احنا تلات سلايف حكايات اماني

لمحة نيوز

يقرأ بصوت عالي.
ثم أكمل وهو ينظر للجميع الوصية فيها شرط واحد... ولن تُنفذ إلا بحضور جميع أفراد العائلة.
ساد صمت ثقيل.
حتى حماتي، اللي طول عمرها صوتها عالي، ما قدرتش تنطق.
لكن قبل ما الرجل يكمل حرفًا واحدًا...
طلع صوت عربية فخمة وقفت قدام البيت.
ونزل منها شخص، أول ما شافه حمايا... اتغير لون وشه فجأة، وقال بصوت منخفض مليان خوف
مستحيل... هو جه بنفسه؟!خرج حمايا بسرعة ناحية الباب، وكأن وجود الرجل ده أقلقه أكتر من أي حاجة حصلت.
أما إحنا، ففضلنا واقفين مكاننا، نبص لبعض ومش فاهمين.
بعد ثواني دخل رجل في أواخر الستينات، هيبته كانت واضحة، لكن ملامحه هادية.
أول ما شاف وداد، ابتسم وقال إنتِ بنت الأستاذ حسن؟
وداد هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة.
قال الله يرحمه... كان من أشرف الناس اللي اشتغلت معاهم.
حماتي قاطعته بسرعة حضرتك جاي عشان إيه بالظبط؟
بصلها بهدوء وقال جاي أوفي دين في رقبتي.
حمايا حاول يغير الموضوع وقال إحنا ممكن نتكلم في المكتب.
لكن الرجل رفض وقال لا... الكلام لازم يتقال قدام الكل.
سحب من الملف ورقة قديمة اصفر لونها، وقال من أكتر من خمسة وعشرين سنة، الشركة كانت هتدخل في قضية اختلاس كبيرة. كل الأدلة كانت بتشير للأستاذ حسن... لكنه رفض يزوّر أي مستند ينقذ المدير وقتها.
كلنا بصينا لأبو وداد في الصورة اللي كانت مع الورقة.
الرجل كمل وفي الآخر اتكشف إن الأستاذ حسن كان بريئًا، وإن أمانته هي اللي أنقذت الشركة.
ثم التفت ناحية حمايا وقال إنت كنت فاكر إن الناس نسيت اللي حصل... لكن في ناس عمرها ما بتنسى المعروف.
حمايا حاول يبتسم وقال طبعًا الأستاذ حسن كان راجل محترم.
الرجل رد بنظرة حادة الغريب إنك طول السنين دي ما عاملتش بنته بنفس الاحترام.
الكلمة وقعت على حماتي زي الصاعقة.
أما جوز وداد، فبدأ يبص في الأرض، كأنه لأول مرة حاسس بالخجل.
وداد نفسها كانت دموعها بتنزل في صمت، مش عارفة تفرح إن أبوها اترد له اعتباره... ولا تزعل على السنين اللي ضاعت وهي بتتذل بسبب فقر عمره ما كان عيب.
وفجأة...
الرجل طلع ظرفًا تاني، أكبر من الأول، وحطه على الترابيزة.
وقال أما الظرف ده... فهو السبب الحقيقي اللي جينا عشانه النهارده.
مد حمايا إيده بسرعة عشان يمسكه.
لكن الرجل سحب الظرف قبل ما يلمسه، وقال بحزم
لا... ده مش ليك.
ثم التفت إلى وداد، ومد الظرف ناحيتها وهو يقول
حقك... لكن قبل ما أفتحه، لازم أسألك سؤال واحد.
سكتت وداد وهي بتبصله.
قال بعد كل اللي عشتيه هنا... لو عرفتي الحقيقة كاملة، هتقدري تكملي في البيت ده... ولا قرارك خلاص اتخذ؟
وساد صمت ثقيل...
لأن إجابة وداد المرة دي، كانت كفيلة إنها تغيّر مصير العيلة كلها وداد فضلت ساكتة شوية، وكأن السؤال رجّع لها كل لحظة وجع عاشتها.
افتكرت كلام حماتها... افتكرت نظراتها وهي بتخدم الكل... افتكرت جوزها وهو ساكت وهي بتتهان قدامه.
وبصت للرجل وقالت بهدوء
أنا مش عايزة أنتقم من حد... ولا عايزة أبقى زي الناس اللي أذوني. أنا بس عايزة أعرف الحقيقة... وأعيش بكرامتي.
هز الرجل رأسه بإعجاب وقال وده بالضبط كان شرط والدك.
فتح الظرف ببطء، وأخرج منه أوراقًا كثيرة.
قال والدك قبل وفاته كان عارف إنك ممكن تتعرضي للظلم بسبب إنك بنت بسيطة، فكتب كل حاجة بنفسه.
جوز وداد رفع عينه بسرعة وقال يعني إيه؟
الرجل بص له وقال يعني كان عارف إن بنتي هتدخل بيت ناس ممكن يحكموا عليها من شكلها وفلوسها... عشان كده ترك لها حقها محفوظ.
