انا من زمان بقلم اماني سيد
محدش يشوفني.
دخل وهو بيبص من الشباك كذا مرة، وبعدين قال
أنا ما بقاش عندي وقت... لازم تعرفي الحقيقة قبل ما يوصلوا.
سألته وأنا مذهولة
مين هما؟
بلع ريقه وقال
الناس اللي باعتاهم الزميلة... لأن فيه حد عرف إنها خبّت عنهم أهم ورقة في الملف الأسود.
وقبل ما يكمل كلامه...
سمعنا صوت عربية وقفت تحت البيت، وبعدها مباشرة صوت خطوات سريعة طالعة على السلم... ثم خبطات قوية جدًا على باب الشقة، كأن اللي برا مستعد يكسره الخبط زاد بعنف.
افتحوا الباب!
صوت راجل غليظ دوّى في الشقة كلها.
بصيت للراجل الكبير، لقيته وشه شاحب وقال بسرعة
متفتحيش... لو فتحتي دلوقتي هنضيع كلنا.
أما جوزي، فكان واقف في نص الصالة، لأول مرة أشوفه مرعوب بالشكل ده.
قال وهو بيبص من العين السحرية
هما وصلوا...
قلت له بحدة
مين هما؟
رد وهو بيبلع ريقه
الناس اللي كنت فاكر إني أقدر أسيطر عليهم.
وقبل ما يكمل، اتكسر جزء من الباب تحت قوة الخبط.
الراجل الكبير فتح شنطة جلد كانت معاه، وطلع منها ظرف بني سميك.
حطه في إيدي وقال
لو حصلي حاجة... الظرف ده يثبت إنك مالكيش أي ذنب.
فتحته بسرعة.
كان فيه صور لعقود، وإيصالات، وورقة مكتوب فيها بخط اليد
جميع التوقيعات الخاصة بالزوجة تم الحصول عليها دون علمها، وهي غير مسؤولة عن أي تصرف.
وتحتها...
توقيع.
لكن التوقيع ده ماكانش توقيع جوزي.
كان توقيع شخص اسمه مروان السيوفي.
بصيت للراجل الكبير وسألته
مين مروان؟
اتنهد وقال
الشخص اللي كنتي شوفتيه في الفيديو... وهو اللي كان بيدير كل حاجة من بعيد.
في اللحظة دي، جوزي صرخ فجأة
اسكت! لو عرف إنها عرفت اسمه... مش هيسيبنا.
وفجأة...
الخبط وقف.
ساد هدوء مرعب.
كلنا بصينا لبعض.
ثواني...
وبعدين سمعنا صوت ورقة بتتزحلق من تحت الباب.
قربت بحذر وسحبتها.
فتحتها...
وكان مكتوب فيها جملة واحدة بخط أسود عريض
قدامكم ساعة واحدة ترجعوا الملف الأسود... وإلا الدور الجاي هيكون على أولادكم.
أول ما قريت الجملة، الورقة وقعت من إيدي.
وبصيت ناحية جوزي...
لقيته انهار على الكنبة، وحط إيده على وشه وقال لأول مرة
أنا غلطت... لكن ماكنتش أعرف إنهم هيوصلوا لحد ولادي أول ما سمعت كلمة ولادي، حسيت إن كل الخوف اللي كان جوايا اتحول لغضب.
مسكت الورقة ورميتها قدامه وقلت
لما كنت بتضربني وتكسر سني... كنت فاكر إنهم هيبعدوا عن ولادك؟
ما ردش.
فضل باصص في الأرض.
الراجل الكبير قال بسرعة
مفيش وقت للعتاب دلوقتي. أهم حاجة الأولاد.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كان رقم المدرسة.
قلبي وقع.
رديت بسرعة
ألو؟
المدرسة قالت
حضرتك... إحنا بنطمن بس، لأن في شخص جه من نص ساعة وقال إنه قريب الأولاد وعايز ياخدهم بدري، لكن إحنا رفضنا لأن اسمه مش موجود عندنا.
شهقت.
قلت بسرعة
محدش يسلّم الأولاد لأي حد. أنا جاية حالًا.
قفلت، وبصيت للراجل الكبير.
قال
يبقى هما بدأوا ينفذوا تهديدهم.
جريت أنا وجوزي على العربية، وطول الطريق ولا واحد فينا نطق بكلمة.
أول ما وصلنا المدرسة، لقيت الأولاد بخير.
حضنتهم بقوة، وأنا دموعي نازلة.
لكن وأنا خارجة، لمحت عربية سودا واقفة بعيد.
أول ما شافونا اتحركت ببطء ومشيت.
جوزي بص عليها وقال بصوت واطي
دي نفس العربية.
قلت
إنت تعرفها؟
هز راسه وقال
أيوه... دي عربية مروان.
رجعنا البيت بسرعة.
ولما فتحنا الباب، لقينا كل حاجة متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
الأوراق مرمية.
لكن الغريب...
الظرف البني كان مكانه.
أما الفلاشة...
اختفت.
بصينا لبعض في صدمة.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت إشعار خارج من اللاب توب.
فتحت الشاشة.
كانت رسالة مجهولة مكتوب فيها
خدتوا نسخة... لكن النسخة الأصلية لسه معايا. لو عايزين تنقذوا نفسكم، تعالوا وحدكم الساعة 8 مساءً إلى المخزن القديم على طريق المصنع.
