اخويا كلمني

لمحة نيوز

نفس اللحظة...
ظهر من بعيد شخص كان واقف يراقبنا بين الأشجار.
ولما لاحظ إننا شوفناه...
استدار بسرعة...
وجرى.
يتبع...من غير ما أفكر، جريت وراه.
مدير المزرعة والحارس جريوا معايا، بينما أخويا فضل واقف مكانه، كأنه مش مستوعب اللي بيحصل.
الشخص كان حافظ الطرق كويس.
كل شوية يلف بين الأشجار ويختفي.
لكن فجأة...
اتزحلق على الأرض الطينية بعد ما عدى جنب الترعة الصغيرة.
الحارس لحقه قبل ما يقوم.
مسكه من دراعه، وقال استنى! إنت مين؟
الرجل ما قاومش.
كان في أواخر الخمسينات، هدومه بسيطة، ووشه باين عليه التعب.
قربت منه وسألته ليه كنت بتراقبنا؟
بصلي لحظات...
وبعدين قال أنا مش جاي أؤذي حد.
قلت أمال كنت بتستخبى ليه؟
رد لأني عارف إن محدش هيصدقني.
الراجل الكبير أول ما شافه، اتفاجئ وقال إنت...!
الرجل بصله وقال أيوه... أنا.
كلنا بصينا للراجل الكبير.
قلت حضرتك تعرفه؟
اتنهد وقال ده كان المشرف على أعمال الصيانة في المزرعة من سنين طويلة.
الرجل هز رأسه وقال اشتغلت هنا أكتر من عشرين سنة.
سألته إيه حكاية المكان اللي الكل عايز يحفر فيه؟
بص حوالينه الأول، كأنه بيتأكد إن محدش بيسمع.
وبعدين قال
قبل وفاة جدتك بأيام، طلبت مني أدفن حاجة هناك.
أخويا قرب بسرعة وقال إيه هي؟
الرجل هز رأسه.
ماعرفش.
لأنها أصرت إن الصندوق يفضل مقفول، وقالت لي مهما حصل، ما تفتحهش، وما تخليش حد يحفر مكانه إلا بحضور حفيدتي.
مدير المزرعة قال باستغراب يعني فعلاً فيه صندوق؟
الرجل رد أيوه... وأنا الوحيد اللي كنت موجود وقتها.
ساد الصمت.
كل واحد فينا كان بيفكر في نفس السؤال.
إيه اللي ممكن يخلي الجدة تخفي صندوق تحت الأرض، وتوصي عليه بالشكل ده؟
وفي اللحظة دي...
رن هاتف الرجل.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
سألته مين كان بيتصل؟
رفع عيني وقال بصوت منخفض
الشخص اللي طلب مني من أسبوع أدله على مكان الصندوق.
اتجمدنا كلنا.
قلت بسرعة عرف مكانه؟
رد بثقة
لا... لأن قبل ما أمشي من هنا من سنين، غيرت العلامة اللي كانت جدتك حطاها.
ثم أشار بيده إلى مكان بعيد عن علامة الموجودة في الخريطة.
وقال
اللي بيدوروا عليه... بقالهم شهور بيحفروا في المكان الغلط.
يتبع...كل العيون اتجهت للمكان اللي أشار عليه.
كان يبعد حوالي خمسين متر عن العلامة اللي على الخريطة.
مكان هادئ، تحيطه أشجار سرو قديمة، ومافيهوش أي علامة تلفت الانتباه.
أخويا قال بسرعة يبقى نروح نحفر هناك دلوقتي.
الرجل العجوز هز رأسه بقوة.
لأ.
سألته ليه؟
قال لأن الحاجة قالتلي جملة عمري ما نسيتها...
وسكت لحظة قبل ما يكمل
الصندوق ما يتفتحش إلا لما تتأكدي إن اللي حواليكي بقى بيقول الحقيقة.
ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بص للتاني.
واضح إن جدتي كانت متوقعة إن هيجي اليوم ده.
مدير المزرعة قال إحنا لحد دلوقتي عندنا أسئلة أكتر من الإجابات.
في اللحظة دي، المندوب اللي جه من شركة الشراء قرب وهو ماسك تابلت.
وقال وأظن عندي إجابة على سؤال مهم.
فتح شاشة التابلت، وقال بعد ما عرفت إن الصفقة فيها مشكلة، راجعت كل المكالمات والإيميلات اللي وصلت للشركة.
لمس الشاشة، وظهر جدول طويل.
قال فيه رقم تليفون كان بيتواصل معانا بشكل شبه يومي.
