اخويا بقلم نور محمد

لمحة نيوز

بقى مسموع.
كمل يقرا
أنا مش بكتب الكلام ده عشان أحرجه... أنا بكتبه عشان محدش يصدق إنه وصل لوحده.
طارق حاول يقاطعه.
يا أستاذ من فضلك...
لكن والد نانسي رفع إيده وقال سيبني أكمل.
طلع من الظرف ورقة تانية...
كانت إيصالات تحويلات بنكية قديمة، وإيصالات بيع قطعة أرض.
وفوق كل ورقة، حنان كاتبة تاريخها وقلم أحمر دائرة على المبلغ.
والد نانسي سأل دي إيه؟
طارق رد بسرعة كانت بتساعدني... أي أخت مكانها كانت هتعمل كده.
لكن المفاجأة كانت لسه جاية.
آخر الظرف كان فيه ملف شفاف صغير.
ولما والد نانسي فتحه...
طلع تقرير طبي مختوم.
بص فيه دقيقة...
وفجأة عقد حواجبه.
قرأ أول سطر بصوت مسموع
المتبرعة... حنان عبدالسلام...
وبعدين سكت.
نانسي قالت بقلق في إيه يا بابا؟
والدها قلب الصفحة...
واتغير لون وشه.
رفع عينه ببطء ناحية طارق، وقال
هي قالت في الرسالة إنها باعت حاجة من جسمها عشان تكمل تعليمك...
طارق صرخ فجأة
اقفل الملف ده!
لكن والد نانسي ما سمعوش.
كان لسه بيقلب الصفحة الأخيرة...
واللي شافه فيها خلاه يقوم واقف من مكانه مرة واحدة...
وقال بصوت مخنوق
أنا لازم أعرف... إنت خبيت الحقيقة دي كلها ليه؟!طارق جري ناحية الملف يحاول يخطفه، لكن والد نانسي رجع خطوة لورا وقال بحزم
إوعى.
الصالة كلها بقت ساكتة.
حتى نانسي، اللي كانت من شوية مبتسمة، بقت باصة لخطيبها كأنها أول مرة تشوفه.
والدها بص في التقرير تاني، وقال
التقرير ده بيقول إن حنان تبرعت بكليتها... والمستفيد من العملية هو...
وقف لحظة...
ورفع عينه ناحية طارق.
...أنت.
وش طارق اصفر.
إيده بدأت ترتعش.
وأمهات العيلة بصوا لبعض بصدمة.
نانسي همست
يعني... هي كانت بتقول الحقيقة؟
طارق رد بسرعة
كانت مصرة تعمل كده... وأنا مكنتش عايز.
لكن والد نانسي قاطعه
حتى لو هي أصرت... ده يخليك تستعر منها؟
محدش رد.
سحب والد نانسي آخر ورقة من الظرف.
كانت رسالة قصيرة مطوية بعناية.
فتحها، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
يا طارق... لو الرسالة دي اتفتحت، يبقى أنت بالفعل كسرتني. مش زعلانة إنك نسيت تعبي، لأن الفضل لله. لكن وجعني إنك خجلت من اسمي. أنا خرجت من البيت قبل ما ضيوفك يوصلوا، عشان أوفر عليك الإحراج اللي كنت خايف منه. ومن النهارده، اعتبر إن الدادة اللي ربتك ماتت. أما أختك... فأنت اللي دفنتها وهي لسه عايشة.
انتهى من القراءة...
ومحدش نطق.
نانسي كانت دموعها نازلة في صمت.
بصت لطارق وقالت
أنا كنت فخورة إني هتجوز راجل ناجح... لكن النجاح اللي مبني على إنكار أقرب الناس ليك، ده مش نجاح.
طارق حاول يمسك إيدها.
هي سحبتها بهدوء.
لكن قبل ما أي حد يتكلم...
رن جرس الباب.
الجميع بص ناحية الباب باستغراب.
الخادمة فتحت...
وقالت بصوت متردد
في محامي برة... بيقول لازم يقابل الدكتور طارق حالًا، ومعاه ظرف بيقول إنه من الأستاذة حنان.
طارق اتجمد مكانه...
لأن المحامي قال جملة واحدة قبل ما يدخل، خلت قلبه يقع
الأستاذة حنان طلبت مني أسلم الظرف ده بعد ما تسيب البيت بساعة... وفيه قرار هيغيّر حياة الدكتور طارق بالكامل الباب اتفتح...
دخل المحامي بهدوء، شايل حقيبة جلد سودة، وفي إيده ظرف أبيض كبير مختوم بالشمع الأحمر.
سلّم على الموجودين باحترام، وبص لطارق وقال
حضرتك الدكتور طارق؟
طارق رد بصوت مبحوح
أيوه...
مدله الظرف، وقال
الأستاذة حنان مضت عندي على استلام، وطلبت أسلمه لحضرتك بعد مغادرتها البيت بساعة بالظبط، وأمام الشهود الموجودين.
أخد طارق الظرف، لكن إيده كانت بترتعش.
والد نانسي قال
افتحه.
طلع منه ورقة قانونية...
وبعدين مفتاح صغير مربوط بشريط أحمر.
وتحتهم جواب بخط حنان.
فتح الجواب بسرعة، وبدأ يقرأ في سره...
لكن المحامي قال
هي أوصت يتقري بصوت عالي.
طارق سكت.
فأخد والد نانسي الجواب وبدأ يقرأ
يا طارق...
