حماتي طلبت مني
المحتويات
السر اللي حاولت تدفنه خرج للنور أخيرًا.
هدى حاولت تشوف الورقة، لكن المحامي قال
لا... لازم الأول أتأكد من التوقيعات، لأن لو الملحق ده صحيح، فكل اللي حصل من ساعة توزيع المفاتيح... هيحتاج يتراجع من أوله.
وفي اللحظة دي، قال الرجل العجوز جملة خلت الجميع يلتفت له
الغريب... إن فيه شخص واحد كان حاضر الاجتماع ده، ولسه محدش سأله عن رأيه من أول ما بدأ الخلاف.
التفت الجميع في نفس الوقت...
إلى والد أحمد، الذي كان جالسًا في ركن الصالة طوال الوقت، صامتًا، لم ينطق بكلمة واحدة منذ بداية الأزمة.
رفع رأسه ببطء، وقال
خلاص... كفاية سكوت.
يتبع...حماتها فضلت ساكتة.
كل العيون كانت عليها.
ثواني عدت، لكن بالنسبة لهم كانت كأنها ساعات.
أحمد قال لأول مرة بنبرة حادة
يا أمي... ردي.
رفعت رأسها ببطء، وقالت
أنا... كنت فاكرة إن الموضوع هيتحل بينا من غير محاكم.
هدى ابتسمت ابتسامة باهتة.
يعني كنتِ عارفة إن ليا حق.
حماتها ردت بسرعة
حق... بس مش بالشكل اللي إنتِ عملتيه.
المحامي مد إيده ناحية الفلاشة.
واضح إن التسجيل هو اللي هيحسم النقطة دي.
وقبل ما يوصل لها...
حماتها صرخت
استنى!
الكل بص لها.
قالت وهي تتنفس بصعوبة
أنا هتكلم.
جلس الجميع من جديد.
حتى الرجل العجوز رجع مكانه، وكأنه مستني اللحظة دي من زمان.
حماتها قالت بصوت واطي
يوم بيع الأرض... كان الاتفاق إن هدى يبقى ليها حق محفوظ.
أخو أحمد سأل بسرعة
إيه هو الحق ده؟
حماتها سكتت.
وبعدين قالت
قلت وقتها... لما البيت يخلص، هنعمل قعدة تانية ونحدد حقها.
هدى هزت رأسها بالنفي.
وده مش اللي اتقال.
الرجل العجوز قال بهدوء
علشان كده التسجيل موجود.
حماتها عضت شفايفها، وقالت
أنا... غيرت رأيي بعد كده.
الجملة وقعت كالقنبلة.
أحمد وقف فجأة.
يعني كل اللي حصل النهارده... كان بسبب إنك غيرتي رأيك؟
لم ترد.
أخته قالت وهي تبكي
إحنا كنا فاكرين إن هدى بتفتعل مشاكل... وإنتِ من الأول عارفة إنها صاحبة حق!
المحامي أمسك الفلاشة، لكنه لم يشغلها.
قال
بعد الاعتراف ده، فيه حلول كتير ممكنة... لكن قبل أي خطوة، لازم تعرفوا إن فيه مستند أخير وصلني النهارده الصبح، وماكنتش ناوي أفتحه إلا لو وصلنا لطريق مسدود.
هدى نظرت إليه باستغراب.
مستند إيه؟
أخرج ظرفًا أبيض صغيرًا من الملف، وقال
ده كان في خزنة مكتب التوثيق، ومكتوب عليه بخط اليد لا يُفتح إلا عند حدوث نزاع بين الأطراف.
تبادل الجميع النظرات.
أما حماتها...
فبمجرد ما شافت خط اليد على الظرف، وضعت يدها على فمها، وهمست بخوف
مستحيل... أنا كنت فاكرة إن الظرف ده اتعدم من سنين!
يتبع...والد أحمد عدّل جلسته، وسند على عصاه، ثم قال بصوت هادئ لكن حاسم
من أول ما دخلتوا وأنا ساكت... لأن كنت مستني حد يقول الحقيقة من نفسه.
بص لمراته، وقال
لكن واضح إن السكوت بقى ظلم.
حماتها حاولت تقاطعه.
أبو أحمد، بلاش تفتح مواضيع فات عليها سنين.
هز رأسه وقال
الحق عمره ما بيقدم.
لف ناحية هدى.
فاكرة يا بنتي يوم ما جيتي تقوليلي إنك خايفة تبيعي الأرض؟
هدى أومأت برأسها.
أيوه... وحضرتك قلتلي ما أمضيش على أي ورقة غير لما أفهمها.
ابتسم ابتسامة حزينة.
ولما عرفت إنك جبتي محامي، ارتحت... لأني خفت حقك يضيع.
أحمد اتفاجئ.