سألته رقم مين؟
رد معرفش صاحبه... لكن الغريب إنه كان أول واحد بلغ الشركة إن المالكة مسافرة، وإن أفضل وقت لإنهاء الإجراءات هيكون الأسبوع ده.
بصيت لأخويا.
قلت إنت كنت تعرف إني مسافرة.
رد بسرعة أيوه... بس أنا ماكلمتش حد.
المندوب كمل والأغرب من كده... إن الرقم ده اتقفل نهائيًا من ساعة ما حضرتك رجعتي من المطار.
الراجل الكبير طلب يشوف الرقم.
أول ما شاف آخر أربع أرقام...
عقد حاجبيه.
وقال الرقم ده شوفته قبل كده.
كلنا بصينا له.
قال كان مكتوب في ورقة قديمة ضمن ملفات جدتك... لكنها ماقالتش وقتها هو رقم مين.
قبل ما نلحق نسأله أي حاجة...
سمعنا صوت محرك عربية بيدخل المزرعة بسرعة.
العربية وقفت بعنف.
ونزل منها شاب في أواخر العشرينات، واضح إنه كان بيسوق بأقصى سرعة.
أول ما شافنا، قال وهو بينهج
الحمد لله لحقتكم... كنت بدور عليكم من الصبح.
قلت بحذر حضرتك مين؟
مد إيده بظرف أبيض مختوم، وقال
أنا جاي أنفذ آخر وصية ائتمنتني عليها جدتك... وكان لازم أسلم الظرف ده ليكي يوم ما يحصل نزاع على المزرعة.
أخويا همس وهو بيبص للظرف
كمان وصية؟!
ابتسمت وأنا أخدت الظرف...
لكن قبل ما أفتحه، لاحظت حاجة غريبة جدًا.
الختم الموجود عليه...
كان مكسور من طرف واحد...
كأن حد سبق وحاول يفتحه... ثم أقفله من جديد.
يتبع...بصيت للظرف كويس.
فعلاً... طرف الختم كان فيه أثر بسيط، كأنه اتفتح بحذر واتقفل تاني.
رفعت عيني للشاب وسألته
الظرف كان معاك طول الوقت؟
هز رأسه وقال لأ... كان محفوظ في خزنة بمكتب محاسب جدتك، وأنا استلمته النهارده الصبح بعد ما أثبت هويتي.
الراجل الكبير مد إيده وقال وريني الختم.
فحصه ثواني، ثم قال الختم الأصلي... لكن واضح إن حد حاول يعبث بيه من غير ما يكسره بالكامل.
أخويا قال بسرعة يبقى افتحيه وخلاص.
بصيت له، وقلت المرة دي مش هنتسرع.
لبست قفازًا خفيفًا كان موجود في شنطة الإسعافات داخل العربية، وأخرجت الظرف بحذر.
كان جواه ورقتان فقط.
الورقة الأولى مكتوبة بخط جدتي
إذا وصل هذا الخطاب إلى حفيدتي، فهذا معناه أن الطمع سبق العقل. لا تثقي في الأوراق وحدها، فبعض الناس يزورون التوقيعات... لكنهم ينسون الحقائق.
أما الورقة الثانية...
فكانت خريطة للمزرعة.
لكنها مختلفة تمامًا عن الخريطة اللي لقيناها قبل كده.
كان عليها علامات بالقلم الأحمر والأزرق، وفي أسفلها عبارة صغيرة
ابدئي من شجرة الجميز القديمة... وليس من الصخرة.
اتسعت عينا الرجل العجوز.
وقال أنا افتكرت!
سألته بسرعة إيه اللي افتكرته؟
قال يوم ما دفنا الصندوق، الحاجة غيرت مكان العلامة في آخر لحظة، وقالت لو حد حاول يسرق الخريطة، هيوصل للمكان الغلط.
مدير المزرعة فتح الخريطة الجديدة على مقدمة العربية، وبدأ يقارنها بالأولى.
وبعد دقائق قال
فيه فرق واضح... حوالي خمسة عشر متر.
قلت يعني المكان الحقيقي مختلف.
رد بثقة أيوه.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت خطوات جاية من خلف الأشجار.
استدرنا بسرعة.
لكن اللي خرج ماكانش شخص غريب...
كان الحارس.
وكان معاه شيء ملفوف في قطعة قماش قديمة.
قال وهو بيحاول يلتقط أنفاسه
وأنا بدور عند شجرة الجميز، لقيت ده مدفون على عمق بسيط.
فتحنا القماش...