متقلقش، أنا مش جاية أطالبك بحاجة. كل اللي صرفته عليك، وكل نقطة عرق نزلت مني، كنت بعتبرها صدقة لوجه الله.
لكن في حاجة واحدة مقدرتش أسيبهالك...
البيت اللي كنت هتقرأ فيه فاتحتك.
طارق رفع رأسه فجأة.
والد نانسي كمل
البيت ده باسمي أنا، وعمره ما اتنقل ليك. ومن النهارده أنا وهبته لدار أيتام، لأن الأطفال اللي ملهمش حد أولى بيه من واحد استعر من أخته.
طارق صرخ
مستحيل!
المحامي فتح الملف اللي معاه بهدوء، وأخرج عقد الملكية الأصلي.
قال
العقد بالفعل باسم الأستاذة حنان، وعقد الهبة تم تسجيله صباح اليوم.
عمّ الصمت المكان.
نانسي بصت حواليها في الشقة، ثم بصت لطارق وقالت
يعني... حتى البيت اللي كنت بتتباهى بيه قدامنا... مش بتاعك؟
طارق حاول يبرر
كنت ناوي أنقله باسمي بعدين...
لكن محدش كان بيسمعه.
وفي اللحظة دي...
المحامي قال
وفيه حاجة أخيرة.
فتح ظرفًا صغيرًا آخر، وأخرج مفتاح العيادة.
وقال
الأستاذة حنان طلبت أبلغ حضرتك إن في شخص هيستلم العيادة النهارده... لأنها كانت مرهونة لضمان قرض هي اللي كانت ضامناه، وبعد ما سحبت ضمانها، البنك نفذ الإجراءات.
طارق حس إن الأرض بتميد بيه.
خسر احترام الناس...
وخسر البيت...
ودلوقتي، العيادة اللي كان شايفها بداية مجده، بقت على وشك تضيع منه.
أما حنان...
ففي نفس اللحظة، كان القطار بيبعد بيها عن المدينة، وهي لأول مرة من سنين، حاسة إن الحمل اللي شالته عمر كامل بدأ ينزل من على قلبها طارق قعد على سرير حنان القديم، وإيده بترتعش وهو فاتح الدفتر.
ريحة الأوضة كانت لسه زي ما هي...
ريحة صابون رخيص، وريحة الست اللي عاشت عمرها كله لغيرها.
فتح أول صفحة.
كان التاريخ من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
النهارده طارق دخل أول يوم حضانة... فضل يعيط وهو ماسك في طرحيتي، ولما رجعت أخده جري عليا وقال وحشتيني يا أمي. ضحكت... وقلتله أنا أختك يا حبيبي. رد وقال لأ... إنتِ كل حاجة.
طارق حط إيده على وشه.
وقلب الصفحة.
كل صفحة كانت حكاية...
مرة عن أول جزمة اشترتهاله.
مرة عن أول مرة جاب مجموع ودخل ثانوي.
مرة عن الليالي اللي كانت تنام من غير عشا علشان هو ياكل.
وفي صفحة، كانت دموعها ناشفة فوق الورق.
الدكتور قال لازم العملية بسرعة. معنديش فلوس. فكرت أبيع الأرض... مش كفاية. وافقت أتبرع بكليتي. أهم حاجة طارق يكمل حلمه. يا رب عمره ما يعرف.
طارق انهار.
أخد الدفتر وحضنه وهو بيصرخ
سامحيني يا حنان... سامحيني.
لكن الأوضة كانت فاضية...
ومفيش حد يرد.
وهو بيقلب آخر صفحات الدفتر...
وقع ظرف صغير كان مستخبي بين الورق.
مكتوب عليه
لا يتفتح إلا لو حسيت يوم إنك بقيت لوحدك.
طارق فتحه بسرعة.
كان جواه صورة قديمة...
هو وحنان.
هو عنده خمس سنين، وهي شايلاه على كتفها وبتضحك.
وورا الصورة، مكتوب بخطها
لو الدنيا كلها سابتك يا طارق... كنت هفضل أنا جنبك. لكن اليوم اللي تستعر مني فيه... يبقى وجودي جنبك بقى ظلم ليا، مش رحمة ليك.
وفي قاع الظرف...
كان فيه قصاصة ورق صغيرة جدًا.
عليها اسم مدينة...
ورقم دار للمسنات.
اتسعت عيون طارق.
همس
يعني... هي راحت هناك؟
مسك مفاتيحه، ونزل يجري على عربيته.
وكان مستعد يقطع مئات الكيلومترات...
فقط ليقول لها كلمة واحدة...
حقك عليا.
لكن ما كانش يعرف...
إنه لما يوصل دار المسنات، هيسمع من المديرة خبرًا هيقلب حياته من جديد... ولن يجرؤ بعدها حتى على طلب المسامحة القطار كان بيشق طريقه وسط الأراضي الزراعية...
حنان كانت قاعدة جنب الشباك، ماسكة شنطة هدومها الصغيرة، وباصّة للزرع وهو بيجري.
أول مرة من تلاتين سنة...
ما كانتش شايلة هم حد غير نفسها.
لكن قلبها... كان لسه بيوجعها.
كل شوية تفتكر طارق وهو طفل صغير، بيجري عليها أول ما ترجع من الشغل ويحضنها ويقول
إنتِ أمي.
فتغمض عينيها بسرعة، كأنها بتهرب من الذكرى.
في الناحية
تم نسخ الرابط