اخويا بقلم نور محمد

لمحة نيوز

التانية...
طارق كان قاعد على الكنبة، والبيت مليان صمت.
نانسي قامت من مكانها، قلعت دبلة الخطوبة، وحطتها على الترابيزة.
قالت وهي دموعها نازلة
أنا كنت ممكن أعيش مع راجل فقير...
لكن مستحيل أعيش مع راجل خان اللي رباه.
طارق حاول يقرب منها.
نانسي... اسمعيني.
ردت من غير ما تبصله
اللي يبيع أخته... هيبيع أي حد.
وأبوها وقف وقال
الزيارة انتهت.
خرجوا كلهم...
وسابوه واقف لوحده في الصالة.
بص حواليه...
كل ركن في البيت كان بيفكره بحنان.
الستارة اللي اختارتها.
السفرة اللي اشترتها بالقسط.
النجفة اللي فضلت سنة تحوش تمنها.
وفجأة...
وقع على ركبته.
وبكى.
أول مرة يبكي من سنين.
لكن الدموع دي...
كانت متأخرة جدًا.
في اليوم التالي...
لف المدينة كلها.
راح محطة القطر.
سأل على حنان.
راح المصنع القديم.
راح البيوت اللي كانت بتشتغل فيها.
كل الناس قالوله نفس الجملة
إنت جيت تدور عليها دلوقتي؟
واحدة من الستات العواجيز قالتله وهي بتقفل الباب
كانت بتقول طول عمرها إنك سندها...
واضح إنها كانت غلط.
طارق خرج وهو حاسس إن كل كلمة بتخبطه في قلبه.
وفي آخر النهار...
افتكر حاجة.
حنان كان ليها دفتر قديم، كانت بتكتب فيه كل حاجة.
لو لسه موجود...
ممكن يعرف راحت فين.
جري على الشقة قبل ما تتسلم رسميًا لدار الأيتام.
طلع أوضة حنان...
فتح الدولاب.
ملقاش غير رف واحد فاضي...
وعليه دفتر بني صغير.
ولما فتح أول صفحة...
اتجمد مكانه.
لأن أول سطر كان مكتوب فيه
إذا كنت بتقرأ الدفتر ده يا طارق... يبقى يا إما ندمت بجد... يا إما خسرت كل حاجة طارق ساق عربيته طول الليل.
ولا حس بطريق... ولا مطب... ولا حتى تعب.
كل اللي كان في دماغه إنه يلحق حنان قبل ما تضيع منه للأبد.
أول ما وصل دار المسنات، دخل وهو بينهج.
قال لموظفة الاستقبال
لو سمحت... أنا بدور على الأستاذة حنان.
الموظفة بصت في الكمبيوتر، وسألته
حضرتك تقربلها إيه؟
طارق نزل برأسه وقال لأول مرة من قلبه
أنا... أخوها.
الموظفة ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت
استنى دقيقة.
دخلت مكتب المديرة.
وبعد دقائق خرجت المديرة، ست كبيرة ملامحها كلها وقار.
بصت لطارق طويلًا، وقالت
أنت الدكتور طارق؟
هز رأسه.
قالت
الأستاذة حنان حذرتني إنك ممكن تيجي.
قلبه دق بسرعة.
هي فين؟ عايز أشوفها... أرجوكي.
تنهدت المديرة، وقالت
للأسف... هي مش هنا.
طارق اتخض.
يعني إيه مش هنا؟
قالت بهدوء
جات من يومين، دفعت تبرعًا للدار، وقعدت معانا ساعات. كانت ناوية تقيم هنا، لكن غيرت رأيها قبل ما تمضي أوراق الإقامة.
طارق اتنفس الصعداء.
الحمد لله... راحت فين؟
المديرة فتحت درج مكتبها، وأخرجت ظرفًا.
وقالت
قالت لي لو أخويا جه، سلميه الظرف ده... لكن بعد ما تقوله الخبر الأول.
طارق مسك الظرف.
وسأل بقلق
خبر إيه؟
المديرة بصت في عينيه وقالت
حنان سابت كل اللي تعرفهم... وسافرت محافظة تانية، وطلبت محدش يبلغك عنوانها.
طارق حس إن رجليه خانوه.
قعد على أول كرسي قابله.
فتح الظرف بسرعة.
