اخويا بقلم نور محمد
أخويا اللي شيلته حتة لحمة حمرا وربيته بدم قلبي بعد موت أبونا وأمنا، يوم ما ربنا كرمه وبقى دكتور مشهور وهيناسب عيلة أكابر، طلب مني أستخبى في المطبخ يوم قراية فاتحته، ولما حس إني زعلت، اقترح عليا ألبس يونيفورم الشغالات عشان ميتحرجش قدام نسايبه.. وقتها مابكيتش، بس الرد بتاعي كان وجعه أشد من سنين شقايا اللي نكرها!
اللي طلعت بيه من الدنيا هو طارق.. أخويا الصغير اللي كان حتة مني. لما القطر خبط أبويا وأمي وماتوا وسابوهولي وهو عنده ٤ سنين، أنا كنت لسه بنت في عز صبايا عندي ١٧ سنة.
قفلت بابي عليا ورفضت الجواز وكل عريس كان بيخبط على بابي كنت برده، قولت مستحيل أجيب راجل يتحكم في أخويا أو يكسر بخاطره.
اشتغلت في مصنع ملابس الصبح، وبعد الظهر كنت بمسح سلالام وأخدم في البيوت عشان أوفرله قرشين يعيشوه زي ولاد البهوات. ضيعت صحتي وشبابي، إيديا نشفت وشققت، وضهري انحنى قبل الأوان، بس كل ده كان بيهون لما بشوفه بيكبر قدامي وبيدخل كلية الطب.. كنت بشوف فيه عوض ربنا ليا.
لما طارق اتخرج وبقى دكتور قد الدنيا، فتحتله عيادة في حتة راقية من تحويشة عمري وقرطين أرض كانوا حيلتي بعتهم عشان يقف على رجليه.
ولما قالي إنه هيخطب بنت مدير المستشفى اللي بيشتغل فيها، فرحت فرحة ما تتوصفش.. زغردت وقولتله يا حبيبي يا طارق، أخيراً هفرح بيك وأشيل عيالك.
بس الفرحة دي اتذبحت بدم بارد.. قبل يوم قراية الفاتحة بيومين، العروسة وأهلها كانوا جايين يقروا الفاتحة عندنا في شقتنا اللي جددتها وفرشتها على الفرازة عشان تليق بيه.
دخل عليا طارق الأوضة، ووشه مخطوف، بيبصلي من فوق لتحت بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة شفقة مخلوطة بخجل وقرف! قالي حنان.. أنا عايز أطلب منك طلب بس والنبي تفهميني بعقل.
قولتله بابتسامة عنيا ليك يا دكتور، أأمر.
فرك إيديه بتوتر وقالي أهل نانسي ناس كلاس أوي.. وزي ما أنتي شايفة يعني.. شكلك، ولبسك، وتجاعيد وشك، وإيديكي الخشنة دي.. هما ميعرفوش إنك أختي، أنا مفهمهم إن أبويا وأمي ماتوا وإني بنيت نفسي بنفسي.. ف.. ف يعني ياريت يوم قراية الفاتحة تفضلي في المطبخ وتعملي نفسك الدادة اللي ربتني، أو تلبسي يونيفورم الشغالات عشان ميسألوش كتير.. أنا مستقبلي واقف على الجوازة دي يا حنان ومينفعش أصغر قدامهم!.
أنا حسيت إن في مية مغلية اتدقلت على جسمي. وداني صفرت، وبقيت أبص لملامحه وأنا مش مصدقة.. ده طارق؟ ده اللي بعت كليتي حرفياً عشان أكمل مصاريف عيادته من وراه ومحسسوش بنقص؟
بصيتله وعينيا مليانة دموع متحجرة، قولتله بصوت بيترعش شغالة يا طارق؟ أختك اللي شقيت عليك وبقت شبه العواجيز عشان تخليك دكتور محترم.. عايز تلبسها لبس خدامين عشان ترضي عروستك؟.
رد عليا بعصبية وزعيق يا حنان متعمليليش دراما! هي دي الحقيقة، أنتي شبه الشغالات فعلاً، كلامك، طريقتك، جهلك! أنا دكتور جراح، أقولهم إيه؟ أقولهم أختي اللي مربياني بتمسح سلالام؟ عايزة تفضحيني وتضيعي مستقبلي؟ أنتي ليه أنانية كده؟!.
أنتي شبه الشغالات.. الكلمة دي نزلت على قلبي قسمته نصين. حسيت إني كبرت فجأة ميت سنة. سحبت نفسي من قدامه بهدوء غريب.. هدوء الميتين. ماردتش ولا بكلمة، مسحت دمعة يتيمة نزلت على خدي.
وقولتله بصوت واطي حاضر يا طارق.. اللي تشوفه يا حبيبي، مش هفضحك.
تاني يوم، البيت كان متزوق، وهو لابس بدلته اللي جايبهاله من دمي، واقف يستقبل عروسته وأهلها البهوات. أنا مكنتش في المطبخ، ولا لبست يونيفورم.. أنا لميت هدومي في شنطة قديمة، وخرجت من الباب الخلفي قبل ما يوصلوا.
