حماتي طلبت مني

لمحة نيوز

وفضلت تقلب الصفحات بسرعة.
وفجأة وقفت عند صفحة معينة.
عينيها وسعت، وإيديها بدأت ترتعش.
همست بصوت بالكاد اتسمع
لا... مستحيل... الصفحة دي ما كانتش موجودة!
المحامي مد إيده بهدوء وقال
كانت موجودة... لكن واضح إن محدش قرأها قبل التوقيع.
الكل حاول يشوف المكتوب، لكن حماتها قفلت الورقة بسرعة، كأنها خايفة حد يعرف اللي فيها.
أما هدى، فاكتفت بابتسامة صغيرة، وقالت
واضح إن الوقت جه تعرفوا أخيرًا... البند اللي كنتوا فاكرينه مجرد سطر عادي، هو اللي هيحدد مصير البيت كله.
يتبع...بعد أقل من دقيقة، خبط الباب.
فتح أحمد، فدخل ثلاثة أشخاص يحملون ملفات، يتقدمهم رجل في الخمسينات.
ألقى نظرة سريعة على الموجودين وقال
مساء الخير... إحنا جايين بخصوص ملف العقار.
حماتها حاولت تستعيد ثقتها.
خير إن شاء الله؟
الرجل فتح ملفًا وقال
وصلنا طلب رسمي بمراجعة بعض المستندات الخاصة بالبناء ونسب المساهمات فيه.
أخو جوزها قال بانفعال
إحنا مش عاملين حاجة غلط.
الرجل رد بهدوء
إحنا مش جايين نتهم حد... إحنا جايين نراجع الأوراق.
المحامي وقف وسلم عليهم، ثم سلّمهم نسخة من الملف.
بدأوا يقلبون الصفحات واحدة تلو الأخرى.
مرت دقائق، لم يتكلم فيها أحد.
ثم توقف أكبرهم عند صفحة معينة، ورفع حاجبه.
فين أصل الإقرار ده؟
حماتها ردت بسرعة
أكيد في الملف.
هدى قالت بهدوء
الأصل معايا.
وأخرجت حافظة بلاستيكية صغيرة، وسلمتها للرجل.
فحصها بعناية، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
تمام... ده اللي كنا محتاجينه.
جوز هدى لم يعد يحتمل.
اقترب من زوجته وقال بصوت منخفض
هو إنتِ من إمتى مرتبة كل ده؟
ردت دون أن تنظر إليه
من اليوم اللي حسيت فيه إن حقي ممكن يضيع.
في تلك اللحظة، أغلق الرجل الملف وقال
واضح إن فيه نقطة مهمة جدًا محدش انتبه لها.
كل العيون اتجهت إليه.
قال
العقار اتبنى بأموال من أكتر من طرف، وده مثبت بالأوراق. وبالتالي، قبل أي توزيع نهائي، لازم يتم تحديد حقوق كل مساهم بشكل قانوني.
حماتها قالت بعصبية
يعني الشقق اللي وزعتها؟
رد الرجل
التوزيع العائلي شيء... والحقوق القانونية شيء تاني.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن قبل أن يكمل الرجل كلامه، أخرج من الملف ورقة مطوية، وقال
الغريب إننا لقينا مستند قديم جدًا، تاريخه قبل بداية البناء بأسبوع.
نظر المحامي إلى الورقة، ثم اتسعت عيناه.
قال بدهشة
دي أول مرة أشوف المستند ده!
هدى أيضًا بدت عليها المفاجأة.
أما حماتها، فما إن رأت عنوان الورقة... حتى تغير لون وجهها تمامًا، وتمسكت بطرف الكرسي حتى لا تقع.
كان واضحًا أنها تعرف هذا المستند...
وتعرف أن ما كُتب فيه قد يغيّر القضية كلها.
يتبع...المحامي حط تليفونه على الترابيزة وقال
المستند وصل من مكتب التوثيق... وطلبوا مني أتأكد إن النسخة الأصلية عند الأستاذة هدى.
هدى فتحت شنطتها، وطلعت ظرف شفاف.
ناولته للمحامي من غير ما تتكلم.
فتح الظرف، وقارن الورقتين، وبعدها قال
تمام... النسختين متطابقين.
حماتها فقدت أعصابها.
هو فيه إيه؟! كل شوية تقولوا مستند ومستند!
المحامي رفع الورقة وقال
أثناء إجراءات البناء، تم تحرير إقرار بين بعض الأطراف يثبت مصدر جزء كبير من التمويل.
أخو جوزها قال بسرعة
وده يخصنا في إيه؟
المحامي رد
يخصكم جدًا... لأن الإقرار ده عليه توقيعات منكم.
الكل بص لبعضه باستغراب.
أخت جوزها قالت
إحنا مضينا على ورق كتير وقت البناء.
