وانا عندي عشر سنين بقلم اماني سيد
حد شايف اللي جوايا.
لكن فجأة... يونس قام من مكانه.
بهدوء شديد، قال لوالده
يلا يا بابا.
والده استغرب
نمشي؟
قال
أيوه... لأن البيت ده محتاج يتكلم مع نفسه الأول.
أمي حاولت تمنعهم
استنوا... الموضوع اتفهم غلط.
لكن يونس وقف عند الباب، وبص ناحيتي للحظة قصيرة، وقال
في ناس بتغلط... وفي ناس بتدفع تمن الغلط. بس أصعب حاجة إن طفل يفضل يدفع التمن وهو كبر.
فتح الباب وخرج.
أما أنا... فوقفت مكاني، لأول مرة في حياتي، أحس إن الحقيقة بدأت تظهر، لكن الحساب الحقيقي بيني وبين أمي... لسه ما بدأش الباب اتقفل ورا يونس وأهله، وساد البيت صمت تقيل.
أمي فضلت واقفة مكانها، باصة ناحية الباب، كأنها فقدت السيطرة على كل حاجة كانت مرتباها.
أول واحدة كسرت الصمت كانت سما.
قالت وهي بتمسح دموعها
ليه يا ماما؟ ليه عملتي فيها كده كل السنين دي؟
أمي مردتش.
أنا بصيتلها لأول مرة من غير خوف.
وقلت بصوت كان بيرتعش، لكنه واضح
أنا عايزة أعرف... أنا عملت إيه وأنا عندي عشر سنين يستاهل كل ده؟
رفعت عينيها ناحيتي.
كان باين عليها إنها بتحارب نفسها.
لكن بدل ما تجاوب، قالت
ادخلي أوضتك.
هزيت راسي بالنفي.
لأ... المرة دي مش هدخل قبل ما أفهم.
اتغيرت ملامحها، لكن المرة دي ما صرختش.
قعدت على الكرسي ببطء، وحطت إيديها على وشها.
ولأول مرة في حياتي... شفت أمي بتعيط.
كان بكاء مكتوم، مليان تعب أكتر من الغضب.
قالت بصوت مكسور
أنا... كنت فاكرة إني بحميكي.
محدش اتكلم.
كملت وهي بتبص في الأرض
وأنا صغيرة، كان في بنت من قرايبنا حصلت لها مشكلة كبيرة بسبب علاقة بدأت وهي صغيرة... البيت كله اتدمر بعدها. ومن يومها فضلت عايشة بخوف مرضي. ولما شفتك بصيتي ليونس وإنتِ طفلة... اتخيلت أسوأ السيناريوهات.
أنا كنت بسمعها، لكن وجعي كان أكبر من أي تبرير.
قلت بهدوء
حتى لو خفتي... ليه حرمتيني من إني أكون بنت؟
أمي سكتت.
ماكانش عندها إجابة.
سما قربت مني، ومسكِت إيدي لأول مرة من سنين.
وقالت وهي بتبكي
سامحيني... كان نفسي أتكلم، لكن كنت بخاف منها.
بصيت لها، وضميت إيدها.
لأول مرة حسيت إن أختي مش خصمي.
لكن وأنا واقفة، وقعت عيني على صورة قديمة فوق الدولاب، كانت محطوطة في إطار صغير ومغطيها التراب.
شدتني ناحيتها.
طلعتها.
ولما مسحت التراب عنها...
اتجمدت في مكاني.
كانت صورتي...
وأنا عندي حوالي تسع سنين.
لابسة فستان أبيض، وشعري طويل، وبضحك من قلبي.
بصيت لأمي وأنا شايلة الصورة، وسألتها بصوت مخنوق
لو كنتِ كرهانة تشوفيني كده... ليه احتفظتي بالصورة دي كل السنين؟
أمي بصت للصورة... وانهارت في البكاء، لكنها ما ردتش.
وفي اللحظة دي، فهمت إن ورا الصورة دي حكاية تانية... حكاية عمرها ما اتقالت، ويمكن هي اللي هتكشف السر الحقيقي اللي فضل مستخبي كل السنين فضلت أمي تبص للصورة، وإيديها بترتعش.
مدّت إيدها ناحيتها، لكني رجعتها لورا.
