انا حبيت واحد بقلم زهرة الربيع
طويل، وكل واحد فينا كمل حياته.
شريف بقى قريب من ابنه جدًا، والولد بقى فخور بأبوه.
ونهى بدأت حياة جديدة هي كمان، وبقت علاقتها بشريف قائمة على الاحترام عشان ابنهم.
أما أنا...
فبدأت أبني نفسي من جديد.
بطلت أشوف نفسي في مقارنة مع أي واحدة.
بطلت أسأل مين كسب؟
لأن السؤال الحقيقي كان
مين اتعلم؟
وفي يوم، جالي ظرف على البيت.
فتحته...
لقيت صورة قديمة لينا أنا وشريف في أول سنة جواز.
ومعاها رسالة قصيرة.
مش كل ذكرى لازم نرجع نعيشها... بعض الذكريات يكفي إنها علمتنا.
عرفت إن شريف هو اللي بعتها.
ابتسمت.
لأول مرة، الصورة ماوجعتنيش.
بقيت أشوفها كجزء من حياتي، مش كجرح.
وبعدها بشهور، سمعت خبر إن شريف اتعرض لأزمة صحية بسيطة.
الناس كلها اتصلت تطمن عليه.
ولما كلمته، كان صوته هادي.
قال
تعرفي؟ المرض بيخلي الواحد يراجع حاجات كتير.
قلت
وأنت راجعت إيه؟
ضحك وقال
راجعت إني كنت فاكر إن السعادة معناها أخد اللي عايزه... لكن طلعت السعادة إني ما أظلمش حد وأنا بدور عليها.
سكتنا.
وبعدين قال
أنا سعيد إن النهاية بينا ما كانتش كراهية.
ابتسمت
يمكن دي كانت أحسن نهاية.
لكن قبل ما نقفل المكالمة...
قال جملة خلتني أسكت
على فكرة... فيه شخص من الماضي رجع يدور عليك.
اتوترت.
مين؟
سكت شوية.
وقال
شخص أنتِ فاكرة إنه اختفى من حياتك من زمان...
وقتها عرفت إن حتى بعد كل السنين دي...
الحكاية لسه مخبية مفاجأة أخيرة فضلت ماسكة التليفون بعد ما قفل شريف المكالمة، والجملة بتتردد في دماغي
شخص من الماضي رجع يدور عليك...
مين ممكن يكون؟
أنا قفلت كل الأبواب القديمة، أو هكذا كنت أظن.
تاني يوم، جالي ظرف تاني.
لكن المرة دي كان عليه اسمي بخط أعرفه...
خط أمي.
اتجمدت.
أمي كانت توفت من سنين، والظرف كان قديم.
فتحته بإيد مرتعشة.
لقيت جواه رسالة.
بنتي... لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة.
قلبي بدأ يخبط.
بدأت أقرأ
أنا عارفة إنك طول عمرك كنتِ بتدوري على الحب اللي يعوضك عن إحساس قديم جواكي... إحساس إنك مش كفاية.
سكت.
دموعي نزلت.
لأنها كانت عارفة حاجات عمري ما قلتها لحد.
كملت
بس لازم تعرفي إن فيه شخص من الماضي كان سبب في جرحك ده... شخص أنتِ فاكرة إنه اختفى.
وفي آخر الرسالة كان فيه اسم.
الاسم اللي خلاني أقعد مكاني من الصدمة.
كان اسم والد شريف.
مش فاهمة.
إيه علاقة والد شريف بحياتي؟
وليه أمي كانت كاتبة عنه؟
في اللحظة دي رن هاتفي.
كان شريف.
رديت بسرعة.
قال
إنتِ فتحتي الظرف؟
سألته بصدمة
إنت كنت عارف؟
سكت.
شريف... إنت تعرف إيه؟
قال
كنت خايف أقولك.
زاد خوفي
قول.
أخذ نفسًا طويلًا
قبل ما أتعرف عليكي بسنين... أبويا كان يعرف والدك.
اتجمدت.
يعني إيه؟
قال
يعني إن قصتنا ما بدأتش يوم ما شفنا بعض في الشارع...
قصتنا بدأت قبلها بسنين.
فضلت ساكتة.
قال
فيه سر قديم بين العيلتين.
وفي نفس اللحظة، سمعت خبط على الباب.
فتحت...
وكان واقف قدامي رجل كبير في السن.
عرفته من الصور.
والد شريف.
قال بهدوء
أنا عارف إن عندك أسئلة كتير.
كنت مش قادرة أتكلم.
كمل
وجيت عشان أقولك الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
دخل، وقعد قدامي.
وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة
أبوكِ ماكانش سبب موتي في حياتكم زي ما اتقال لك...
سكت لحظة.
أبوكِ هو الشخص اللي أنقذني زمان.
بصيت له بذهول.
إيه علاقة ده بشريف؟
نظر لي وقال
عشان تعرفي ليه شريف دخل حياتك بالذات...
ثم أخرج ورقة قديمة من جيبه.
لازم تعرفي إن اللقاء بينكم... ماكانش صدفة وقفت مكاني وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
مش صدفة؟
قالها والد شريف وهو بيبصلي بنظرة فيها حزن
أيوه... مش صدفة زي ما أنتِ فاكرة.
مد إيده بالورقة القديمة.
قبل ما أبوك يتوفى بسنين، كان فيه اتفاق بينه وبين شريف...
اتسعت عيني.