هدى قالت بهدوء
وده كان أكبر غلط عملتوه... إنكم كنتم بتمضوا من غير ما تقروا.
جوزها أخد الورقة، وبدأ يقرأ.
كل سطر كان بيخليه يتنفس بصعوبة.
لحد ما وقف عند فقرة معينة.
رفع عينه ناحية أمه وقال
إنتِ... إنتِ كنتِ عارفة؟
حماتها حاولت تاخد الورقة منه.
هاتها هنا.
لكنه رجع خطوة لورا، وكمل قراءة.
أخو الصغير خطف الورقة منه بسرعة، وبعد ثواني قال بصدمة
إحنا... إحنا مضينا إن قيمة أرض هدى تعتبر مساهمة أساسية في العقار!
المحامي هز رأسه.
وده معناه إن محدش يقدر يتعامل مع البيت كأن الأرض ملهاش وجود.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
ثم قالت حماتها وهي بتحاول تسيطر على الموقف
خلاص... نتصالح ونديها حقها.
هدى بصتلها لأول مرة من بداية الجلسة وقالت
دلوقتي افتكرتوا كلمة حقها؟
وقبل ما حد يرد...
سمعوا صوت عربية وقفت قدام البيت.
أخو جوزها جرى للبلكونة.
بص لتحت، واتجمد مكانه.
رجع وهو بيبلع ريقه وقال
فيه... فيه لجنة جاية على البيت.
حماتها اتوترت.
لجنة إيه؟
رد وهو لسه مصدوم
ومعاهم شخص أنا متأكد إني شفته قبل كده... لكن مش فاكر فين.
أما المحامي، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال
واضح إن المرحلة اللي كنا بنحاول نتجنبها... بدأت.
يتبع...الرجل العجوز دخل بخطوات هادئة، ووضع حقيبته الجلدية على الطاولة.
نظر إلى هدى وقال
إزيك يا بنتي... لسه محتفظة بالنسخة اللي قلتلك ماتفرطيش فيها؟
هدى أومأت برأسها.
أيوه... زي ما حضرتك وصيتني.
حماتها قاطعته بعصبية
إنت مين أصلًا عشان تدخل في مشاكل عيلتنا؟
ابتسم الرجل وقال
أنا الشخص اللي كتبت الاتفاق بإيديه، وشهد على التوقيعات كلها.
ساد الصمت.
أحمد نظر لأمه، ثم للرجل، وقال
يعني حضرتك كنت موجود يوم ما اتباعت الأرض؟
من أول دقيقة... لآخر توقيع.
فتح حقيبته، وأخرج دفترًا قديمًا.
كانت صفحاته صفراء من الزمن، لكن كل ورقة فيه محفوظة بعناية.
قال
أنا عندي عادة من أكتر من ثلاثين سنة... كل اتفاق أكتبه، أسجل في الدفتر تاريخ الجلسة، وأسماء الحاضرين، وأهم اللي اتقال فيها.
قلب عدة صفحات حتى توقف عند صفحة محددة.
قرأ بصوت واضح
بتاريخ... اجتمع كل من والدة أحمد، وأحمد، وإخوته، والأستاذة هدى، وتم الاتفاق على أن بيع أرض هدى لن يكون تبرعًا، وإنما مساهمة مقابل حقها في العقار الجديد.
أخو أحمد قاطع الرجل
يعني حقها شقة؟
ابتسم الرجل وقال
أنا لسه ما كملتش.
ثم أكمل القراءة
وفي حالة حدوث أي خلاف، يتم الرجوع للعقد النهائي باعتباره المرجع الوحيد لتحديد حق الأستاذة هدى.
المحامي أخذ الدفتر، وبدأ يطابق ما فيه مع العقد.
بعد دقائق، أغلقه وقال
الكلام متطابق حرفيًا.
حماتها بدأت تفقد أعصابها.
الدفتر ده مالوش قيمة!
الرجل العجوز رد بهدوء
علشان كده أنا جبت معايا حاجة تانية.
فتح جيبًا صغيرًا في الحقيبة، وأخرج فلاشة صغيرة.
رفعها بين أصابعه وقال
ودي الحاجة اللي احتفظت بيها من يوم الاجتماع.
أحمد سأل باستغراب
إيه اللي عليها؟
نظر الرجل إلى الجميع وقال
تسجيل كامل للجلسة اللي اتفقتم فيها على كل حاجة... بالصوت.
في اللحظة دي، اختفى اللون من وجه حماتها.
أما إخوات أحمد، فبدأوا يبصوا لها بنظرات شك لأول مرة.
لكن الرجل لم يشغل التسجيل.
اكتفى بأن وضع الفلاشة على الطاولة، وقال
قبل ما تسمعوا اللي فيها... فيه سؤال واحد لازم يتجاوب عليه الأول.
