كنت راجعة
ساكت طول الوقت اتكلم لأول مرة.
قال بصوت منخفض
يا أستاذة... بلاش.
بصيتله باستغراب.
قال وهو بيبلع ريقه
أنا... أنا أعرف العربية دي.
اتسعت عيني.
تعرفها؟
هز راسه بالإيجاب.
اشتغلت عند صاحبها فترة... وعشان كده يوم الحادثة أول ما شوفته... خفت أتكلم.
الغرفة كلها سكتت.
حتى الراجل السوري اتغيرت ملامحه.
قال له
إنت مخبي الكلام ده من أسبوع؟!
رد الشاب وهو بيكاد يبكي
لأني كنت عارف... لو اسمه اتذكر، محدش هيصدقني... ويمكن أختفي قبل ما القضية تبدأ.
في اللحظة دي... رن موبايل كريم.
بص في الشاشة، واتغير لون وشه.
رفع عينه لينا وقال بصوت متوتر
للأسف... هو عرف إن الكاميرات معانا.
وفي نفس الثانية... سمعنا صوت عربية وقفت بعنف قدام المعرض، وصوت باب اتفتح... وحد طلع منه وهو داخل علينا بخطوات سريعة الجزء السابع
الهدوء اللي كان مالي المكان اتحول في ثانية لتوتر.
كلنا بصينا ناحية باب المعرض.
دخل راجل طويل، لابس بدلة شيك ونضارة سودة، وورا منه اتنين باين عليهم إنهم حراس.
وقف في نص المعرض، وشال النضارة بهدوء، وقال
مساء الخير... واضح إنكم بتتكلموا عني.
الشاب أول ما شافه، وشه اصفر، ورجع خطوة لورا وهو بيهمس
هو... هو ده.
الراجل السوري وقف قدامه وقال بهدوء
إحنا معرض عربيات، لو عندك شغل اتفضل.
ابتسم الراجل ابتسامة باردة وقال
أنا مش جاي أشتري عربية... أنا جاي آخد حاجة تخصني.
كريم قال بثبات
تقصد تسجيلات الكاميرات؟
الراجل ضحك ضحكة خفيفة.
واضح إنكم أذكى مما توقعت.
وبعدين طلع ظرف من جيبه، وحطه على المكتب.
فيه مبلغ محترم... مقابل إن الموضوع ينتهي هنا، وكأن الحادثة محصلتش.
أنا بصيتله باستغراب وقلت
إنت بدل ما تعتذر... جاي تشتري سكوت الناس؟
لف ناحيتي وقال بثقة
كل حاجة في الدنيا ليها تمن.
الراجل السوري رد عليه فورًا
إلا الضمير.
ملامح الراجل اتغيرت، ولمّ الظرف من على المكتب.
وقال بنبرة حادة
خليكم فاكرين... في ناس خسارتها غالية.
وساب المعرض وخرج.
أول ما خرج، كلنا خدنا نفسنا.
لكن كريم جري على باب المعرض يبص وراه.
رجع بعد دقيقة ووشه متغير.
قلت بقلق
في إيه؟
قال
العربية اللي كان راكبها... اختفت.
استغربنا كلنا.
قال
الغريب إنه خرج ما ركبهاش... كأنه كان عارف إن حد بيراقبه.
وفي اللحظة دي رن تليفون المعرض.
الراجل السوري رد.
فضل ساكت يسمع، وبعدها وشه شحب فجأة.
قفل المكالمة وبص لنا وقال
للأسف... الورشة اللي كانت فيها النسخة الأصلية من تسجيلات الكاميرات... حصل فيها حريق من عشر دقايق.
اتجمدنا كلنا.
لكن كريم ابتسم فجأة وقال
خلاص... يبقى هو وقع في الفخ.
بصيناله باستغراب.
قال وهو طالع فلاشة صغيرة من جيبه
النسخة اللي كانوا فاكرينها في الورشة... دي كانت مجرد نسخة احتياطية. أما الأصل... فهو معايا من أول يوم.
ثم نظر إلى الباب وقال
ومن اللحظة دي... اللعبة بدأت بجد الجزء الثامن
أول ما كريم رفع الفلاشة قدامنا، حسيت إن في أمل.
لكن الراجل السوري قال بسرعة
خبّيها... ومتطلعهاش تاني قدام حد.
كريم استغرب.
ليه؟
رد عليه
الراجل ده لما جه هنا، مكانش جاي يهددنا وبس... كان بيشوف الفلاشة مع مين.
