بنتي صحيت بقلم زهرة الربيع
بحذر...
وقال
لو التسجيلات عليه سليمة... فهي هتقولنا الحقيقة كلها.
يتبع...في القسم، الضابط كان بيقلب في ملف القضية، وفجأة وقف عند ورقة قديمة.
رفع عينه وبصلي وقال
إنتِ متأكدة إنك أول واحدة سكنت الشقة دي؟
استغربت.
أكيد... المالك قال إنها كانت فاضية.
الضابط هز رأسه وقال
لأ... كانت مؤجرة قبل كده.
قلبي انقبض.
لمين؟
فتح الورقة وقال
لسيدة مطلقة... معاها طفلة صغيرة.
سكت لحظة.
وسابت الشقة فجأة من غير ما تكمل العقد.
سألته بسرعة
اسمها إيه؟
قال
للأسف البيانات ناقصة... لكن عندنا رقم تليفون قديم.
اتصلوا بالرقم...
كان مغلق.
بعد ساعات من البحث، قدروا يوصلوا لعنوانها الجديد.
طلبوا مني أروح معاهم.
ركبنا العربية، وبعد ساعة وصلنا.
فتحت لنا ست في آخر التلاتينات، أول ما شافت الشرطة اترعبت.
لكن أول ما شافتني...
وشها اصفر.
قالت بصوت مهزوز
هو... رجع تاني؟
أنا اتجمدت.
قلت
إنتِ تعرفيه؟
قعدت على الكرسي وهي بترتعش.
وقالت
أنا كنت ساكنة في شقتك.
سكتت شوية، وبعدين كملت
وبنتي كانت كل يوم تقول نفس الكلام اللي بنتك قالته.
الهدوء اللي كان في الأوضة اختفى.
حتى الضابط بطل يكتب.
قالها
احكي من الأول.
قالت وهي ماسكة إيدي
بنتي كانت تصحى كل ليلة تقول... في راجل بيديني شوكولاتة.
بصيت لتاليا...
لقيتها مستخبية ورايا، وعينيها مليانة خوف.
الست كملت
في الأول افتكرت إنها أحلام.
لكن بعد أيام، لقيت شوكولاتة تحت السرير.
وبعدين بدأت أحس إن في حد دخل البيت وأنا نايمة.
بلعت ريقها بصعوبة.
بلغت... لكن مفيش دليل.
فنقلت من الشقة وهربت.
الضابط سألها
ليه مبلغتيش تاني؟
نزلت دموعها.
لأن الناس قالوا إني بتخيل.
سكتت الأوضة كلها.
وفجأة قالت جملة خلت الضابط يقوم واقف
بس أنا فاكرة حاجة.
مرة بنتي رسمت الراجل.
طلعت من درج قديم كراسة رسم.
فتحتها.
كانت الرسمة مطابقة تمامًا لرسمة تاليا.
نفس الكاب.
نفس الخاتم.
ونفس المفتاح.
الضابط أخد الرسمة، وقال
يبقى إحنا قدام شخص بيكرر نفس الجريمة.
وفي اللحظة دي دخل عسكري يجري وهو بيقول
يا فندم... المعمل الجنائي بعت تقرير البصمات.
الضابط فتح الظرف بسرعة...
وبدأ يقرأ.
وفجأة...
اتغير لون وشه بالكامل.
وبصلي وقال
البصمات اللي على الكاميرا... مش لشخص غريب.
دي مطابقة لشخص دخل الشقة بشكل قانوني قبل كده...
لكنه لم ينطق بالاسم بعد الضابط فضل باصص في التقرير ثواني، كأنه بيتأكد إنه مش غلط.
أنا مقدرتش أستحمل.
قلت بعصبية
مين؟ قول يا فندم... مين؟
رفع عينه وقال
البصمات مطابقة لعامل صيانة كان مسجل دخوله العمارة قبل شهور... لكن في حاجة أغرب.
إيه؟
الاسم اللي مكتوب في سجل العمارة... طلع مزور.
سكتنا كلنا.
كمل
البطاقة اللي قدمها وقتها مزيفة، ورقم التليفون مزيف، وحتى العنوان اللي كتبه غير موجود.
يعني الراجل كان مخطط لكل حاجة من البداية.
بدأت المباحث تراجع كاميرات الشوارع اللي حوالين العمارة، مش ليلة واحدة... لكن كل الليالي اللي فاتت.
وبعد ساعات من المراجعة...
اكتشفوا حاجة مرعبة.
كل يوم تقريبًا، في نفس التوقيت، كان نفس الشخص يظهر آخر الشارع.
ماكانش بيدخل العمارة كل ليلة.
كان يقف بعيد...
يراقب.
يتأكد إن الأنوار اطفت.
وبعدين يمشي.
كأنه كان بيدرس حياتنا يومًا بعد يوم.
الضابط قال
ده كان بيختار الوقت المناسب بعناية.
بعد يومين، وصل بلاغ من محافظة تانية.
بواب إحدى العمارات اتصل بالشرطة بعدما شاف صورة المشتبه به في النشرة.
