طفل رضيع

لمحة نيوز

طفل رضيع فضل يعيط ست ساعات كاملة جوه مطعم فاخر لحد ما جرسونة واحدة كشفت الحقيقة اللي كسرت أقوى ملياردير في القاهرة.
الجزء الأول العياط اللي محدش جرؤ يستجيب له
الطفل كان بقاله ست ساعات بيعيط لما سيف الراوي حط إيده اللي عليها آثار جروح فوق مفرش الترابيزة الأبيض، وقال بصوت هادي لدرجة إن المطعم كله سكت
خليه يسكت.
محدش اتحرك.
المطعم الفاخر كان في واحد من أرقى أحياء القاهرة، محاط بالمطر والنجف الكريستال والديكورات اللامعة ونوعية الثراء اللي بتدفع فلوس مقابل الصمت قبل حتى ما تدفع تمن الأكل.
الرجالة اللي لابسين بدل غالية نزلوا الشوك من إيديهم.
الستات اللي لابسين ألماس عملوا نفسهم مش باصين.
والفرقة الموسيقية اللي جنب البار وقفت عزف للحظة.
حتى صوت المطر على الشبابيك العالية بقى كأنه أهدى.
كأن المدينة نفسها عارفة إن سيف الراوي مش من نوعية الرجالة اللي حد يقدر يتجاهل غضبهم.
كان قاعد على أحسن ترابيزة في المطعم تحت نجفة شبه قطع التلج وهي بتقع.
حواليه أربعة حراس، كل واحد فيهم جسمه عامل زي باب حديد مقفول.
واحد منهم كان بيزق عربية أطفال فخمة رايح جاي، برعب راجل بيتعامل مع حاجة مش فاهم عنها أي حاجة.
جوه العربية، كان فيه طفل رضيع بيصرخ بطريقة قطعت هدوء المكان الغالي.
مكنش عياط طفل عادي.
ولا دلع.
ولا حتى جوع.
كان عياط طفل صغير مرهق ومتألم، قضى وقت طويل بيعاني بينما الكبار حواليه جربوا كل حاجة
إلا إنهم يفهموه.
واحد من الحراس رجع من المطبخ ومعاه كوباية لبن بارد، لمجرد إن حد صرخ
هاتوا لبن!
ومحدش فيهم كان يعرف إن الطفل حديث الولادة مينفعش يشرب لبن بقري من كوباية.
حارس تاني كان كل شوية يبص على بطانية الطفل ويظبطها، كأن ترتيب القماش ممكن يحل المشكلة.
مدير المطعم، عماد، كان واقف جنب مكان الخدمة والعرق مالي جبينه.
همس للموظفين
محدش يقرب من الترابيزة دي إلا لو الأستاذ سيف طلب. كل واحد يخليه في حاله. دي مش مشكلتنا.
مريم سمعته.
هي سمعت كل حاجة الليلة دي.
المطر.
نَفَس موظفة الاستقبال المرتعش.
صوت الملاعق والشوك.
وسكتات الطفل القصيرة بين كل صرخة والتانية.
السكتات المرعبة اللي كانت بتحس فيها إن رئتيه الصغيرين تعبوا ومبقوش قادرين يكملوا
قبل ما الألم يجبره يصرخ من جديد.
ومع كل صرخة مكسورة، حاجة جوا مريم كانت بتتفتح.
حاجة قضت أربع سنين بتحاول تقفلها.
من أربع سنين، كانت مريم فاضل لها ترم واحد وتتخرج من كلية التمريض.
ومن أربع سنين، كانت عايشة تقريبًا جوه مستشفى أطفال جنب سرير ابنها الرضيع.
اتعلمت لغة أجهزة المراقبة.
نسبة الأكسجين.
أنابيب التغذية.
كلام الدكاترة الواطي.
والابتسامات اللي بيبتسموها بشفايفهم بينما عينيهم بيحاولوا يجهزوك للحزن.
كان اسم ابنها نوح.
اتولد بقلب أضعف من إنه يستحمل الدنيا، لكن قبضته كانت قوية لدرجة إن الممرضات كانوا دايمًا يقولوا إن جواه روح مقاتل.
تسع شهور، مريم اتعلمت تحب بالدقيقة.
تنام على كراسي بلاستيك.
