طفل رضيع
المحتويات
وخلف أذنه نفس علامة الهلال.
لكن اللي لفت نظر مريم أكتر...
إن فيه واحدة واقفة جنب الحضانة.
ولما قربت من الصورة، شهقت.
دي... دي أنا!
كانت الصورة متصورة من أربع سنين فعلًا.
واضح فيها مريم وهي لسه طالبة تمريض، واقفة جنب حضّانتين.
حضّانة فيها ابنها نوح.
والحضّانة اللي جنبها فيها طفل تاني.
الدكتور فؤاد قال بهدوء
يومها، كنتِ آخر واحدة شافت الطفلين قبل ما يحصل انقطاع الكهرباء الكبير في المستشفى.
مريم حاولت تفتكر.
ذكريات قديمة بدأت ترجع بالتدريج...
صوت أجهزة الإنذار.
الممرضات بيجروا.
الضلمة.
وصوت حد بيصرخ
هاتوا الأطفال بسرعة!
لكنها مش قادرة تفتكر اللي حصل بعد كده.
سيف قبض على الصورة بقوة.
وإيه علاقة ابني بكل ده؟
الدكتور فؤاد بص للطفل طويلًا، ثم قال
علشان أجاوبك... لازم الأول أعرف حاجة واحدة.
وسكت لحظة، قبل ما يوجه نظره مباشرة لسيف.
مين قالك أصلًا... إن الطفل ده ابنك؟
تجمد المكان كله.
حتى المطر بدا كأنه خف.
أما سيف...
فكانت دي أول مرة في حياته يعجز عن الرد.
يتبع...سيف فضل ثابت مكانه، لكن ملامحه اتغيرت لأول مرة.
مش غضب...
صدمة.
قال بصوت منخفض
إنت تقصد إيه؟
الدكتور فؤاد أخد نفس طويل.
أقصد إنك استلمت الطفل من ستة أسابيع، ومعاه شهادة ميلاد وتقارير ومستندات... لكن عمرك سألت مين اللي تابع ولادته بنفسه.
أحد الحراس قاطع بعصبية
الكلام ده هبل.
الدكتور فؤاد هز راسه.
لو هبل... افتحوا الظرف من الآخر.
سيف فتح الظرف.
كان فيه ورقة مطوية بعناية، عليها ختم مستشفى خاص.
لكن قبل ما يقرأها، مريم قالت بهدوء
استنى.
كل الأنظار اتجهت لها.
أشارت للطفل.
الأول نكشف عليه. هو لسه تعبان، وأي حاجة تانية تستنى.
سيف بص لابنه... ثم قفل الورقة من غير ما يفتحها.
عندك حق.
دي كانت أول مرة كل الحراس يشوفوا سيف يؤجل معرفة حقيقة مصيرية علشان صحة الطفل.
ركبوا العربية، والدكتور فؤاد ومريم معاهم.
بعد أقل من عشرين دقيقة، وصلوا إلى قصر سيف.
القصر كان ضخم، لكن الغريب إنه كان هادئ بشكل مخيف.
مفيش لعب أطفال.
مفيش صور عائلية.
ولا أي حاجة تقول إن فيه رضيع عايش هنا.
مريم دخلت أوضة الطفل.
أول ما شافت تجهيزاتها، فهمت سبب المشكلة.
سرير فاخر جدًا...
لكن المرتبة كانت مرتفعة زيادة.
الأوضة دافية بشكل مبالغ فيه.
وزجاجات الرضاعة متحضرة من ساعات.
قالت بحزم
اللي بيراعي الطفل ده بيحبه... لكنه معندوش أي خبرة.
سيف سكت.
ثم قال لأول مرة بصراحة
أنا ما ربيتش أطفال قبل كده.
سألته
وأمه؟
نزلت عين سيف للأرض.
توفت أثناء الولادة... على حسب اللي اتقال لي.
ساد الصمت.
الدكتور فؤاد رفع عينه بسرعة، لكنه ما علقش.
مريم بدأت ترتب الأوضة، وطلبت يغيروا حرارة التكييف، ويجهزوا رضعة جديدة بالطريقة الصحيحة.
بعد شوية...
الطفل نام لأول مرة من ساعات طويلة.
سيف وقف يتفرج عليه.
