جوزي بقلم منال علي

لمحة نيوز

وقلت مش قبل ما أعرف إيه اللي مستخبيه عني.
فضل يبصلي ثواني، وبعدها قال بنبرة هادية بشكل غريب صدقيني... لو فتحتيه دلوقتي، حياتنا كلها هتتغير.
ضحكت بمرارة.
هي لسه فيها حاجة تتغير؟
وفجأة...
مد إيده وخطف الملف من بين إيديا.
لكن وأنا بشده منه، ورقة وقعت على الأرض.
بصينا عليها أنا وهو في نفس اللحظة.
هو انحنى بسرعة عشان ياخدها، لكني كنت أسرع.
خدتها قبل ما يلمسها.
كانت صورة لعقد... وعليه اسم سلفتي.
لكن اللي شد انتباهي مش اسمها...
اللي شدني خانة تانية مكتوب فيها
تنازل...
قبل ما أكمل قراءة السطر، خطف الورقة مني ومزقها نصين.
صرخت فيه إنت بتخبي إيه؟!
قال بعصبية لأول مرة فيه حاجات لو عرفتيها دلوقتي هتبوظ كل حاجة!
قلت كل حاجة باظت من يوم ما خيرتني بين الجواز والطلاق.
خرج من الأوضة وسابني، لكنه نسي حاجة مهمة...
لما شد الورقة واتمزقت، جزء صغير منها وقع تحت السرير.
استنيت لحد ما خرج من البيت تاني يوم.
ونزلت على ركبي أفتش تحت السرير.
طلعت القصاصة الصغيرة.
كانت جزء من الورقة الممزقة.
وفيها كام كلمة بس...
...التنازل عن...
...نصيب...
...الورثة...
حسيت إن الموضوع مش مجرد جوازة خالص.
فيه ورث.
وفيه أوراق.
وفيه حاجة كبيرة مستخبية عني.
وفي نفس اليوم، وأنا بحاول أفهم، رن جرس الباب.
فتحت...
اتفاجئت براجل كبير في السن، لابس بدلة قديمة، وقال أول ما شافني
حضرتك مدام...؟
هزيت راسي.
بص حواليه يتأكد إن محدش سامع، وبعدين قال بصوت واطي
أنا كنت شغال عند والد جوزك... وجيت أحذرك قبل فوات الأوان... لأن الجوازة دي مش هدفها الأطفال زي ما قالولك...
واتلفت مرة تانية، وكمل بصوت مرتعش
هدفها حاجة أخطر بكتير...بصيتله وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني.
قلت بسرعة اتفضل... ادخل.
هز راسه برفض، وبص ناحية آخر الشارع كأنه خايف حد يشوفه.
قال بصوت واطي لا... لو شافوني واقف عندك هيعرفوا إني اتكلمت.
سألته بلهفة مين هما؟
رد بعد تردد اللي بيخططوا للجوازة.
الكلمة وقعت على قلبي تقيلة.
قلت يعني الموضوع متخطط له من زمان؟
هز راسه وقال من قبل ما أخو جوزه يتوفى حتى.
اتسعت عيني من الصدمة.
إيه؟! إنت بتقول إيه؟
قال بسرعة أنا مش معايا وقت... اسمعيني كويس. أبو جوزك جمع العيلة كلها من كام شهر، ومن يومها وهم بيدوروا على طريقة يخلوا كل حاجة تفضل جوه العيلة.
قلت بعصبية كل حاجة إيه؟
طلع ظرف أصفر قديم من تحت الجاكيت، وناولهولي.
الظرف ده احتفظت بيه من سنين... يمكن النهارده بس عرفت ليه.
خدته وأنا مستغربة.
كان مقفول بشمع أحمر قديم، ومكتوب عليه بخط إيد لا يُفتح إلا عند الضرورة.
قبل ما أسأله أي سؤال، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
لف الراجل بسرعة، واتغير لون وشه.
قال وهو بيرجع خطوتين خبي الظرف... ومتقوليش لحد إنك شفتيني.
وجري في آخر الشارع.
وفي نفس اللحظة، نزل جوزي من العربية.
أول ما شافني واقفة على الباب، بص حواليه وسألني كان مين اللي واقف معاكي؟
حاولت أخبي ارتباكي وقلت حد سأل على عنوان.
فضل يبصلي ثواني طويلة... كأنه مش مصدق.
وفجأة قال افتحي شنطتك.
قلبي دق بعنف.
لأن الظرف كان لسه جواها.
قلت ليه؟
قال بنبرة حاسمة افتحيها.
مسكت الشنطة بإيدي الاتنين، وأنا حاسة إن لو شاف الظرف هيعرف كل حاجة.
وفي اللحظة دي بالذات...
رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
كان المتصل... سلفتي.
رد بسرعة، وأول ما سمع صوتها قال بقلق إيه؟! إزاي خرج من عندكم؟!
سكت لحظة وهو بيسمعها، وبعدها بصلي نظرة مرعبة، وقال
خليكي مكانك... أنا جاي حالًا.
وركب العربية وانطلق بأقصى سرعة، وسابني واقفة قدام البيت، والظرف في شنطتي... وأنا لأول مرة أحس إن الراجل العجوز اللي سلمني الظرف بقى في خطر، وإن اللي مكتوب جواه ممكن يقلب حياة العيلة كلها... لكني لسه ماكنتش أعرف إن مجرد فتح الظرف هيكشف اسم شخص، محدش في البيت كان يتوقع أبدًا إنه يكون وراء كل اللي بيحصل فضلت واقفة أبص للعربية وهي بتختفي من آخر الشارع.
