حماتي
بريدك الإلكتروني من جهاز غير معروف.
اتجمدت.
فتحت سجل الدخول...
لقيت المحاولة جاية من نفس اللابتوب اللي في مكتب أحمد.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لسه بيدور على الأدلة.
لكن اللي أحمد ما يعرفوش...
إنها من يوم ما اكتشفت خيانته، كانت غيرت كل كلمات السر، ونقلت كل الملفات لسحابة إلكترونية، وعملت مشاركة مع محاميها.
يعني حتى لو كسر اللابتوب...
مش هيلاقي حاجة.
في نفس الوقت...
كان أحمد في أوضة المستشفى بيكسر كل اللي قدامه.
صرخ في أمه
كله بسببك! لو ما طلبتيش الكلية، مروة ما كانتش هتشك فيا!
الحاجة أمينة بصت له بصدمة.
بسببي؟! بعد كل اللي عملته علشانك؟
رد بعصبية
أيوه... أنا كنت خلاص هتجوز دنيا، وأبوها كان هيدخل معايا بملايين!
سكتت أمينة.
لأول مرة، شافت ابنها على حقيقته.
هو ماكانش بيستخدم مروة بس...
كان بيستخدم أمه كمان.
وفي اليوم التالي...
وصلت مروة إلى الشركة لأول مرة، لكن مش كزوجة صاحبها...
بل كشريكة قانونية.
وما إن دخلت حتى وقف الموظفون واحدًا تلو الآخر.
أحد العمال القدامى قال
والله يا أستاذة... الشركة دي وقفت على رجليها بتعبك إنتِ.
وقبل أن ترد...
خرج موظف الاستقبال مسرعًا وهو يقول
أستاذة مروة... فيه لجنة من الضرائب، ومعاهم مباحث الأموال العامة... وبيقولوا عايزين الأستاذ أحمد فورًا.
في تلك اللحظة، نظرت مروة إلى باب مكتب أحمد المغلق...
وسمعت صوتًا عاليًا من الداخل...
ثم صرخة جعلت كل من في الشركة يلتفت نحو المكتب، قبل أن يندفع الأمن لفتح الباب اندفع أفراد الأمن وفتحوا باب المكتب.
أحمد كان واقفًا بجوار الخزنة الحديدية، ووشه شاحب، وفي إيده ولاعة، وعلى الأرض مجموعة ملفات مفتوحة.
أول ما شاف اللجنة دخلت، حاول يرمي الملفات في سلة المهملات ويولع فيها.
لكن أحد أفراد الأمن جرى بسرعة، وخطفها قبل ما النار تمسك الورق.
صرخ أحمد
سيبها! دي أوراقي!
رد رئيس اللجنة ببرود
من اللحظة دي... دي بقت مستندات محل تحقيق.
بدأوا يراجعوا الملفات.
بعد دقائق، قال أحد المفتشين
أستاذ... هنا في دفاتر حسابات اتنين لنفس السنة. نسخة للضرائب... ونسخة داخلية مختلفة تمامًا.
ثم أخرج ملفًا آخر.
وإيه ده؟ في عقود مبيعات بأسماء شركات اتقفل سجلها التجاري من سنتين!
أحمد بدأ يتراجع للخلف.
أما مروة، فكانت واقفة عند الباب، لا تتكلم.
كل ما كانت تتذكره هو الليالي اللي كانت بتسهر فيها تراجع الحسابات، وأحمد يقول لها
سيبي الورق ده... أنا هكمله.
الآن فهمت لماذا كان يرفض أن تراجع بعض الملفات.
وفجأة...
دخلت السكرتيرة القديمة، وكانت تعمل معهم منذ تأسيس الشركة.
قالت بصوت مرتجف
أنا لازم أتكلم... ضميري مش قادر يسكت.
التفت الجميع إليها.
قالت وهي تنظر لمروة
الأستاذ أحمد من سنة طلب مني أزور توقيع حضرتك على كذا مستند. رفضت... فهددني بالفصل. وبعدها جاب واحدة تانية تعمل اللي هو عايزه.
ساد الصمت.
نظر رئيس اللجنة إلى أحمد وقال
الكلام ده لو ثبت... هيضيف تهمة جديدة.