تفرح لما وزنه يزيد كام جرام.
وتدعي قدام الأرقام اللي بتنور على الشاشات.
وبعدين، في صباح شتوي، بعد كل العمليات والوعود والمعجزات اللي حاولت تصدق فيها
قلب نوح وقف.
بعد موته، مريم سابت كلية التمريض.
اتخلصت من عربية الأطفال.
حطت البطاطين في كراتين.
وبطلت تدخل مستشفيات، لأن ريحة المطهرات كانت بتخلي إيديها تترعش.
اشتغلت جرسونة.
لأن الأطباق مش محتاجة معجزات.
وكوبايات العصير مش بتموت.
والزباين بيشتكوا من درجة حرارة الأكل، مش من نسبة الأكسجين.
مكنتش دي الحياة اللي حلمت بيها.
لكن كانت حياة تقدر تعيشها.
ولفترة، مجرد إنها تقدر تعيش كان أكبر طموح عندها.
لكن الطفل اللي في العربية مكنش بيعمل دوشة.
الطفل كان بيتألم.
مريم حطت الصينية من إيدها.
عماد مسك دراعها فورًا.
إوعي حتى تفكري فيها.
الطفل محتاج مساعدة.
الراجل ده سيف الراوي.
أنا عارفة هو مين.
يبقى اتصرفي على الأساس ده. إحنا الليلة دي مش موجودين.
الطفل طلع صرخة مخنوقة انتهت بسكوت مرعب قبل ما يبدأ يعيط من جديد.
وشه كان أحمر جدًا.
وحوالين بقه بدأ يميل للون البنفسجي.
قبضاته الصغيرة مقفولة جنب خديه.
رجليه مضمومة ناحية بطنه.
وضهره بيتقوس من الألم جوه هدوم حرير ناشفة شكلها غالي لدرجة إنها كانت أقرب للعقاب.
مريم بصت لإيد عماد اللي ماسكة دراعها.
وبعدين بصت لعربية الطفل.
هو مينفعش إحنا نعمل نفسنا مش موجودين.
شدت دراعها من إيده ومشيت.
المسافة بينها وبين ترابيزة سيف الراوي مكنتش أكتر من كام متر.
لكن بالنسبة لمريم، كانت حاسة إنها ماشية فوق بحيرة متجمدة والكل مستني يسمع أول شرخ.
اتنين من الحراس وقفوا قدامها.
لحد هنا وكفاية.
هو بيتألم.
ارجعي مكانك.
إنتوا بتخوفوه أكتر.
إيد الحارس اتحركت ناحية جاكته.
قلتلك ارجعي.
سيبوها تعدي.
أمر سيف قطع الصمت.
الحراس بعدوا.
مريم دخلت أخطر دايرة في القاهرة وبصت جوه عربية الطفل.
كان صغير جدًا.
عمره ميعديش خمس أو ست أسابيع.
شعره الغامق لازق من العرق على جبينه.
بطنه مشدودة.
فتح بقه في صرخة مرهقة جديدة، لكن تقريبًا مكنش فاضل جواه قوة يصرخ.
عن قرب، سيف الراوي مكنش شكله زي الوحش اللي الناس بتحكي عنه في السر.
كان شكله راجل بقاله أيام منامش.
راجل مش عارف يعترف إنه خايف من غير ما يحول خوفه لأمر.
سألها
تقدري تخليه يسكت؟
ممكن.
عينيه ضاقت.
ممكن؟
محتاجة أشيله.
واحد من الحراس اعترض.
لكن سيف مبعدش عينيه عنها.
لو وقع منك
مش هيقع.
لو أذيتيه، مفيش مكان في القاهرة كلها تقدري تستخبي فيه مني.
مريم بصت في عينيه.
إنت اللي بتأذيه دلوقتي.
كل نفس في المطعم اختفى.
محدش بيكلم سيف الراوي بالطريقة دي.
محدش بيتهمه قدام رجاله.
ومحدش بيقوله إن كل قوته ملهاش قيمة وهو واقف عاجز قدام طفل بيتألم.
للحظة، حاجة باردة وخطيرة ظهرت على وشه.
القصة لسه مكملة تابعوا الجزء التاني اللحظة دي، مريم حست إن الأرض بتميل تحت رجليها.