وبعدين خرج بهدوء.
وقف في المكتب، وفتح الظرف أخيرًا.
أول سطر في الورقة خلاه يشحب.
كان مكتوب
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعرف أن الحقيقة التي أخفوها عنك ستغيّر حياتك، لكن الطفل بريء من كل ما حدث.
وقبل ما يكمل القراءة...
انقطع النور في القصر كله.
وفي نفس اللحظة...
دوى صوت جهاز الإنذار.
وأسرع أحد الحراس إلى المكتب وهو يصرخ
أستاذ سيف... أوضة الطفل فاضية!
وتجمد الدم في عروق الجميع... لأن الباب كان مقفول من الداخل قبل ثوانٍ فقط.
يتبع...سيف اندفع يجري ناحية أوضة الطفل، وخلفه مريم والدكتور فؤاد والحراس.
الباب كان فعلًا مقفول من الداخل.
أحد الحراس كسره بكتفه.
اتفتح الباب بعنف...
والسرير كان فاضي.
لكن مريم رفعت إيدها بسرعة.
استنوا!
الكل سكت.
كانت سامعة صوتًا خافتًا.
صوت تنفس.
اتجهت ناحية الكنبة الصغيرة اللي جنب الشباك، ورفعت البطانية الملقاة عليها.
الطفل كان هناك.
نايم بهدوء.
تنفست مريم الصعداء.
الحمد لله...
سيف قرب بسرعة وشاله، وملامحه لأول مرة ظهر عليها الارتياح.
الحارس قال باستغراب
بس... مين اللي نقله؟
محدش رد.
لأن مريم كانت بتبص للشباك.
كان مفتوحًا سنتيمترات قليلة، وستارته بتتحرك مع الهوا.
لكن الأغرب...
إن على حافة الشباك كانت فيه ورقة مطوية.
سيف فتحها.
مكتوب فيها بخط واضح
اقرأ الرسالة للنهاية... قبل ما تصدق أي حد.
سيف رجع للمكتب، ومريم واقفة جنبه.
فتح الرسالة من جديد، وكمل القراءة.
أنا كتبت الكلام ده وأنا عارف إني ممكن ما ألحقش أشرح بنفسي.
الطفل اللي بين إيديك اتولد في ظروف صعبة، وكان فيه ناس مختلفة على مين يتولى مسؤوليته.
لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة... إن حياته بقت في خطر من أول يوم.
لو فضل مع الشخص الغلط، هيدفع تمن ذنب هو معملوش.
توقف سيف، وقال
الرسالة مبتقولش مين الشخص الغلط.
الدكتور فؤاد رد
لأن اللي كتبها كان عارف إن أي اسم ممكن يعرّض الطفل للخطر لو الرسالة وقعت في إيد حد.
في اللحظة دي، رن هاتف سيف.
رقم غير مسجل.
رد بهدوء
ألو؟
جاله صوت رجل كبير في السن
متدورش على اللي كتب الرسالة... دور على اللي سرق الصفحة الأخيرة منها.
وانقطع الخط.
مريم بصت للظرف بسرعة.
قلبته.
كان فعلًا ممزقًا من أسفل.
آخر صفحة... كانت ناقصة.
وقبل ما حد يتكلم، دخل أحد الحراس مسرعًا وهو شايل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
أستاذ سيف... البواب لقى الصندوق ده قدام البوابة الرئيسية، ومكتوب عليه يفتح بحضور مريم فقط.
مريم وسيف بصوا لبعض في صمت.
الصندوق كان مقفول بقفل نحاسي قديم...
ومحدش كان يعرف مين اللي حطه، ولا إزاي وصل إلى قلب القصر وسط كل الحراسة.
يتبع...مريم فضلت باصة للصندوق لحظات، وكأنها مترددة تلمسه.
سيف قال للحراس
فتشوه الأول.
واحد من خبراء الأمن فحصه بدقة.
بعد دقائق رفع رأسه وقال
مفيش أي متفجرات أو أجهزة تتبع... بس القفل معمول بطريقة قديمة، والمفتاح مش موجود.
مريم قربت.
لاحظت إن تحت القفل فيه نقش صغير على الخشب.
مسحت التراب بإيدها.
واتسعت عينيها.