إيدي كانت ماسكة الشنطة بقوة، والظرف جواها كأنه نار.
دخلت البيت بسرعة وقفلت الباب، وسندت ضهري عليه.
كل حاجة جوايا كانت بتقولي افتحيه.
لكن في نفس الوقت كنت خايفة... خايفة أعرف حقيقة عمري ما هقدر أنساها.
بعد دقائق من التردد، كسرت ختم الشمع بحذر.
جوا الظرف كان فيه ورق قديم، وصورة عائلية باهتة، وخطاب مكتوب بخط إيد.
بدأت أقرأ.
إذا وصل الخطاب ده لحد من أولاد العيلة، يبقى اعرفوا إن فيه أمانة لازم تترد لصاحبها...
اتسعت عيني.
قلبت الصفحة بسرعة.
كان الكلام كله عن قطعة أرض كبيرة، وأسهم في شركة قديمة، وأسماء الورثة المستحقين.
لكن الغريب...
اسم أخو جوزي المتوفى كان متشطب عليه بخط أحمر.
وتحته ملاحظة بخط مختلف
في حالة زواج الأرملة من خارج العائلة، تنتقل حصتها القانونية...
وقبل ما أكمل السطر، سمعت صوت مفتاح الباب.
قفلت الورق بسرعة وحطيته تحت المخدة.
دخل جوزي وهو بيتنفس بسرعة، وكأنه راجع من خناقة.
أول ما شافني قال
حد دخل البيت في غيابي؟
هزيت راسي بالنفي.
قرب مني وهو بيدقق في ملامحي.
متأكدة؟
قلت بثبات أيوه.
فضل ساكت لحظات، وبعدها طلع موبايله، واتصل بحد وقال
فتشوا المكان كويس... لازم نلاقيه قبل ما يتكلم.
الكلمات دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
يقصد الراجل العجوز؟
ولا بيدوروا على حد تاني؟
في نفس الليلة، وبعد ما نام، فتحت الخطاب تاني أكمل القراءة.
لكن لقيت ورقة صغيرة كانت لازقة بين الصفحات ووقعت على الأرض.
فتحتها...
كان عليها عنوان بيت في قرية بعيدة، وتحت العنوان جملة واحدة
الحقيقة الكاملة عند الحاج سالم... قبل ما يموت.
وفي أسفل الورقة تاريخ.
بصيت فيه واتصدمت...
لأن التاريخ كان بكرة.
ولو عدى اليوم ده...
ممكن السر كله يختفي للأبد قضيت الليلة كلها من غير نوم.
كل شوية أبص على الورقة، وأرجع أخبيها.
كان عندي إحساس إن بكرة هيكون يوم هيغيّر كل حاجة.
الصبح، جوزي قام بدري على غير عادته.
لبس بسرعة، وكان باين عليه التوتر.
قبل ما يخرج، وقف عند باب الأوضة وقال
أنا هتأخر النهارده... ومتخرجيش من البيت.
أول ما الباب اتقفل وراه، خدت نفس طويل.
بعد نص ساعة، كنت راكبة ميكروباص رايح للعنوان المكتوب في الورقة.
الطريق كان طويل، وكل دقيقة كانت بتزود خوفي.
لما وصلت، لقيت بيت ريفي قديم، بابه الخشب متآكل، وفي الجنينة راجل كبير قاعد على كرسي متحرك.
أول ما شافني، قال من غير ما أسأله
إنتِ مرات كريم.
اتصدمت.
قلت حضرتك تعرفني؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
كنت مستنيكي.
قعدت قدامه، وطلعت الظرف من شنطتي.
أول ما شافه، دمعت عينه.
قال افتكرت إن الورق ده ضاع.
سألته بسرعة إيه الحقيقة؟ وليه الكل مصمم على الجوازة دي؟
بص حواليه، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد سامع.
وبعدين قال
بعد وفاة أخو جوزك، اكتشفوا إن فيه وصية قديمة... والوصية فيها شرط.
شهقت.
شرط إيه؟
رد بهدوء
إن نصيب ولاد المرحوم يفضل تحت إدارة واحد من رجال العيلة لحد ما أكبر طفل يتم واحد وعشرين سنة.
قلت باستغراب
وده ماله بالجواز؟
قال
الشرط ده اتفسر بأكتر من طريقة... وفي ناس شافت إن أسهل حل يخلّي السيطرة كاملة هي إن الأرملة تتجوز من نفس العيلة.
بدأت الصورة تتضح قدامي.
لكن الحاج سالم رفع صباعه وقال
بس دي مش الحقيقة كلها.
قلبي دق بعنف.
قال وهو بيطلع ملف تاني من درج صغير جنب الكرسي
فيه صفحة من الوصية محدش شافها غيري... لأنها اختفت قبل اجتماع العيلة.
مد الملف ناحيتي.
وفي اللحظة اللي كنت بمد إيدي آخده فيها...
سمعنا صوت عربية بتقف بعنف قدام البيت.
وبعدها ثواني...
اتفتح باب البيت بقوة.
ودخل جوزي، وخلفه أبوه، وملامحهم كانت بتقول إنهم عرفوا مكاني.
بص جوزي للحاج سالم وقال بغضب
قولتلك زمان... الورقة دي لازم تختفي.
أما الحاج سالم، فضم الملف
تم نسخ الرابط