وفي تلك اللحظة، دوى رنين هاتف مروة.
كان المتصل... دنيا رفعت.
ترددت للحظة، ثم ضغطت زر الرد وفتحت مكبر الصوت.
جاء صوت دنيا مرتبكًا
أستاذة مروة... أنا عرفت كل حاجة. والله أنا ماكنتش أعرف إنه متجوز لما بدأ يقرب مني... ولما عرفت، قال لي إنكم منفصلين وهتطلقوا قريب.
أحمد صاح من آخر المكتب
اقفلي السكة يا دنيا!
لكنها أكملت وهي تبكي
وأنا مستعدة أدي النيابة كل الرسائل والتحويلات والهدايا اللي بعتها لي... مش عايزة أبقى شريكة في اللي عمله.
أغلق أحمد عينيه.
في أقل من أربع وعشرين ساعة...
خسر زوجته.
وخسر أمه.
وخسر شريكته الجديدة.
وخسر شركته.
لكن مروة كانت تعلم أن المعركة الحقيقية لم تنتهِ بعد... لأن المحامي اقترب منها وهمس
في مفاجأة أخيرة... فيه وصية قديمة تخص والد أحمد، ولو صحت، هتقلب القضية كلها رأسًا على عقب مروة بصّت للمحامي باستغراب.
وصية؟! أنا أول مرة أسمع عنها.
أخرج المحامي ظرفًا أصفر قديمًا، وقال
الوصية كانت محفوظة في خزنة البنك باسم والد أحمد، وما ينفعش تتفتح إلا بعد وجود نزاع على الشركة.
اتجمّع الكل في غرفة الاجتماعات.
حتى أحمد، رغم ارتباكه، أصر يحضر.
فتح المحامي الظرف ببطء، وأخرج ورقة اصفر لونها من الزمن.
وبدأ يقرأ
أنا الحاج عبد الحميد... مؤسس الشركة... أوصي أن من يحافظ على الشركة ويعمل فيها بإخلاص يكون شريكًا فيها، سواء كان من دمي أو من خارج العائلة.
رفع الجميع رؤوسهم.
وأكمل
أما ابني أحمد، فلا يحق له بيع الشركة أو التصرف في أصولها إلا بموافقة الشريك الذي يثبت أنه شارك في بنائها.
نظر المحامي إلى مروة وقال
فيه دفاتر قديمة، وشهادات موظفين، وإثباتات إن حضرتك كنتِ بتديري أغلب شغل الشركة من أول يوم.
حاول أحمد يقاطع
الكلام ده مالوش قيمة!
لكن أحد الموظفين القدامى وقف وقال
بالعكس... أنا شاهد. الله يرحم الحاج عبد الحميد كان دايمًا يقول مروة هي اللي شايلة الشركة مع ابني.
ثم وقف عامل آخر، ثم المحاسب الأول، وكلهم أكدوا نفس الكلام.
بدأت الحقيقة تظهر أمام الجميع.
الحاجة أمينة كانت قاعدة في آخر القاعة، رأسها منخفض.
اقتربت من مروة لأول مرة منذ سنوات، وقالت بصوت مكسور
ظلمتك... وظلمت أمك... ولو الزمن رجع بيا، كنت هطلب منك السماح قبل ما أطلب منك كلية.
نظرت إليها مروة طويلًا، ثم قالت بهدوء
أنا مسامحاكي كإنسانة... لكن مستحيل أرجع لنفس الحياة اللي كانت بتكسرني كل يوم.
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن وهو يحمل ورقة.
أستاذ أحمد... صدر قرار بمنعك من السفر لحين انتهاء التحقيقات.
جلس أحمد على الكرسي، وكأنه فقد كل قوته.
أما مروة...
فخرجت من الشركة، ووقفت أمام المبنى الذي بنت نجاحه بعرقها.
رفعت رأسها
إلى السماء، وابتسمت.
لأول مرة منذ عشر سنوات...
لم تكن زوجةً مكسورة، ولا كنّةً مُهانة.
كانت امرأة استعادت نفسها... قبل أن تفقدها إلى الأبد.
تمت.