قال إنه شاف نفس الشخص بيحاول يستأجر شقة، وكان بيسأل سؤالًا غريبًا جدًا
في العمارة دي... في ستات عايشين لوحدهم ومعاهم أطفال؟
الجملة دي خلت القضية تاخد اتجاه أخطر.
بدأت الشرطة تراجع بلاغات قديمة، واكتشفوا إن في أكتر من أم مطلقة اشتكت قبل كده من محاولات دخول غامضة، لكن مكنش فيه دليل كافي وقتها.
بعد أقل من 48 ساعة...
جات مكالمة للضابط.
اتحدد مكان المشتبه به.
اتحركت قوة من المباحث، وحاصرت المكان.
لكن أول ما حس بوجودهم...
حاول يهرب من الباب الخلفي.
فضل يجري بين الأراضي الزراعية، والضباط وراه.
وبعد مطاردة طويلة...
وقع واتقبض عليه.
ولما فتشوا الشنطة اللي كانت معاه...
لقوا مجموعة مفاتيح كبيرة.
كل مفتاح عليه ورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان.
ومن بينهم...
عنوان شقتي.
ولقوا كمان أدوات لنسخ المفاتيح، وقفازات، وعدة أشياء استخدمها في تنفيذ جرائمه.
لما الضابط كلمني يقولي إنه اتقبض عليه...
حضنت تاليا لأول مرة وأنا حاسة إن الخطر انتهى.
لكن لما بدأت التحقيقات...
اكتشفوا مفاجأة جديدة...
الرجل رفض يتكلم نهائي.
إلا لما طلب طلبًا واحدًا.
قال للمحقق
أنا هحكي كل حاجة... بس عايز أقابل الست اللي بنتها كسرت خطتي.
يتبع...دخلت غرفة التحقيق وأنا مترددة.
الضابط قال لو مش حابة، مش لازم تدخلي.
بصيت لتاليا، كانت قاعدة برة مع إحدى الشرطيات، بترسم في كراسة جديدة.
أخدت نفسًا عميقًا ودخلت.
كان قاعد مكبل، رأسه في الأرض.
أول ما رفع عينه وشافني... ابتسم ابتسامة باردة.
قال أخيرًا قابلتك.
أنا مردتش.
الضابط قال قول اللي عندك.
تنهد وقال
أنا كنت بدور على بيوت الستات اللي عايشين لوحدهم... لأنهم أقل ناس حد هيصدقهم لو اشتكوا. كنت أراقب المكان أيام، ولما أدخل مرة كعامل أو فني، أخد بصمة المفتاح وأركب كاميرا صغيرة. بعد كده أعرف كل مواعيدهم.
سكت لحظة.
لكن بنتك... هي الوحيدة اللي بوظت كل حاجة.
بصيتله باحتقار.
قال
الأطفال غالبًا بيناموا بعمق... أو يفتكروا اللي شافوه حلم. لكن بنتك كانت بتصحى كل مرة، وكانت تفضل تراقبني. عشان كده كنت أديها شوكولاتة وأقولها ده سر.
صرخت فيه
حسبنا الله ونعم الوكيل فيك.
نزل رأسه ومقالش كلمة.
بعد اعترافه، النيابة واجهته بالأدلة تسجيلات الكاميرات، المفاتيح، أدوات النسخ، والكاميرا التي عُثر عليها في الشقة، بالإضافة إلى بلاغات أخرى من ضحايا تعرفوا عليه.
لم يستطع الإنكار.
وبعد شهور من المحاكمة، صدر الحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة، مع إلزامه بالخضوع للعلاج النفسي، ومنعه من أي عمل يتيح له دخول منازل الناس.
أما أنا...
بعت الشقة نهائيًا.
واشتريت شقة صغيرة في مكان جديد.
أول حاجة عملتها كانت تغيير جميع الأقفال، وتركيب باب أمان وكاميرات وإنذار.
أما تاليا، فبدأت جلسات دعم نفسي مع أخصائية أطفال.
في البداية كانت تخاف من الليل.
ثم بقت تنام والنور مفتوح.
وبعد شهور...
رجعت تطفي النور بنفسها، وتنام وهي حاضنة دبدوبها وتبتسم.
وفي أول يوم مدرسة، وهي خارجة، وقفت عند الباب وقالت لي
ماما... لو أي حد قالي ده سر بينا، أقولك على طول.
حضنتها بقوة، ودموعي نزلت.
وقلت لها
أيوه يا حبيبتي... مفيش سر بين الطفل وأمه أو أبوه لو حد طلب منه يخبيه. ولو أي حد حاول يلمسك أو يضايقك أو يديكي هدية عشان تسكتي، لازم تقولي فورًا.
ابتسمت وهزت رأسها.
عدت سنين...
وكل ما كنت أبص لها وهي بتكبر قدامي، كنت أحمد ربنا إنها اتكلمت.
لأن كلمة واحدة قالتها طفلة عمرها خمس سنين...
أنقذتها، وأنقذت غيرها من الأطفال.
تمت.