بس قبل ما أمشي، حطيت صندوق قطيفة صغير على طرابيزة الصالون اللي هيقعدوا عليها، وكتبت عليه من برة هدية لأخويا وعروسته.. من الدادة.
بعد ساعة، تليفوني رن.. كان طارق. رديت وأنا قاعدة على محطة القطر، سامعة صوت ضحكهم ومزيكتهم في الخلفية.
قالي بهمس وعصبية أنتي فين يا حنان؟ أنا دورت عليكي في المطبخ ملقتكيش، والناس بيسألوا على الدادة اللي ربتني عشان يشكروها!.
ابتسمت بوجع وقولتله الدادة سابتلك البيت وريحتك من شكلها اللي بيفضحك يا دكتور.. بس سابتلك هديتك ومقامك الحقيقي في الصندوق القطيفة اللي على طرابيزة الصالون.. افتحه ووري نسايبك مقامك!.
قفلت السكة ورميت الشريحة كلها..
طارق بص للصندوق اللي على الطرابيزة بتوتر، نانسي عروسته سألته بفرحة إيه ده يا بيبي؟ دي هدية ليا؟.
طارق ابتسم بغرور مصطنع، وقال لأبوها وأمها دي هدية من الست الغلبانة اللي ربتني، أكيد حاجة بسيطة على قدها.
مد إيده وفتح الصندوق قدامهم كلهم وهو بيضحك.. بس ضحكته اتجمدت على وشه، والدم هرب من عروقه، ووقع الصندوق من إيده على الأرض، ونانسي وأبوها شهقوا وحطوا إيديهم على بوقهم من بشاعة الصدمة اللي شافوها جوه الصندوق!!!!
الكاتبه_نور_محمد
طارق ركع بسرعة على الأرض، وإيده بتترعش وهو بيحاول يلم اللي وقع من الصندوق قبل ما حد يلمحه كويس.
لكن كان فات الأوان...
والد نانسي انحنى بهدوء، ومد إيده والتقط أول ورقة وقعت على السجادة.
بص فيها ثواني...
وبعدين رفع عينه لطارق بنظرة مختلفة تمامًا.
مش نظرة إعجاب بالدكتور الناجح...
دي كانت نظرة واحد ابتدى يشوف الحقيقة اللي مستخبية ورا البدلة الأنيقة.
نانسي قربت بخطوات بطيئة وقالت إيه الورق ده؟
طارق خطف الورقة من إيد أبوها بعنف وقال وهو بيبتسم ابتسامة متكسرة ولا حاجة... أوراق قديمة ملهاش لازمة.
لكن والد نانسي قال بصوت حازم هاتها.
أول مرة طارق يحس إن صوته اختفى.
فتح بقه... ومطلعش منه حرف.
في اللحظة دي، والدة نانسي مدت إيدها داخل الصندوق، وقالت واضح إن في حاجات تانية.
طلعت ظرفًا أصفر قديم...
عليه بخط حنان يتفتح قدام كل اللي هيشهدوا إن طارق وصل لوحده.
سكتت القعدة كلها.
حتى المأذون وقف يقلب سبحته وهو مستغرب.
طارق جرى ناحية الظرف وهو بيقول بانفعال محدش يفتحه... ده خاص!
لكن والد نانسي وقف قدامه وقال ببرود طالما مكتوب قدام الجميع... يبقى هيتفتح قدام الجميع.
اتجمد طارق مكانه...
ولأول مرة في حياته، حس إنه رجع الطفل الصغير اللي كان مستخبي ورا ضهر أخته.
والد نانسي فتح الظرف ببطء...
وقبل ما يخرج أول ورقة...
وقع شيء صغير جدًا من بين الأوراق على الأرض.
شيء معدني قديم...
لما نانسي انحنت تشيله، اتسعت عيناها وهي بتهمس
دي... سلسلة أطفال؟
لكن لما قلبتها على ضهرها...
ظهر نقش محفور عليها...
خلّى والدها يخطفها من إيدها وهو مذهول...
ثم بص لطارق وقال بصوت منخفض، لكنه كان كفيل يهز البيت كله
إنت متأكد... إنك كنت عايز الناس تعرف إنك بنيت نفسك بنفسك؟
وساد صمت تقيل...
لأن الورقة الأولى لسه ما اتقرتش والد نانسي حط السلسلة على الترابيزة قدامه، وبص لطارق نظرة طويلة، كأنه بيديله آخر فرصة يتكلم.
قال بهدوء قبل ما أقرأ اللي في الظرف... عندك حاجة تحب تقولها؟
طارق بلع ريقه، وبص حواليه، وكل العيون متعلقة بيه.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال دي... ذكريات قديمة، وأختي للأسف متأثرة شوية... يمكن زعلت مني.
والدة نانسي قالت باستغراب تزعل للدرجة دي؟
محدش رد...
فتح والد نانسي أول ورقة.
كانت ورقة صفراء، أطرافها متآكلة، ومكتوب عليها بخط حنان
لو بتقروا الرسالة دي، يبقى أخويا استعر مني، وخجل يقول إن الست اللي تعبت عمرها كله عشانه هي أخته.
الصالة كلها سكتت.
حتى صوت التكييف