يعني يا بابا... إنت كنت عارف؟
عارف إن الأرض دي كانت كل اللي تملكه هدى، وعارف إن الاتفاق كان لازم يتحترم.
حماتها قامت من مكانها بانفعال.
إنت هتقف ضد ولادك؟
رد عليها بهدوء
أنا واقف مع الحق... حتى لو على نفسي.
ثم مد إيده ناحية المحامي.
هات الورقة.
قرأها بعناية، وبعدها تنهد وقال
الملحق ده ناقص توقيعين... علشان كده لوحده ما يحسمش أي حاجة.
تنفس أحمد الصعداء، لكن والده أكمل
بس فيه حاجة أهم منه.
كلهم بصوا له.
قال
اليوم اللي بعتنا فيه الأرض، رجعت البيت وكتبت بخط إيدي كل اللي حصل... لأني حسيت إن اليوم ده هيجي.
قام ببطء، واتجه ناحية دولاب خشب قديم في الصالة.
فتح درجًا صغيرًا، وأخرج منه كشكول أزرق قديم مربوط بشريط.
حطه على الترابيزة وقال
ده مذكراتي.
حماتها اتسعت عينيها.
إنت لسه محتفظ بيه؟
رد بهدوء
كل يوم في حياتي كتبته... واليوم ده مكتوب بالتفصيل.
المحامي فتح الكشكول، وبدأ يقلب الصفحات.
وفجأة توقف.
ثم رفع رأسه وقال
الغريب إن آخر سطر في الصفحة دي مش مكتوب بخط الأستاذ...
أحمد اقترب بسرعة.
أمال بخط مين؟
المحامي قلب الكشكول ناحية الجميع.
وفي أسفل الصفحة، كان فيه توقيع واحد فقط...
توقيع شخص لم يتوقع أي حد إنه يكون شارك في الاتفاق من الأساس.
وبمجرد ما هدى شافت الاسم...
شهقت وقالت
مستحيل... هو كان عارف كل حاجة؟!
يتبع...المحامي غطّى الاسم بإيده قبل ما حد يشوفه كامل.
قال بهدوء
محدش يستعجل... لازم نتأكد الأول.
لكن أحمد كان أسرع، وشد الكشكول من قدامه.
بمجرد ما قرأ الاسم، اتراجع خطوة لورا وهو بيقول
خالي محمود؟!
الكل اتصدم.
حماتها قالت بسرعة
محمود! أخويا؟! مستحيل... هو ماله ومال الموضوع؟
في اللحظة دي، سمعوا صوت من عند الباب
ليا علاقة... أكتر مما تتخيلوا.
التفت الجميع.
كان خال أحمد واقف على الباب، واضح إنه سمع آخر جملة.
دخل بهدوء، وسلّم على والده، ثم بص لهدى وقال
سامحيني يا بنتي... كان المفروض أتكلم من أول يوم.
حماتها صرخت فيه
إنت كمان هتقف ضدي؟
قال بحزم
أنا مش ضدك... أنا ضد الظلم.
جلس على أقرب كرسي، وقال
يوم بيع الأرض، إنتِ طلبتي مني أكون شاهد على الاتفاق، وقلتي قدام الكل إن حق هدى هيتحفظ مهما حصل.
حماتها حاولت تنكر.
أنا ما قلتش كده.
رد بسرعة
قلتي... وأنا كتبت الجملة بإيدي في آخر الصفحة، وبعدها مضيت تحتها.
أخذ الكشكول، وقرأ بصوت واضح
أشهد أن قيمة أرض هدى أمانة في رقبة كل من وافق على هذا البناء، ولا يجوز حرمانها من حقها بعد اكتمال البيت.
ساد الصمت.
أحمد بص لأمه بعينين مليانين خيبة.
يعني... كل السنين دي وإنتِ عارفة؟
حماتها نزلت دموعها لأول مرة، لكنها لم تنطق.
خال أحمد أكمل
أنا كنت فاكر إنكم نفذتوا الاتفاق، ولما سمعت إنكم وزعتوا الشقق من غير حتى ما تقعدوا مع هدى... عرفت إن المشكلة كبرت.
المحامي جمع كل الأوراق، وقال
دلوقتي بقى عندنا عقد، وإقرار، وشهود، ومذكرات، وكلها بتتكلم عن حق واحد.
ثم أغلق الملف وقال
لكن لسه فيه سؤال واحد محدش جاوب عليه...
نظر مباشرة إلى أحمد، وقال
إنت... لما استلمت فلوس الأرض من إيد مراتك، صرفت منها كام بالضبط على البيت؟ وراح الباقي فين؟
أحمد تجمد مكانه.
ولأول مرة منذ بداية الأزمة...
لم ينظر إلى أمه.
بل نظر إلى الأرض.