قلت لأول مرة بثبات
لأ... جاوبي الأول.
رفعت رأسها ببطء، وقالت
الصورة دي... كنت كل ما أشوفها أفتكر البنت اللي كنت خايفة أخسرها.
قلت بمرارة
بس إنتِ خسرتيها فعلًا.
الجملة وقعت عليها كأنها صفعة.
محدش في البيت نطق.
بعد لحظات، قامت أمي واتجهت ناحية أوضتها. فتحت الدولاب، وطلعت صندوق خشب صغير، عليه تراب كأنه متفتحش من سنين.
رجعت بيه للصالة، وحطته على الترابيزة.
أنا وسما بصينا لبعض باستغراب.
فتحت الصندوق بمفتاح صغير كان متعلق في سلسلة قديمة.
جواه...
ربطات شعر ملونة.
توك.
صندل صغير.
وفستان وردي مطوي بعناية.
اتجمدت.
عرفته من أول نظرة.
كان الفستان اللي لبسته في عيد ميلادي الأخير... قبل ما كل حاجة تتغير.
مديت إيدي ألمسه، وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
قلت بصوت مبحوح
إنتِ... محتفظة بيهم؟
هزت رأسها وهي بتبكي.
ولا يوم قدرت أرميهم.
سما كانت دموعها بتنزل هي كمان.
قالت
يعني كنتِ بتحرميها منهم... وإنتِ مخبياهم؟
أمي ما ردتش.
فضلت باصة للفستان، وقالت
كل مرة كنت أفتحه... أقول لنفسي لما تكبر وتنسى، هرجعهولها.
ابتسمت بسخرية موجوعة.
نسيتِ إن العمر هو اللي كان بيجري... وإن كل سنة كانت بتاخد مني حاجة مش هترجع.
أمي غمضت عينيها.
كان واضح إنها لأول مرة تشوف حجم اللي عملته.
وفجأة...
رن هاتف البيت.
أمي بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
اسم المتصل كان...
خالة نادية.
أول ما شافت الاسم، حاولت تقفل المكالمة بسرعة.
لكن قبل ما تلحق، سما قالت
استني... مش دي خالتي اللي كانت بتقولك زمان إنك بتظلميها؟
أمي مسكت الموبايل بإيد مرتعشة.
وفي اللحظة دي... وصل إشعار برسالة صوتية من خالة نادية، مكتوب تحتها
بعتلك الحقيقة اللي أخفيتها عنها سنين... ولو إنتِ مش هتقدري تقوليها، يبقى لازم هي تسمعها بنفسها.
وانتشر الصمت في البيت من جديد... بينما عيون الجميع اتجهت نحو الهاتف، منتظرين ما تحتويه تلك الرسالة، غير مدركين أنها قد تغيّر كل ما كانوا يعتقدونه عن الماضي أمي فضلت ماسكة الموبايل بإيد مرتعشة، وكل ثانية كانت بتعدي كان التوتر بيزيد.
قلت بهدوء
شغلي الرسالة.
هزت رأسها بالنفي.
لأ.
سما قربت منها وقالت
يا ماما... كفاية. تسع سنين وهي بتستنى تعرف الحقيقة.
أمي غمضت عينيها، وضغطت على تشغيل الرسالة.
طلع صوت خالتي نادية واضح
لو الرسالة دي اتشغلت، يبقى معناها إنك لسه ماقدرتيش تقولي الحقيقة بنفسك. اسمعيني يا بنتي... واسمعيها هي كمان.
الصالة كلها سكتت.
كمل صوت خالتي
فاكرة اليوم اللي شوفتيها واقفة مع يونس؟ أنا كنت موجودة. البنت ماعملتش أي حاجة. كانت طفلة، وهو طفل. ولا كان بينهم كلام ولا تصرف غلط.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
الصوت كمل
أنا قلتلك وقتها إنك بتكبري الموضوع، وإن اللي بتحسي بيه خوف مش تربية. لكن إنتِ كنتِ مصرة.
أمي نزلت رأسها.
أما الرسالة، فكانت لسه فيها كلام.
وأصعب حاجة إنك بعد كده بقيتي تعامليها كل يوم على إنها مذنبة، وهي كانت كل يوم بتصدق إنها فعلًا عملت ذنب.