ثم التفت مباشرة إلى حماتها وقال
إنتِ لحد دلوقتي مستعدة تنكري اللي وعدتي بيه هدى... ولا هتقولي الحقيقة بنفسك؟
يتبع...سادت حالة من الصمت.
الرجل فتح الورقة بحذر، وقال
المستند ده مؤرخ قبل صب أول أساس في البيت بستة أيام.
حماتها قالت بسرعة وهي بتحاول تخفي ارتباكها
أكيد ورقة ملهاش لازمة.
لكن الرجل كمل
واضح إنها ليها لازمة جدًا... لأنها موقعة من كل الأطراف اللي كانوا موجودين وقت الاتفاق.
أحمد قرب منه وقال
اقرأ اللي فيها.
بدأ يقرأ بصوت واضح
يقر جميع الموقعين بأن قيمة الأرض المملوكة للأستاذة هدى هي الأساس الذي قام عليه مشروع البناء، وأنه سيتم حفظ حقها كاملًا وفق ما يتم الاتفاق عليه بالعقد النهائي.
حماتها صرخت
بس... كفاية!
كل الموجودين بصوا لها.
أخوها قال باستغراب
إنتِ ليه متوترة كده؟
حماتها حاولت تبرر
أنا... أنا افتكرت الورقة دي اتلغت.
المحامي ابتسم لأول مرة وقال
حتى لو كنتم ناويين تلغوها... لازم يكون فيه مستند رسمي بالإلغاء، وده مش موجود.
هدى كانت ساكتة، لكنها لأول مرة حسّت إن الكفة بدأت تميل لصالحها.
أحمد بص لأمه وقال
يعني من الأول وإنتِ عارفة إن لهدى حق؟
حماتها ما ردتش.
نزلت بعينيها في الأرض.
ولأول مرة، محدش لقى عندها إجابة.
لكن قبل ما أي حد يتكلم، سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت مرة تانية.
أخو أحمد جرى للشباك.
رجع بسرعة وقال
فيه واحد كبير في السن نازل من العربية... ومعاه شنطة مليانة ملفات.
الرجل اللي كان بيراجع الأوراق ابتسم وقال
واضح إنه وصل.
حماتها سألت بقلق
مين ده؟
رد الرجل
الشخص اللي احتفظ بنسخة من كل الاتفاقات من أول يوم... ولو كلامه طابق المستندات، هيكشف حاجات محدش كان يعرفها.
دخل الرجل العجوز إلى البيت، وبمجرد ما وقعت عينه على حماتها، قال بهدوء
فات أكتر من سنتين... لكن واضح إنكم نسيتوا الوعد اللي اتقال قدامي يوم بيع الأرض.
تجمد الجميع في أماكنهم...
أما حماتها، فكانت تعرف أن الرجل ده إذا تكلم... فلن تستطيع إنكار أي شيء.
يتبع...المحامي قلب الظرف بين إيديه، وبص لحماته وقال
واضح إن حضرتك تعرفيه كويس.
ردت وهي مرتبكة
أنا... كنت فاكرة إنه ضاع.
الرجل العجوز قال بهدوء
ولا ضاع ولا اتعدم... أنا اللي سلمته لمكتب التوثيق بنفسي، واتكتب عليه إنه مايتفتحش إلا لو حصل نزاع.
أحمد قرب من المحامي.
افتحه.
هدى رفعت إيدها وقالت
استنى.
الكل بص لها.
قالت بهدوء
أنا مش جاية أنتقم من حد... أنا جاية آخد حقي وبس.
ثم بصت لحماتها.
لو حضرتك مستعدة تعترفي بحقي قدام الكل، ونتفق اتفاق قانوني واضح، يبقى الظرف يفضل مقفول.
حماتها بلعت ريقها.
كان واضح إنها عارفة إن اللي جوه الظرف أخطر من كل اللي اتقال.
أخو أحمد قال بعصبية
يا أمي... قولي الحقيقة وخلاص.
لكنها فضلت ساكتة.
المحامي انتظر دقيقة كاملة، ثم قال
بما إن مفيش اتفاق، هنفتح الظرف.
قطع الختم بحذر، وأخرج منه ورقة واحدة فقط.
قرأ أول سطر... ثم توقف فجأة.
اتغيرت ملامحه.
الرجل العجوز مد إيده وقال
هاتها.
قرأها هو الآخر، ثم نظر إلى هدى بدهشة، وقال
أنا كنت فاكر محتواها مختلف.
أحمد فقد صبره.
فيها إيه؟!
المحامي أخذ نفسًا عميقًا وقال
واضح إن في آخر اجتماع، قبل توقيع العقود النهائية، اتكتب ملحق بخط اليد، واتوقع عليه بعض الحاضرين... لكن مش كلهم.
حماتها أغمضت عينيها.
وكأنها عرفت أن
تم نسخ الرابط