كان مكتوب
إلى مريم... افتحيه بقلب هادئ.
همست
الخط ده...
الدكتور فؤاد سألها
عرفاه؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه... ده خط الدكتور سامح.
سيف التفت له بسرعة.
مين الدكتور سامح؟
مريم بلعت ريقها.
كان رئيس قسم الحضّانات في المستشفى... وأكتر دكتور وقف جنبي لما ابني نوح كان بيتعالج.
الدكتور فؤاد أطرق برأسه وقال
والدكتور سامح... توفى من ثلاث سنين.
ساد الصمت.
إذا كان توفى...
مين اللي كتب الرسالة وحط الصندوق؟
مريم مررت أصابعها على جانب الصندوق.
فجأة...
سمعت تك.
ضغطت على جزء صغير بارز في الخشب.
القفل اتفتح وحده.
الحراس تبادلوا النظرات بدهشة.
فتحت الغطاء ببطء.
جواه كانت فيه ثلاث حاجات فقط
دفتر مذكرات جلدي قديم.
فلاشة صغيرة.
ومظروف أبيض مكتوب عليه لا يُفتح إلا إذا أصبح الطفل في أمان.
سيف مد إيده ناحية المظروف.
لكن مريم أوقفته.
استنى... الدفتر الأول.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوب بتاريخ قديم يسبق ولادة الطفل بسنوات
إذا وصلت هذه الأوراق إلى مريم، فاعلمي أني وثقت بك لأنك لا تبحثين عن المال ولا النفوذ، بل عن الحقيقة.
قلبت الصفحة التالية.
بدأت المذكرات تحكي عن أطفال دخلوا الحضّانة بأسماء مستعارة لحمايتهم من نزاعات عائلية كبيرة، وأن كل بياناتهم الحقيقية كانت تُحفظ في ملف سري خارج المستشفى.
مريم رفعت رأسها.
يعني... فيه ملف كامل لسه موجود.
سيف سأل بسرعة
فين؟
قلبت الصفحة التالية...
لكنها كانت ممزقة بالكامل.
لم يبقَ منها إلا سطر واحد
... والمفتاح موجود داخل...
وانتهت الصفحة عند هذه الكلمة.
في اللحظة نفسها، أخرج أحد الحراس الفلاشة ووصلها بالكمبيوتر الموجود في المكتب.
ظهرت شاشة سوداء...
ثم اشتغل مقطع فيديو قديم.
ظهر فيه الدكتور سامح بنفسه، وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا ويقول
إذا أنتم بتشوفوا التسجيل ده... يبقى الوقت اللي كنت خايف منه وصل.
ثم توقف الفيديو فجأة...
كأن حد قصه عمدًا قبل أن يكمل أهم جملة.
وساد القصر صمت ثقيل، بينما الجميع أدرك أن الحقيقة ما زالت ناقصة، وأن هناك شخصًا ما ما زال يسبقهم بخطوة كل مرة.
يتبع...سيف ضرب المكتب بقبضته.
كل مرة نوصل لطرف الخيط... حد يقطعه.
الدكتور فؤاد قرب من شاشة الكمبيوتر، وأعاد تشغيل الفيديو مرة تانية.
نفس النتيجة.
الجملة اتقطعت في نفس المكان.
لكن مريم كانت مركزة في حاجة تانية.
أوقفت الصورة قبل ما الفيديو يقطع بثانية.
وأشارت ناحية رف الكتب اللي ظاهر خلف الدكتور سامح.
استنوا...
سيف قرب منها.
في إيه؟
كبرت الصورة على الشاشة.
كان فيه إطار صورة عائلي، وخلفه مجسم صغير على شكل مركب شراعي.
مريم همست
المجسم ده...
الدكتور فؤاد ابتسم لأول مرة.
مكتب الدكتور سامح.
مريم هزت رأسها.
لا... ده مش مكتبه في المستشفى.
سيف سأل بسرعة
أومال فين؟
في بيته.
التفت الجميع إليها.
قالت بثقة
كنت رحتله مرة لما كان ابني نوح لسه بيتعالج... المجسم ده كان بيقول إنه هدية من بنته، وكان حاطه فوق مكتبه في البيت، مش في المستشفى.
سيف التقط هاتفه فورًا.
