
أما أنا...
فأخذت الخريطة، وبصيت للمكان المحدد مرة تانية.
ثم قلت
محدش هيحفر... إلا بعد ما أفهم ليه كل الناس عايزة توصل للنقطة دي.
وفي
متابعة القراءة