حرف ح كان مكتوب بنفس الخط اللي كانت مستشفيات الأطفال بتستخدمه في أساور المواليد.
لكن عقلها أجبرها تهدى.
مستحيل.
آلاف الأطفال بيتولدوا كل يوم، وتشابه الأساور وارد.
خدت نفس عميق، وبصت للطفل تاني.
كان أخيرًا بدأ يهدأ، وأنفاسه بقت منتظمة، وإيده الصغيرة لسه ماسكة صباع سيف كأنها رافضة تسيبه.
أما سيف، فكان أول مرة ملامحه القاسية تضعف.
همس من غير ما يرفع عينه
أول مرة يسكت بالشكل ده.
مريم قالت بهدوء
لأنه كان محتاج حد يسمعه... مش حد يخاف منه.
قبل ما سيف يرد، دخل الراجل اللي كان بيصرخ وهو يلهث.
العربية جاهزة... ولازم نتحرك حالًا.
سيف لف ناحيته.
إيه اللي حصل؟
الناس اللي كانوا بيدوروا عليكم عرفوا مكانكم.
الحراس انتشروا في المطعم بسرعة، وكل واحد وقف في مكانه.
الزباين بدأوا يبصوا لبعض بقلق، ومدير المطعم كان واقف مش عارف يعمل إيه.
سيف شال الطفل من إيد مريم بحرص، لكنه وقف فجأة.
الطفل رجع يعيط أول ما بعد عنها.
سيف حاول يهديه.
مفيش فايدة.
الحارس جرب يهزه.
العياط زاد.
مريم مدت إيدها بهدوء.
اديني دقيقة.
سيف سلمها الطفل مرة تانية.
العياط خف خلال ثواني.
الحراس بصوا لبعض باستغراب.
أحدهم قال
كأنه عارفها!
مريم ابتسمت ابتسامة حزينة.
الأطفال بيحسوا بالأمان... مش بالأسماء.
سيف فضل ساكت شوية، وبعدين قال قرار محدش كان متوقعه
هتيجي معانا.
مريم رفعت حاجبها.
أنا؟
طول ما هو مش بيهدى غير معاكي... مش هسيبك هنا.
مدير المطعم جري ناحيتهم.
يا أستاذ سيف... دي موظفة عندي.
سيف طلع كارت أسود من جيبه وحطه قدامه.
اعتبرها في إجازة مفتوحة... وأي خسارة عندك هتتعوض.
عماد بص للكارت، واتغير لون وشه فورًا، وسكت.
مريم هزت راسها برفض.
أنا مقدرش أمشي بالشكل ده.
سيف رد بنبرة هادئة لكنها حاسمة
دي مش دعوة... دي حماية للطفل.
وقبل ما تلحق ترد...
رن هاتف أحد الحراس.
بص للشاشة، وتجمد مكانه.
رفع عينه لسيف وقال بصوت منخفض
في خبر أسوأ.
اتكلم.
الشخص اللي كان مسؤول عن رعاية الطفل... اختفى.
ساد الصمت.
سيف قرب منه خطوة.
اختفى يعني إيه؟
الحارس بلع ريقه.
شقته فاضية... وتليفونه مقفول... وكل أوراق الطفل اختفت معاه.
قبضة سيف اشتدت.
أما مريم...
فبدأ إحساس غريب يتسلل لقلبها.
لأن معنى اختفاء أوراق طفل رضيع في التوقيت ده... إن فيه سر كبير محدش عايز الحقيقة توصله.
وفي اللحظة اللي كانت بتبص فيها لوش الطفل الهادي...
لمحت علامة صغيرة جدًا خلف أذنه.
علامة ولادة على شكل هلال.
اتسعت عيناها فجأة...
لأنها كانت قد شافت العلامة دي قبل كده... لكن في مكان آخر تمامًا.
يتبع...مريم قربت ببطء، وعينيها معلقة بالعلامة الصغيرة.
الهلال كان باهت، لكنه واضح.
حاولت تقنع نفسها إنها مجرد صدفة.
لكن قلبها كان بيقول غير كده.
سيف لاحظ شرودها.
في حاجة؟
مريم هزت راسها بسرعة.
لا... كنت بتأكد إن حرارته بدأت تنزل.
لكنها كانت بتكدب.
