وانا عندي عشر سنين بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

وهو بيبص لأمه
أنا فعلًا فاكر اليوم ده.
قلبي وقف.
بصيتله من غير ما أحس.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
وفاكر كمان حاجة تانية... حاجة محدش يعرفها غيري.
أمي اتجمدت في مكانها.
وسما بطلت ضحك.
أما أنا... فحسيت لأول مرة من تسع سنين إن السر اللي أمي دفنته، ممكن يطلع للنور في أي لحظة... لكن محدش كان متوقع إن اللي هيقوله يونس بعد ثواني هيقلب البيت كله، ويخلي أمي نفسها تتمنى لو الزمن يرجع لورا يونس سكت لحظة، وكأنّه بيختار كل كلمة بعناية.
قال وهو بيبص قدامه
فاكر يومها... لأنها ماعملتش أي حاجة غلط.
اتسعت عيون أمي، وقالت بسرعة وهي بتحاول تضحك
إيه الكلام ده؟ أنت كنت طفل ساعتها، هتفتكر إيه يعني؟
لكن يونس كمل بنفس الهدوء
فاكر إنها كانت واقفة قدام بيتنا، وأنا اللي كنت بلعب بالكرة. هي حتى ماكلمتنيش. أنا اللي رحت سألتها اسمها.
الصالة كلها سكتت.
وأنا حسيت إن نفسي اتقطع.
لأول مرة... حد غيري بيتكلم عن اليوم اللي غير حياتي.
قال يونس
بعدها بكام يوم اختفت. بقيت كل ما أشوفها ألاقيها لابسة هدوم ولاد، وشعرها اتقص. وأنا كنت صغير ومفهمتش ليه.
أم يونس بصت لأمي باستغراب وقالت
هو حصل إيه للبنت علشان كل ده؟
أمي ردت بسرعة
دي حاجات تخص تربيتنا.
لكن والد يونس قال بهدوء
التربية عمرها ما تكون عقاب مستمر لتسع سنين.
الجملة وقعت على أمي كأنها حجر.
أمي قامت من مكانها وقالت بحدة
الموضوع انتهى.
ثم بصتلي وقالت
ادخلي أوضتك.
كنت متعودة أنفذ من غير نقاش... لكن المرة دي، رجلي ما اتحركتش.
وقفت مكاني لأول مرة.
أمي كررت بصوت أعلى
سمعتي؟ ادخلي أوضتك.
لكن قبل ما أرد، حصل شيء محدش كان متوقعه.
سما... أختي.
نزلت عينيها في الأرض وقالت بصوت واطي
ماما... كفاية.
الجميع بص لها.
رفعت رأسها وهي بتحاول تمنع دموعها، وقالت
أنا من زمان عارفة إن أختي مظلومة.
شهقة خرجت من أم يونس.
أما أمي، فاتغير لون وشها وقالت بعصبية
إنتِ بتقولي إيه؟
سما بلعت ريقها، وقالت
لأني... سمعت الحقيقة بنفسي من سنين. وفضلت ساكتة... وخايفة.
كل الأنظار اتجهت لسما، بينما أمي بدأت تفقد هدوءها لأول مرة، وكأن السر اللي دفنته تسع سنين بدأ يخرج جزءًا بعد جزء... لكن ما قالته سما بعد ذلك كان كفيلًا بأن يقلب كل الموازين سما أخدت نفسًا طويلًا، وإيديها كانت بتترعش.
قالت بصوت متقطع
كنت عندي تسع سنين... وصحيت بالليل أشرب مية. سمعت ماما بتتكلم مع خالتي.
أمي صرخت فجأة
اسكتي!
لكن سما كملت، وكأنها لأول مرة لقت الشجاعة.
سمعتها بتقول لازم أكسر البنت دي من دلوقتي، قبل ما تكبر ويجرالها حاجة. لو خليتها تهتم بنفسها هتقع في الغلط.
الصالة سادها صمت تقيل.
أنا كنت ببص لسما وأنا مش مستوعبة.