فلقينا مفتاحًا حديديًا قديمًا، محفور عليه رقم واحد فقط.
نظر الرجل العجوز إلى المفتاح، وابتسم لأول مرة.
وقال
يبقى الصندوق نفسه... كان مجرد بداية.
ثم أشار إلى البيت القديم، وأضاف
لأن المفتاح ده... مش بيفتح صندوق.
وسكت لحظة...
قبل أن يقول
ده بيفتح بابًا... محدش في المزرعة كلها يعرف إنه موجود.
يتبع...بصينا لبعض في ذهول.
قلت للرجل العجوز باب؟ فين الباب ده؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال زمان، قبل ما يتبني المخزن الجديد، كان في ممر قديم تحت البيت. بعدين اتقفل واتغطى، ومع السنين الناس نسيته.
أخويا قال باستغراب أنا اتربيت هنا... وعمري ما سمعت عن ممر.
رد الرجل لأن جدتك كانت مصممة إن محدش يعرف بوجوده.
رجعنا كلنا للبيت القديم.
دخلنا الصالة، والرجل العجوز مشي بخطوات واثقة لحد المكتبة الخشبية الكبيرة.
مد إيده ناحية الرف السفلي، وشال صندوق كتب قديم.
بعدها ضغط على قطعة خشب صغيرة كانت شبه باقي الألواح.
وفجأة...
سمعنا صوت خفيف.
تك...
وبدأت المكتبة تتحرك ببطء.
اتفتح وراها باب حديدي صغير، غطاه التراب وخيوط العنكبوت.
البنت شهقت وقالت يعني المكان ده كان موجود طول السنين دي؟!
مدير المزرعة قال وهو مذهول أنا شغال هنا من خمسة عشر سنة... ودي أول مرة أشوفه.
طلعت المفتاح الحديد من جيبي.
كان بيركب في القفل كأنه معمول ليه بالضبط.
لفيته...
ودار القفل من أول مرة.
فتحنا الباب.
كان فيه سلم حجري نازل لتحت.
الهواء كان بارد، وريحة المكان بتقول إنه مقفول من سنين طويلة.
أخرج الحارس كشافًا، ونزلنا واحدة واحدة.
في آخر السلم...
وصلنا لغرفة صغيرة مبنية بالحجر.
ماكانش فيها أثاث كتير.
ترابيزة.
كرسي.
وخزانة حديد.
وعلى الحائط...
كانت لوحة خشبية مكتوب عليها بخط جدتي
اللي يوصل لحد هنا... يعرف إن الأمانة أغلى من أي ثروة.
فتحت الخزانة بالمفتاح.
لكنها ما كانتش مليانة فلوس.
ولا دهب.
كان فيها عشرات الملفات المرتبة بعناية.
ومع كل ملف اسم.
اسم عامل.
واسم أسرة.
واسم شاب أو بنت.
مدير المزرعة فتح أول ملف.
وقال بدهشة دي ملفات الشباب اللي كانت الحاجة بتساعدهم.
فتحنا ملفًا تاني.
ثم ثالث.
كل الملفات كانت فيها عقود تعليم، ومشروعات صغيرة، وإيصالات تثبت إن جدتي كانت بتصرف من دخل المزرعة على ناس كتير... في صمت، ومن غير ما تعرفهم إن الفضل يرجع لها.
وفي آخر رف...
كان فيه ظرف أسود صغير.
عليه اسمي بخط جدتي.
مددت إيدي ناحيته...
وقبل ما ألمسه...
سمعنا صوت ارتطام قوي فوقنا.
كأن باب البيت الرئيسي اتقفل بعنف.
ثم...
جالنا صوت خطوات...
حد نزل أول درجة من السلم.
حد غيرنا... عرف مكان الغرفة السرية.
يتبع...انطفأت الأصوات للحظة...
ثم سمعنا الدرجة الثانية...
تك... تك...
كل خطوة كانت أوضح من اللي قبلها.
الحارس مسك الكشاف بقوة، ومدير المزرعة وقف قدام باب الغرفة.
أما أنا...
فأخدت الظرف الأسود بسرعة وحطيته في شنطتي من غير ما أفتحه.
الرجل العجوز همس اطفوا الكشاف.
أطفيناه فورًا.
المكان غرق في ظلام تام.
الشخص اللي فوق كمل نزوله، لكنه كان بينزل بحذر... كأنه مش حافظ الطريق.
ولما وصل لآخر السلم، وقف.
وسمعناه بيقول بصوت هادي
أنا
تم نسخ الرابط