حماتي بدأت تتحرك بتوتر وقالت حقها إيه يعني؟
الرجل فتح أول ورقة وقال أولًا... والد وداد كان يمتلك نسبة في الشركة اللي كان شغال فيها، لكنه رفض يعلن عنها طول حياته.
اتسعت عيون حمايا.
قال الرجل ثانيًا... قبل وفاته، وضع جزءًا من ممتلكاته باسم ابنته الوحيدة.
وداد شهقت بابا كان عنده ممتلكات؟
الرجل ابتسم بحزن كان عنده أهم من الفلوس... كان عنده كرامة. لكنه كان يخاف عليكِ من الناس اللي تحب المال أكثر من الإنسان.
الكلمة ضربت في مكان حساس.
جوز وداد قرب خطوة وقال يعني هي... مش زي ما كنا فاكرين؟
الرجل نظر له وقال هي عمرها ما كانت أقل من حد.
في اللحظة دي، حماتي لأول مرة ما لقتش كلمة ترد بها.
المرأة اللي كانت طول السنين تقول بنت الفقر... اكتشفت إن البنت اللي كانت بتخليها تنظف وتخدم... كانت تملك ما يجعلها تقف أمامها مرفوعة الرأس.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه.
الرجل طلع ورقة أخيرة وقال
في بند أخير كتبه والدك... وهو موجه لزوجك تحديدًا.
جوز وداد اتوتر وقال ليّا أنا؟
أومأ الرجل وقال نعم... لأنه كان عارف إنك هتكون أقرب شخص لها بعده.
سكت الجميع.
ثم بدأ الرجل يقرأ
إذا جاء يوم وشعرت ابنتي أن زوجها لم يصن كرامتها، فلها كامل الحق أن تختار طريقها دون خوف... لأن الإنسان الذي يقبل إهانة من يحب، لا يستحق أن يحتفظ به.
الجملة نزلت كالصاعقة.
وداد بصت لجوزها...
ولأول مرة هو ما قدرش يرفع عينه في عينها.
لكن قبل ما أي حد يتكلم...
حمايا أخذ الورقة من يد الرجل، وبدأ يقرأ بسرعة...
وفجأة تغير وجهه، وقال بصوت مرتجف
لا... ده مستحيل.
الرجل رد بهدوء
لسه ما وصلناش للجزء اللي هيقلب كل حاجة.
ثم أشار إلى آخر سطر في الورقة...
وكان فيه اسم شخص من العيلة لم يتوقع أحد أن يظهر أبدًا اقتربت الجدة من وداد بخطوات بطيئة، والدموع كانت مليانة في عينيها.
وداد جريت عليها وقالت تيتا... إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟ كنتِ عارفة إن بابا سايبلي حق؟
الجدة مسكت إيدها وقالت كنت عارفة يا بنتي... بس أبوكي هو اللي طلب مني ما أقولش.
وداد بصت لها بصدمة ليه؟ ليه يسيبني أعيش كل السنين دي وأنا حاسة إني أقل من الناس؟
الجدة مسحت دموعها وقالت لأنه كان خايف عليكِ من حاجة أكبر من الفقر.
سكتت لحظة، ثم نظرت ناحية حمايا وحماتها.
كان خايف إن الفلوس تغير نظرة الناس ليكي... كان عايز يعرف مين هيحب وداد نفسها، ومين هيحب اللي معاها.
الكلام نزل على جوز وداد كأنه صفعة.
حماتي حاولت تقاطع يعني إيه الكلام ده؟
الجدة بصت لها وقالت يعني لو كنتِ عرفتي من البداية إن وداد مش بنت محاسب بسيط... وإن ليها نصيب كبير من أملاك... كان زمان معاملتك ليها مختلفة؟
حماتي سكتت.
لأول مرة ما قدرتش ترد.
أما جوز وداد فكان واقف مشوش، وقال يعني... كل اللي حصل كان اختبار؟
الرجل الكبير رد كان اختبار للجميع... وناس كتير سقطت فيه.
ثم قرب من وداد وقال لكن لسه فيه حاجة مهمة ما عرفتيهاش.
وداد رفعت عينيها إيه هي؟
فتح الرجل ملفًا جديدًا، وأخرج منه صورة قديمة.
ناولها لها.
أول ما شافت الصورة، إيديها بدأت ترتعش.
كانت صورة والدها... لكن بجانبه شخص تعرفه جيدًا.
شخص من داخل هذه العائلة.
قالت بصوت مخنوق إزاي؟... بابا كان يعرفه؟
الجميع قربوا ينظروا للصورة.
وحمايا أول ما شافها، رجع للخلف وقال
لا... مستحيل يكون هو.
وداد بصت له وقالت مين يا عمي؟ مين الشخص اللي واقف جنب بابا؟
حمايا فضل ساكت.
لكن الجدة قالت الجملة اللي خلت المكان كله يتجمد
ده الشخص اللي بسببُه أبوكي أخفى عنك أكبر سر في حياتك...تعلقت كل العيون بالورقة في إيد حمايا.
كان بيقرأ السطر الأخير، وملامحه بتتغير لحظة بعد لحظة.
حماتي قربت
تم نسخ الرابط