هي كانت عارفة...
كل السنين دي وكانت شايلة السر لوحدها.
أمي حاولت تقاطعها
إنتِ صغيرة، وفهمتي الكلام غلط.
لكن سما هزت راسها.
لا... لأن خالتي قالتلك وقتها دي طفلة يا أختي، اللي حصل منها طبيعي، ما تعقديهاش.
أم يونس حطت إيدها على صدرها من الصدمة.
أما والد يونس فقال بهدوء
لو الكلام ده صحيح... فالبنت دي اتعاقبت سنين على حاجة كانت مجرد مشاعر طفلة.
أمي كانت بتتنفس بسرعة، وعينيها مليانة غضب وخوف.
وفجأة قامت من مكانها، ومشيت ناحيتي.
افتكرت للحظة إنها هتضربني.
لكنها وقفت قدامي مباشرة وقالت بصوت واطي، يكاد يكون همس
إوعي تفتكري إن حد هيخدك مني.
الكلمة دي خلتني أتجمد.
كانت أول مرة أحس إن اللي كانت بتعمله مش مجرد قسوة... كان فيه خوف غريب مسيطر عليها.
يونس كان بيتابع المشهد من غير ما يتكلم، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.
وقبل ما أي حد ينطق، دوى صوت جرس الباب فجأة.
رنّة طويلة وقوية.
الجميع بص ناحية الباب.
والدتي اتوترت بشكل واضح، وكأنها عرفت مين اللي واقف بره قبل حتى ما الباب يتفتح.
ولما الخادمة فتحت الباب... دخلت ست كبيرة في السن، أول ما عينيها وقعت عليّ، شهقت وقالت
لسه... لسه عاملة فيها كده؟!
اتغير لون وش أمي في لحظة، وقالت بصوت مرتجف لأول مرة
إنتِ... إيه اللي جابك هنا؟
والست ردت وهي ثابتة في مكانها
جيت... لأن خلاص، السكوت بقى ذنب الست دخلت بخطوات هادية، لكن وجودها وحده قلب جو البيت.
أمي قامت بسرعة وقالت بعصبية
إحنا عندنا ضيوف... الوقت مش مناسب.
لكن الست ما اهتمتش بكلامها.
بصتلي من فوق لتحت، وقفت قدامي لحظة، وعينيها دمعت.
وقالت بصوت كله أسف
يا بنتي... سامحيني.
استغربت، وقلت من غير ما أحس
أسامحك على إيه؟
ردت وهي بتتنهد
لأني سكت... وسكوتم خلّى عمرك كله يضيع.
الصالة اتجمدت.
يونس ووالدته ووالده بقوا مركزين معاها، وسما كانت باصة لأمها في خوف.
أمي قربت منها وقالت بصوت حاد
لو اتكلمتي... مش هسامحك.
الست بصتلها بثبات وقالت
إنتِ اللي محتاجة تسامحي نفسك.
وسكتت ثواني، ثم كملت
أنا الداية اللي ولدتك... ومن يوم ما كنتِ صغيرة وأنا داخلة البيت ده. وشفت كل اللي حصل بعد موضوع يونس.
قلبي دق بعنف.
قالت
كنت فاكرة إن أمها هتهدى بعد كام يوم... لكن كل مرة كنت أجي فيها ألاقي شعرها أقصر، وهدومها أبعد عن البنات، وعينيها مطفية أكتر.
أم يونس سألتها
وليه ما اتكلمتيش؟
نزلت الست رأسها وقالت بحزن
اتكلمت... أكتر من مرة. قلتلها البنت هتتعب نفسيًا. لكنها كانت ترد عليّ أنا بربيها بطريقتي.
أمي صرخت
أيوه! كنت بربيها! كنت خايفة عليها.
ردت الست بهدوء
الخوف يحمي... لكن ما يكسرش.
الكلمة دي خلت أمي تسكت للحظة.
أنا لأول مرة حسيت إن
تم نسخ الرابط