وفعلًا، كريم حطها في جيبه بسرعة.
وفجأة...
رن موبايل الشاب.
بص في الشاشة، واتجمد.
قلت له
مين؟
رد وهو صوته بيرتعش
...أمي.
رد عليها بسرعة، لكن أول ما سمع صوتها، وشه اتغير.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال
إزاي؟! إمتى؟!
وقفل المكالمة وهو بيحاول يتمالك نفسه.
جرينا عليه.
قلت
خير؟
قال بصعوبة
في ناس راحوا البيت... وسألوا عليا بالاسم.
بصينا لبعض بقلق.
قالوا لأمي قولي لابنك يبطل يدور ورا اللي أكبر منه... عشان ميخسرش أكتر.
الراجل السوري ضرب بإيده على المكتب وقال
يبقى الموضوع بقى أخطر مما كنا متخيلين.
كريم طلع موبايله وقال
لازم نبلغ.
لكن قبل ما يطلب الرقم...
وصلت رسالة على موبايله من رقم مجهول.
فتحها...
وكان فيها صورة.
الصورة كانت متصورة من قدام المعرض... وإحنا الأربعة واقفين جوه.
وتحتها مكتوب
كل خطوة بتاخدوها... إحنا شايفينها.
سرت رعشة في جسمي.
مين صورنا؟
وإمتى؟
كريم جري على الكاميرات اللي في المعرض، وبدأ يراجع التسجيلات.
رجع اللقطة قبل خمس دقايق...
وفجأة ظهر شخص لابس كاب وكمامة، وقف ثواني قدام الواجهة، رفع موبايله، صوّر، ومشي.
لكن وهو بيكبر الصورة...
اتصدم.
قال بصوت منخفض
أنا أعرف الشخص ده...
قلنا كلنا في نفس الوقت
مين؟
بلع ريقه وقال
المشكلة... إنه شغال عندي في المعرض من خمس سنين.
وساد صمت ثقيل...
لأن معنى الكلام ده كان واضح...
العدو... عمره ما كان برّه المعرض... كان بينا من البداية النهاية
ساد صمت ثقيل في المكان.
كل واحد فينا بقى يبص للتاني، وهو بيسأل نفسه مين فينا كان بيتنقل له كل حاجة؟
كريم استدعى الموظف من غير ما يحسسه بحاجة.
أول ما دخل، كان متوتر بشكل غريب.
قال له كريم بهدوء
اقعد... عايزين نسألك كام سؤال.
في الأول أنكر كل حاجة.
لكن لما شاف صور الكاميرات، ورسائل التهديد، وسجل المكالمات، انهار.
وقال وهو بيعيط
والله أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده... الراجل عرض عليّ فلوس كتير، وكل اللي طلبه مني إني أقوله مين داخل ومين خارج، ولو معاكم أي تسجيلات.
بلغوا الشرطة، واتقبض على الموظف، ومن خلاله وصلوا لصاحب العربية.
واتضح إن الراجل كان رجل أعمال معروف، وعليه مخالفات وحوادث كتير قبل كده، وكان كل مرة بيهرب بنفوذه.
لكن المرة دي الأدلة كانت كاملة.
تسجيلات الكاميرات، ورسائل التهديد، ومحاولة شراء السكوت، ومحاولة حرق النسخة الاحتياطية... كلها اتحطت قدام النيابة.
وبعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم بإدانته، واتحمل مسؤولية الحادث وكل اللي ترتب عليه.
أما الشاب...
فكمل شغله في المعرض، وباجتهاده وأمانته بقى من أحسن الموظفين، وقدر يعالج أمه، ودخل أخواته المدرسة، وكل ما يشوفني يقول
لو اليوم ده انتهى بمحضر... كان مستقبلي كله انتهى.
والراجل السوري رفض ياخد مني أي جنيه مقابل تصليح العربية، وكان دايمًا يقول
أنا ما دفعتش تمن صاج... أنا دفعت تمن كلمة مسامحاك.
أما أنا...
الخبطة دي كانت سبب في إن شاب يلاقي فرصة شغل، وراجل ظالم يتحاسب، وإن قلبي يتعلم درس عمره ما هينساه.
ومن يومها بقيت مؤمنة إن التسامح مش معناه إنك تتنازل عن حقك... لكنه معناه إنك متخليش الكراهية تسكن قلبك.
تمت.