تحت الرسالة كان فيه سطر أخير
ولو بلغتوا الشرطة... هتنشر الحقيقة كلها.
انتهت الرسالة، وساد الصمت.
ثم نظر جوزي إليّ وقال
في حاجة لازم أعترف بيها قبل ما نروح...
وأخذ نفسًا عميقًا، مستعدًا ليقول سرًا أخفاه عني منذ سنوات أخد نفسًا طويلًا، وبصلي لأول مرة من غير ما يهرب بعينيه.
قال بصوت مكسور
أنا كذبت عليكي في حاجات كتير... لكن في حاجة واحدة لازم تعرفيها قبل ما نروح.
سكت ثواني، وكأنه بيجمع شجاعته.
أنا ما دخلتش الموضوع ده عشان الزميلة... دخلته عشان الديون.
اتصدمت.
قال وهو مكمل
من سنتين خسرت مبلغ كبير في شغل جانبي، واستلفت من مروان. في الأول كان بيساعدني، وبعدها بدأ يطلب خدمات... مرة ورقة، مرة توقيع، مرة أوصل ملف. وكل مرة يقول دي آخر مرة.
الراجل الكبير هز راسه وقال
وده أسلوبهم مع أي حد... يوقعوه في الغلط، وبعد كده يفضلوا يبتزوه.
بصيت لجوزي وقلت بغضب
حتى لو كل ده صحيح... إيه مبرر إنك تمد إيدك عليا؟
نزل راسه، ودموعه نزلت لأول مرة.
قال
مفيش مبرر... وأنا أستحق أي عقاب.
ما رديتش.
لأن كسرة سني ووجعي ما كانوش هيرجعوا باعتذار.
بصيت في الساعة.
كانت 735.
يعني باقي 25 دقيقة على المعاد.
قررنا نروح المخزن.
الطريق كان فاضي بشكل غريب.
ولما وصلنا، لقينا باب المخزن مفتوح نص فتحة، ونور خافت طالع من جوه.
دخلنا بحذر.
صوت خطواتنا كان بيرن في المكان.
وفجأة...
نور كشاف قوي اتسلط علينا.
وجالنا صوت من الضلمة
اتأخرتوا خمس دقايق.
خرج مروان بهدوء، وفي إيده الملف الأسود.
ابتسم وقال
أنا وعدتكم بالحقيقة... والحقيقة تمنها غالي.
لكن قبل ما يكمل، خرجت الزميلة من وراه، وشكلها كان مختلف تمامًا.
وشها شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
وقالت بصوت مرتعش
مروان... كفاية. الموضوع خرج عن السيطرة.
لف ناحيتها بغضب.
وقال
إنتي لسه فاكرة إن ليكي رأي؟
هزت راسها، ومدت إيديها بشريحة ذاكرة صغيرة وقالت
أنا خدت نسخة من كل حاجة... ولو لمست حد فيهم، النسخة دي هتوصل للشرطة.
اتجمد مروان مكانه.
أما أنا، فبصيت لها في ذهول.
هل كانت بتلعب معاه...
ولا انقلبت عليه في آخر لحظة؟
وقبل ما حد ينطق، دوّى صوت صفارات سيارات من بعيد، واقتربت بسرعة من المخزن، فالتفت مروان ناحية الباب وقال بصدمة
مين بلغ؟!مروان لف ناحية الباب بعصبية وهو بيصرخ
مين بلغ؟!
في اللحظة دي، الزميلة رفعت إيديها وقالت
أنا.
ساد صمت لثواني.
حتى جوزي بص لها بعدم تصديق.
قال مروان بغضب
إنتِ اتجننتي؟
ردت وهي بترجع خطوة لورا
أنا وافقت أشتغل معاك علشان الفلوس... لكن لما الموضوع وصل لضرب مراته وتزوير أوراق وتهديد أطفال، عرفت إن النهاية هتبقى سودة على الكل.
قبل ما مروان يتحرك ناحيتها، سمعنا صوت
شرطة... محدش يتحرك!
في ثواني، دخل رجال الشرطة المخزن من كل اتجاه.
حاول مروان يجري من الباب الخلفي، لكنه اتفاجئ بحد واقف مستنيه.
أما جوزي، فوقف مكانه من غير أي مقاومة، وكأنه استسلم أخيرًا.
الضابط قرب من الزميلة، وأخد منها شريحة الذاكرة.
قال لها
دي هي النسخة؟
هزت راسها وقالت
فيها كل الاجتماعات، والتسجيلات، وصور العقود.
بصلي الضابط وقال
مدام... تقدري تتفضلي معانا للإدلاء بأقوالك، وإحنا كمان هنرتب لك تقريرًا طبيًا يثبت الإصابات اللي تعرضتِ لها.
بصيت ناحية جوزي.
كان واقف مكبل، وعينه في الأرض.
لأول مرة، ما طلبش مني أسامحه.
ولا حاول يبرر.
اكتفى إنه قال بصوت واطي
أنا ضيعت بيتي بإيدي.
لفيت وشي ومشيت.
وأنا خارجة من المخزن، حسيت إن الطريق قدامي لسه طويل.
فيه علاج لسناني.
وفيه جروح في نفسي هتاخد وقت أطول بكتير.
لكن كان عندي يقين واحد...
إن اللي كسرني مش هيقدر يكسرني تاني.
تمت.