شهقت وأنا حاسة إن الكلام بيحكي حياتي حرفًا بحرف.
لكن فجأة...
الرسالة سكتت ثواني.
وبعدين قالت خالتي
وفي حاجة عمري ما قلتها ليها... لأنك طلبتي مني أسكت.
اتشدت أنفاسي.
أمي رفعت رأسها بسرعة، وكأنها عارفة الجملة اللي جاية.
لكن قبل ما خالتي تكمل...
ضغطت أمي بإيدها على زر إيقاف الرسالة.
وقامت واقفة وهي بتصرخ لأول مرة بصوت عالي
مش هينفع! مش هينفع تعرف!
بصيت لها بذهول.
وقلت
إيه اللي مش هينفع أعرفه؟
كانت بتتنفس بسرعة، ووشها شاحب.
ولأول مرة، قالت جملة عمرها ما خرجت منها
لأن الحقيقة دي... ممكن تخلّيكي تكرهيني طول عمرك.
ثم سكتت...
والرسالة الصوتية لسه ناقص منها دقيقة كاملة، دقيقة واحدة فقط، لكنها كانت تحمل السر الذي أخفته أمي طوال هذه السنوات أمي فضلت باصة للموبايل، وإيديها بترتعش.
بصيت لها وقلت بهدوء
شغلي آخر دقيقة... أنا استحملت تسع سنين، أقدر أستحمل الحقيقة.
سكتت ثواني... وبعدها ضغطت على زر التشغيل.
رجع صوت خالتي نادية
ولو وصلتي للجزء ده... يبقى لازم تعرفي حاجة يا بنتي. أمك غلطت في حقك، وغلطها كبير، لكن عمرها ما كانت بتكرهك. كانت مريضة بالخوف.
كملت الرسالة
بعد ما خالك توفى، وأمك شافت بعينيها بنت من قرايبنا حياتها اتدمرت بسبب سوء تربية أهلها، اتولدت جواها فكرة إن الشدة هي الحماية. كل ما كانت تشوفك بتكبري، كانت تخاف أكتر... وللأسف، خوفها خلاها تظلمك.
انتهت الرسالة.
الصالة غرقت في صمت.
أنا بصيت لأمي، وقلت والدموع في عيني
أنا مش زعلانة إنك خفتي عليّ... أنا زعلانة إنك عمرك ما وثقتي فيا.
انهارت أمي على الأرض وهي بتبكي.
قربت مني، ومسكِت طرف هدومي وقالت
سامحيني... كل يوم كنت بصحى أقول هصلح اللي عملته، وكل يوم كنت بخاف أواجهك. لحد ما السنين جريت.
كنت واقفة ساكتة.
القهر اللي جوايا ماكانش هيروح بكلمة آسفة.
لكن لأول مرة... حسيت إنها ندمت بجد.
بعد أيام، أمي دخلت أوضتي وهي شايلة شنطة صغيرة.
حطتها قدامي.
فتحتها...
لقيت فيها الفستان الوردي، وربطات الشعر، وصندل جديد، وفرشاة شعر.
ابتسمت وسط دموعي وقالت
مش هعرف أرجعلك طفولتك... لكن مش هضيع شبابك.
ولأول مرة من تسع سنين، خرجت مع أمي وسما نشتري هدوم أنا اللي اخترتها بنفسي.
كبر شعري مع الأيام، وبدأت أرجع أشوف البنت اللي كانت مستخبية جوايا.
أما يونس...
فبعد شهور، قابلني صدفة في الشارع.
ابتسم وقال
واضح إنك بقيتي مرتاحة.
ابتسمت لأول مرة من قلبي، وقلت
أيوه... أخيرًا بقيت أنا.
ابتسم باحترام، واتمنى لي الخير، ومشي في طريقه، ومشيت أنا في طريقي.
لأن بعض الناس بيكون دورهم في حياتنا إنهم يفكرونا بالحقيقة، مش إنهم يكونوا نهايتها.
ومع الوقت، علاقتي بأمي اتحسنت، لكنها فضلت تحاول تعوضني عن كل سنة ضاعت، وأنا اتعلمت إن المسامحة لا تعني نسيان الألم، لكنها تعني إنك ما تسيبش الألم يسرق باقي عمرك.
تمت.