وعرف الجميع أن السر التالي... ليس عند حماته هذه المرة، بل عنده هو.
يتبع...هدى بصت للمحامي وقالت
لأ... طالما كلهم كانوا موجودين وقت ما خدتوا فلوس الأرض، يبقى يسمعوا الحقيقة كلهم.
المحامي هز رأسه، وفتح التقرير.
قلب أول صفحة، ثم قال
التقرير اعتمد على سعر الأرض في نفس المنطقة يوم انتهاء البناء، مع الأخذ في الاعتبار الزيادة اللي حصلت بسبب دخول المرافق وفتح الطريق الجديد.
حماتها كانت ماسكة طرف الطرحة بإيديها من التوتر.
أحمد قال بصوت منخفض
قول الرقم.
المحامي رفع عينه من التقرير وقال
قيمة الأرض وقت البيع كانت شيء... أما وقت اكتمال البناء فأصبحت تعادل تقريبًا ثلاثة أضعاف.
ساد الصمت.
أخو أحمد الكبير قال وهو بيحسب في دماغه
يعني... إحنا مستحيل نقدر نسدد المبلغ ده مرة واحدة.
المحامي قفل التقرير.
أنا لسه ما قلتش الرقم... لكن الواضح إنه هيأثر على أي اتفاق بينكم.
هدى تنهدت وقالت
أنا من أول يوم ما طلبتش أكسب... طلبت بس محدش ياكل حقي.
في اللحظة دي، والد أحمد اتكلم
وأنا عندي اقتراح.
الكل بص له.
قال
بدل ما القضية تكبر وتدخلوا في سنين محاكم، كل واحد يحط قدامنا اللي دفعه فعلًا في البيت، والخبير يحسب نصيب كل طرف، وبعدها نتفق على حل يرضي الجميع.
أخو أحمد هز رأسه بالموافقة.
لكن أخته قالت فجأة
استنوا... في حاجة غلط.
الكل بص لها.
قالت
إحنا قاعدين بنتكلم عن فلوس الأرض والبناء... لكن محدش سأل سؤال مهم.
المحامي سألها
إيه هو؟
ردت وهي باصة لأحمد
إحنا اشترينا الأرض اللي اتبنى عليها البيت من مين أصلًا؟ وباسم مين اتسجلت ساعة الشراء؟
ساد الصمت.
أحمد رفع رأسه ببطء.
أما والده، فأغمض عينيه كأنه كان يتمنى ألا يُطرح هذا السؤال أبدًا.
وقال بصوت خافت
لو فتحتوا الملف ده... هتعرفوا إن المشكلة الحقيقية ما كانتش في أرض هدى أصلًا...
يتبع...أحمد فضل ساكت.
المحامي كرر سؤاله
أنا بسأل سؤال واضح... كام دخل في البناء، وكام اتصرف في حاجة تانية؟
حماتها اتدخلت بسرعة
كل الفلوس اتصرفت على البيت.
لكن المحامي رفع إيده.
أنا بسأل أحمد.
هدى بصت لجوزها لأول مرة من بداية الجلسة، وقالت بهدوء
رد... حتى لو الحقيقة هتزعلني.
أحمد قعد على الكرسي، ومسح وشه بإيده.
وقال بصوت مكسور
مش كل الفلوس دخلت في البناء.
الأوضة كلها سكتت.
أخو الصغير قال بصدمة
يعني إيه؟
أحمد بلع ريقه وقال
بعد ما بعنا الأرض، حصلتلي أزمة في الشغل... وكان عليا ديون.
حماتها بصت له باستغراب.
إنت ماقولتليش!
ماقولتش لحد... خفت الناس تعرف.
المحامي سأله
خدت كام؟
أحمد رد بعد تردد
حوالي ربع المبلغ.
هدى حسّت إن قلبها وقع.
ربع تمن أرض أبويا... راح في سداد ديون؟
أحمد نزل رأسه.
كنت ناوي أرجعه أول ما أقف على رجلي... لكن الظروف ساءت، وبعدها البناء ابتدى، وخفت أقول الحقيقة.
أخو الكبير ضرب كف بكف.
يعني إحنا كنا فاكرين البيت كله متبني بفلوس الأرض!
أحمد هز رأسه.
لأ... كملناه بقروض وبفلوس أمي، وبمساعدات منكم.
المحامي دوّن المعلومة في ورقة، ثم قال
يبقى القضية بقت أعقد... لأن لازم نعرف بدقة حجم مساهمة كل طرف.
هدى أغمضت عينيها للحظة.
كانت أول مرة تسمع الاعتراف ده.
لكنها فتحت عينيها وقالت
أنا زعلت من الكدب... مش من الديون.
أحمد رفع رأسه، وكانت
متابعة القراءة