كان فيه جواب بخط حنان
يا طارق... لو وصلت لحد هنا، يبقى ضميرك صحي. وأنا فرحانة إن ربنا لسه سايب في قلبك حتة خير.
لكن متدورش عليا. أنا قضيت عمري كله بدور على راحتك، وجي الوقت أدور فيه على راحتي أنا.
لما كنت طفل، كنت كل حياتي. ولما كبرت، بقيت أكبر وجع في حياتي.
متخافش... أنا مسامحاك عند ربنا. لكني مش قادرة أرجع أعيش مع حد كسرني بالطريقة دي.
اعتبر إن ليك أخت كانت بتحبك جدًا... وماتت يوم ما طلبت منها تلبس هدوم الشغالات.
وقعت الرسالة من إيد طارق.
وبكى...
بكاءً لم يعرفه من قبل.
وفي اللحظة دي، دخلت موظفة صغيرة على المديرة وهمست لها
يا مدام... في سيدة برة بتسأل لو الدكتور طارق وصل.
رفع طارق رأسه بسرعة.
واتجهت كل الأنظار نحو باب الدار...
لكن الشخص الذي وقف عند الباب لم يكن حنان... بل امرأة تحمل حقيبة قديمة، وقالت
أنا جاية أنفذ آخر وصية طلبتها مني الأستاذة حنان... واللي فيها الحقيقة الكاملة الست دخلت بهدوء...
كانت في أواخر الخمسينات، ملامحها بسيطة، لكن عينيها مليانة حزن.
حطت الحقيبة على المكتب، وبصت لطارق.
وقالت
أنا اسمي أمينة... كنت جارة حنان من أكتر من عشرين سنة.
طارق مسح دموعه وقال
هي فين؟ بالله عليكي قوليلي.
هزت رأسها بالنفي.
وعدتها إني حتى لو عرفت مكانها... مش هقول.
طارق نزل برأسه في الأرض.
قالت أمينة
لكنها قالتلي أسلمك الحقيبة دي لو شفت في عينيك ندم حقيقي.
فتحت الحقيبة...
وطلعت منها عشرات الأظرف الصغيرة، وكل ظرف مكتوب عليه سنة.
2003...
2006...
2010...
2015...
2022...
وقالت
دي رسائل كانت بتكتبها ليك في كل مناسبة... عيد ميلادك، يوم تخرجك، أول يوم في شغلك... وكانت ناوية تديهالك لما تحس إنك بقيت راجل يقدّر التعب.
طارق فتح أول ظرف.
كان مكتوب فيه
يا رب أشوفك أحسن دكتور في مصر... وساعتها هنسى كل وجع شفته.
فتح ظرف تاني.
النهارده اشتريتلك أول بالطو أبيض... كنت فرحانة بيه أكتر منك.
فتح ظرف تالت.
أنا عارفة إنك ساعات بتتكسف مني قدام أصحابك... بس بقول لنفسي دي مرحلة وهتعدي.
طارق وقف فجأة.
كانت... كانت عارفة؟
أمينة دمعت عينيها.
من سنين.
وسكتت لحظة، ثم قالت
كل مرة كنت تعرف الناس عليها إنها الخالة... أو الجارة... كانت ترجع البيت وتعيط. لكن كانت تقول المهم مستقبله.
طارق حط إيده على قلبه.
حس إنه بيتكسر قطعة قطعة.
ثم أخرجت أمينة آخر ظرف.
كان مختلفًا...
ومكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا خسرتني.
طارق فتحه وهو بيرتعش.
وكانت فيه جملة واحدة فقط...
الابن الحقيقي مش اللي اتولد من بطنك... الابن الحقيقي هو اللي ما يكسفش من اسمك.
سكتت أمينة، ثم قالت
قبل ما أمشي... حنان قالتلي جملة أوصلها ليك.
طارق رفع عينه بسرعة.
قالت
قالت... لو جه يوم وندم، متقولوش إني وحشة... قولوله بس يعيش باقي عمره يعامل كل ست تعبت عليه كأنها أخته.
طارق انهار في البكاء...
ولأول مرة فهم...
أن بعض الكسور لا يجبرها الاعتذار، وأن بعض الأشخاص حين يرحلون من حياتنا، يتركون مكانًا لا يملؤه شيء.
تم.

تم نسخ الرابط