شريف؟! هو كان يعرفني؟
هز رأسه
مش يعرفك شخصيًا... لكن كان يعرف اسمك.
فتحت الورقة بإيد مرتعشة.
كانت رسالة قديمة من والدي.
بدأت أقرأ
لو في يوم بنتي قابلت شريف، أتمنى إنها تعرف إن الإنسان مش بيتقاس بالماضي اللي وراه... لكن بالاختيارات اللي بيعملها لما يعرف الحقيقة.
رفعت عيني باستغراب.
أبويا كان عارف شريف؟
قال الرجل
أيوه. أبوك ساعدني في وقت كنت واقع فيه. ولما حصلت مشاكل بيني وبين أسرتي، كان هو الشخص الوحيد اللي وقف جنبي.
سكت لحظة.
وكان خايف على شريف... لأنه كان شايف فيه نفس الغلطة اللي عملتها أنا.
قلت
يعني إيه؟
رد
إن الإنسان لما يكون موجوع، ممكن يختار الهروب بدل المواجهة.
الجملة ضربتني في مكان حساس.
لأنها كانت تلخص قصة شريف... وقصتي أنا كمان.
في نفس اللحظة، دخل شريف.
كان واضح إنه كان عارف إن اليوم ده هييجي.
بصلي وقال
أنا كنت خايف تعرفي الحقيقة بالطريقة دي.
واجهته
ليه ماقولتش لي؟
نزل عينه.
لأني كنت خايف تفتكري إن كل اللي بينا كان مخطط له.
سكت.
ثم قال
الحقيقة إن أبوكي وأبويا كانوا يعرفوا بعض... لكن محدش قدر يتوقع إننا هنقابل بعض ولا إن حياتنا هتتشابك بالشكل ده.
ضحكت بمرارة.
يعني بعد كل اللي حصل... طلع فيه رابط بينا من زمان؟
قال شريف
الرابط كان موجود... لكن اختياراتنا هي اللي صنعت الحكاية.
اقترب والد شريف وقال
أنا جاي أصلح غلطة قديمة.
نظرنا له.
زمان كنت فاكر إن إخفاء الحقيقة بيحمي الناس... لكن الحقيقة المؤجلة بتوجع أكتر.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا مهمًا...
يمكن لقائي بشريف لم يكن صدفة.
لكن الطريقة اللي بدأت بها قصتنا كانت اختيارنا إحنا.
في نفس الليلة، خرجت أمشي لوحدي.
كنت بفكر في البنت اللي كنتها من سنين...
البنت اللي كانت شايفة إن الفوز يعني إنها تاخد الراجل اللي بتحبه.
ضحكت بيني وبين نفسي.
لأنها لو كانت تعرف النهاية...
كانت هتفهم إن أصعب معركة مش إنك تكسب قلب حد.
أصعب معركة إنك تكسب نفسك.
لكن وأنا راجعة للبيت...
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها...
وكان فيها صورة قديمة لشريف وهو صغير.
وتحتها جملة واحدة
لو عايزة تعرفي آخر سر عن شريف... اسألي عن سبب اختفاء أمه.
وفي اللحظة دي...
عرفت إن فيه باب أخير في الحكاية لسه ما اتفتحش بعد سنين طويلة من الأسرار والوجع، قررت لأول مرة إني ما أدورش وراء كل باب مقفول.
كنت فاهمة أخيرًا إن مش كل حقيقة لازم نعرفها عشان نعيش... أحيانًا السلام أهم من الإجابات.
لكن قبل ما أقفل الصفحة الأخيرة، قررت أقابل شريف مرة أخيرة.
قعدنا سوا في نفس المكان اللي شهد بداية ونهاية قصتنا.
قال لي
غريبة الدنيا... زمان كنا بنحارب عشان نبقى مع بعض، والنهاردة قاعدين بنتكلم بهدوء.
ابتسمت وقلت
يمكن لأننا وقتها كنا بندور على الحب... ودلوقتي بقينا فاهمين معناه.
سكت شوية وقال
أنا آسف على كل وجع سببته لك.
قلت
وأنا آسفة على كل وجع سببته لغيري.
لأول مرة ماكانش فيه طرف مذنب وطرف بريء...
كان فيه اتنين غلطوا، واتعلموا.
شريف كمل حياته، وبقى أب قريب من ابنه، وحافظ على علاقته باحترام مع نهى.
ونهى كمان بدأت حياة جديدة، بعد ما خرجت من دور الزوجة المجروحة وبقت إنسانة أقوى.
أما أنا...
فبدأت حياة مختلفة تمامًا.
بطلت أفتش عن قيمتي في وجود شخص تاني.
عرفت إن الإنسان لما يحب نفسه ويحترمها، مايبقاش محتاج ياخد مكان حد عشان يحس إنه مهم.
وفي يوم، وأنا بتفرج على صورة قديمة ليا أنا وشريف، ماحسيتش بالوجع اللي كان بيقتلني زمان.
ابتسمت.
لأن الصورة دي ما بقتش ذكرى خسارة...
بقت درس.
درس علمني إن الحب مش امتلاك.
وإن السعادة اللي تبدأ بدموع حد تاني، عمرها ما بتكمل بسلام.
يمكن شريف كان حب عمري...
لكن مش كل حب مكتوب له يكمل.
بعض الناس يدخلوا حياتنا عشان يغيرونا، مش عشان يفضلوا معانا.
وفي النهاية...
أنا ما خسرتش شريف.
أنا كسبت نفسي.
وده كان أول انتصار حقيقي في حياتي.