لأن آخر مرة شافت العلامة دي، كانت من أربع سنين...
على طفل صغير كان نايم في حضّانة مستشفى الأطفال، جنب سرير ابنها نوح.
كان اسمه حازم.
رضيع اتولد في نفس الأسبوع، وكانت أمه بتسيبه ساعات طويلة بسبب ظروفها، فكانت مريم أوقات تساعد الممرضات وتهديه.
وفجأة اختفى هو وأمه من المستشفى بعد أيام، ومحدش عرف راحوا فين.
قطعت أفكارها لما سيف قال
هنخرج من الباب الخلفي.
الحراس اتحركوا بسرعة، واحد قدام وواحد ورا، والباقي بيفتحوا الطريق.
المطر كان لسه بينزل بغزارة.
أول ما خرجوا، وقفت ثلاث عربيات سوداء.
لكن قبل ما يركبوا...
وقف راجل عجوز لابس جلابية مبلولة عند آخر الشارع، وبص مباشرة ناحية الطفل.
كانت نظرته غريبة.
مش خوف...
ولا فضول...
كانت صدمة.
رفع إيده وهو بيصرخ بأعلى صوته
الولد ده... مش ابنك يا سيف بيه!
كل الحراس لفوا أسلحتهم ناحيته في لحظة.
الراجل ما جريش.
ولا حتى اتحرك.
فضل باصص للطفل وقال بصوت أعلى
لو خدته الليلة دي... الحقيقة هتضيع للأبد!
سيف نزل السلمتين اللي قدام المطعم بخطوات ثابتة.
وقف قدام الراجل مباشرة.
تعرف إيه؟
العجوز ابتسم ابتسامة متعبة.
أعرف إن الطفل ده كان المفروض يموت يوم ما اتولد... لكنه عاش.
سيف اتجمد مكانه.
مين بعتك؟
محدش.
العجوز مد إيده المرتعشة ناحية الطفل، لكنه ما لمسهش.
بص في الملف اللي مخبيه مدير المستشفى القديم... هتعرف ليه ناس كتير مستعدة تقتل علشان الطفل ده.
وفجأة...
صوت فرامل عربية عنيف شق الشارع.
عربية بيضاء اندفعت بسرعة ناحية مدخل المطعم.
أحد الحراس صرخ
ابعدوا!
وفي ثانية واحدة، اتقلب كل شيء إلى فوضى.
يتبع...العربية اندفعت بأقصى سرعتها، لكن قبل ما توصل بخطوات، الحارس اللي كان واقف في المقدمة زق سيف ومريم بعيدًا وهو بيصرخ
احموا الطفل!
اصطدمت العربية بأحواض الزرع الرخامية قدام المطعم، وتناثر الزجاج في كل اتجاه.
الناس جريت تصرخ.
وبدأ الحراس يكوّنوا دائرة حوالين سيف والطفل.
لكن الغريب...
إن السواق ما حاولش يهرب.
فتح الباب بهدوء، ونزل وهو رافع إيديه.
كان راجل في أواخر الخمسينات، هدومه متبهدلة من المطر، ووشه شاحب كأنه ما نامش من أيام.
قال بصوت متقطع
أنا مش جاي أقتل حد... أنا جاي أنقذ الطفل.
الحراس شدوا عليه فورًا، لكن سيف رفع إيده.
سيبوه يتكلم.
الراجل بص لمريم أولًا، ثم للطفل، وقال
هو بدأ يرضع كويس؟
مريم استغربت السؤال.
أيوه... ليه؟
تنفس الراجل الصعداء.
الحمد لله... يبقى لسه قدامنا وقت.
سيف قرب منه خطوة.
إنت مين؟
اسمي الدكتور فؤاد.
دكتور إيه؟
طبيب أطفال... وكنت موجود يوم الطفل ده اتولد.
مريم شهقت من غير قصد.
أما سيف، فصوته بقى حاد
كمل.
الدكتور فؤاد طلع من جيبه ظرف بلاستيك صغير كان حاميه تحت هدومه من المطر.
فتح الظرف، وطلع منه صورة قديمة.
ناولها لسيف.
الصورة كانت لحضانة أطفال حديثي الولادة.
وفي آخر الصف...
طفل لابس نفس السوار الأبيض،

تم نسخ الرابط