هاتوا عنوان بيت الدكتور سامح.
أحد الحراس رد بعد دقائق
البيت مقفول من يوم وفاته... ومحدش دخله من وقتها.
سيف قال بحسم
يبقى إحنا أول ناس هندخله.
بعد أقل من ساعة...
وصلوا إلى فيلا قديمة على أطراف القاهرة.
الحديقة كانت مليانة أوراق شجر يابسة.
والبيت غرقان في الظلام.
الباب كان مقفول، لكن بموافقة الورثة الموجودة ضمن الأوراق الرسمية التي أحضرها المحامي، تمكنوا من فتحه دون كسر.
دخلوا بحذر.
البيت كان كأنه متجمد عند آخر يوم عاش فيه صاحبه.
الكتب في أماكنها.
النظارة فوق المكتب.
وفنجان قهوة جاف بجواره.
مريم وقفت قدام المكتب.
كان المجسم الشراعي موجود فعلًا.
ابتسمت بحزن.
هو ده.
مدت إيدها تحرك المجسم.
فسمعت صوت خفيف...
تك.
المكتب اتحرك سنتيمترات قليلة.
الحراس شدوا أنفاسهم.
كان فيه درج سري مخفي.
فتحه سيف بسرعة.
جواه ملف أزرق سميك.
وعليه عبارة واحدة مكتوبة بخط الدكتور سامح
الحقيقة الكاملة... لا تُقرأ إلا بحضور جميع الأطراف.
سيف فتح الملف...
لكن قبل ما يقلب أول صفحة، سمعوا صوتًا من آخر الممر.
صوت تصفيق بطيء.
لفوا كلهم في نفس اللحظة.
وكان فيه رجل واقف في باب الغرفة، يبتسم بهدوء.
وقال
بقالكم وقت طويل بتدوروا على الملف ده...
ثم نظر مباشرة إلى مريم وأضاف
بس الحقيقة اللي جواه... هتوجعك إنتِ أكتر من أي حد.
يتبع...الرجل دخل بخطوات هادئة، من غير أي خوف من الحراس اللي رفعوا أسلحتهم في لحظة.
سيف قال ببرود
خمس ثواني تقول مين إنت... وإلا هتخرج من هنا مكبل.
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
اسمي كريم منصور... وكنت المحامي الشخصي للدكتور سامح.
مريم عقدت حاجبيها.
لو كنت محاميه... ليه مستني لحد دلوقتي؟
رد وهو يبص للملف الأزرق
لأن الدكتور سامح وصاني إن الملف ده ما يتفتحش إلا لما يبقى الطفل في أمان، وإلا الحقيقة نفسها كانت هتبقى سبب في موته.
سيف رفع الملف في إيده.
والوقت ده جه؟
كريم هز رأسه.
تقريبًا... لكن لسه فيه شخص ناقص.
الدكتور فؤاد اتكلم لأول مرة
مين؟
كريم بص ناحيته وقال
الشخص اللي سلّم الطفل لسيف الراوي يوم ولادته.
ساد الصمت.
سيف قال بحدة
السكرتيرة قالتلي إنها كانت مجرد وسيطة.
كريم تنهد.
وده اللي كانت عايزاك تصدقه.
في اللحظة دي، أحد الحراس دخل مسرعًا.
أستاذ سيف... لقينا عربية واقفة بره من ساعة ما دخلنا، وفيها ست كبيرة في السن، رافضة تمشي، وبتقول إنها لازم تشوف الطفل.
كريم ابتسم ابتسامة غامضة.
خلاص... آخر طرف وصل.
سيف أمر
دخلوها.
بعد دقائق، دخلت سيدة تجاوزت الستين، ملامحها مرهقة لكن عينيها ثابتتين.
أول ما شافت الطفل، دموعها نزلت.
اقتربت ببطء، لكنها ما لمستوش.
اكتفت إنها تبص له وتقول
الحمد لله... لسه بخير.
مريم سألتها
حضرتك تعرفيه؟
السيدة رفعت نظرها إليها.
أعرفه من أول نفس أخده في الدنيا.
سيف تقدم خطوة.
يبقى قولي الحقيقة.
السيدة بصت للملف الأزرق، ثم قالت
الحقيقة كلها هناك... وأنا مش
متابعة القراءة