من غير مايعرف

لمحة نيوز

الجزء الأول
من غير ما يعرف إن مراته هي صاحبة المستشفى جوزها طردها قدام كل العاملين
كل اللي موجودين في قسم العناية المركزة سكتوا لما عمر المنياوي شد كارنيه الشغل من على يونيفورم مراته.
وقال قدام الكل
إنتِ مرفودة يا مريم... ومش عايز أشوف وشك في المستشفى دي تاني.
الكارنيه المعدني وقع على الأرض، وزحف لحد ما وقف عند رجل واحدة من الممرضات.
لكن محدش اتحرك.
مريم فضلت واقفة مكانها.
ساكتة.
بتبص للراجل اللي عاشت معاه تسع سنين جواز.
وحواليها دكاترة وممرضين وعمال هي بنفسها علمت كتير منهم أول ما اشتغلوا.
ناس نزلت عينيها في الأرض.
وناس عملت نفسها مشغولة عشان تهرب من الموقف.
وعند باب القسم، كانت مدام سعاد، أم عمر، واقفة وهي بتراقب كل اللي بيحصل.
وبجوارها داليا، الممرضة الجديدة، اللي كانت مكلفة مؤخرًا بالمساعدة في بعض الملفات الإدارية الخاصة بتطوير المستشفى.
قالت داليا بهدوء
الإدارة محتاجة تبدأ مرحلة جديدة... وكل واحد هيشتغل في المكان المناسب ليه.
ابتسمت مدام سعاد وقالت
وده القرار الصح.
عمر بص لمريم وقال بلهجة حاسمة
الأمن هيوصلك لحد الباب.
مريم ردت في هدوء
مش محتاجة.
انحنت.
التقطت الكارنيه من على الأرض.
حطته في جيب بالطوها.
وبعدين مشت بخطوات ثابتة.
عدت على المرضى واحدًا واحدًا.
ولما وصلت لسرير عم حسين، ابتسمت وهي بتظبط الغطا عليه.
قال لها بصوت ضعيف
هترجعي يا بنتي... صح؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
اطمن... أهم حاجة تخف.
ثم خرجت من القسم.
عمر كان واقف يتابعها، وهو مقتنع إنه أنهى وجودها في المستشفى للأبد.
لكنه كان يجهل حقيقة واحدة...
الست اللي خرجت من الباب بهدوء...
كانت صاحبة التوقيع الوحيد اللي يقدر يوقف أي قرار إداري في المستشفى.
خرجت مريم إلى الجراج.
الجو كان ملبد بالغيوم.
وقبل ما توصل لعربيتها، بدأت قطرات المطر تنزل.
وقفت للحظات.
فتحت شنطتها تبحث عن مفاتيح السيارة.
فوقعت يدها على ظرف قديم لونه كريمي.
كان عليه اسمها.
بخط يد أبوها الراحل حسن الشافعي.
الظرف ده كان معاها من ست سنين.
وعمرها ما فتحته.
قبل وفاته بساعات، أبوها قال لها
لما تحسي إن الناس كشفت حقيقتها... افتحي الظرف.
وقتها افتكرت إن المرض هو اللي خلاه يقول الكلام ده.
لكن النهارده...
بعد اللي حصل...
حست إن اللحظة اللي كان يقصدها وصلت.
فتحت الظرف.
ماكانش فيه غير كارت صغير.
مكتوب عليه رقم تليفون.
وتحته جملة واحدة
اتصلي بالأستاذ فؤاد مراد... وما تمضيش على أي ورقة تخص المستشفى.
اتصلت بالرقم.
بعد الرنة الثانية رد رجل بصوت هادئ
أستاذ فؤاد مراد.
قالت بتردد
أنا... مريم حسن الشافعي.
ساد صمت طويل.
ثم قال الرجل
أخيرًا... كنت مستني المكالمة دي من سنين.
ارتبكت مريم.
حضرتك تعرفني؟
رد بهدوء
أعرف والدك... ووفيت له بوعد قطعته من ست سنين.
سألت بسرعة
بابا سابلي إيه؟
قال
مش فلوس...
ولا أرض...
ولا بيت...
اللي سابهولك أكبر من كل ده.
تعالي بكرة الصبح المكتب...
وهتعرفي ليه عمر كان مستعجل يبعدك عن المستشفى.
أغلق الخط.
ومريم فضلت تبص للمستشفى من بعيد.
وكان عندها إحساس إن حياتها كلها...
هتتغير من أول بكرة.
يتبع...الجزء الثاني
في صباح اليوم التالي...
وصلت مريم إلى مكتب الأستاذ فؤاد مراد.
المكتب كان قديمًا، مليئًا بالملفات والصور القديمة.
أول ما دخلت، وقف يستقبلها باحترام وقال
اتفضلي يا دكتورة مريم.
ابتسمت بحزن.
أنا ممرضة.
ابتسم هو الآخر وقال
يمكن دي وظيفتك... لكن دي مش كل حقيقتك.
اتجه ناحية خزنة حديدية كبيرة في آخر المكتب.
أخرج منها ملفًا جلديًا أسود، مختومًا بالشمع الأحمر.
ووضعه أمامها.
على الغلاف كانت مكتوبة عبارة واحدة
لا يُفتح إلا بحضور مريم حسن الشافعي.
ارتعشت يدها وهي تفتح الملف.
في الداخل...
وجدت عقد تأسيس مستشفى الرحمة.
وشهادات أسهم.
وتوكيلات قانونية.
ورسالة بخط يد والدها.
بدأت تقرأ
يا بنتي... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى الوقت المناسب جه. أنا ما كنتش غني، لكن كنت مؤمن إن المستشفى دي لازم تفضل رسالة إنسانية، مش مجرد مشروع تجاري.
دموعها نزلت لأول مرة.
واصلت القراءة.
أنا واحد من مؤسسي مستشفى الرحمة، ولما حسيت إن المرض بيقرب مني، نقلت حصتي كلها باسمك، لكن أوصيت إنها تفضل سر لحد اليوم اللي تتأكدي فيه مين بيحافظ على الأمانة... ومين بيطمع فيها.
رفعت رأسها بذهول.
يعني... أنا مالكة المستشفى؟
هز فؤاد رأسه.
إنتِ أكبر مساهم فيها... وبتملكي واحدًا وخمسين في المية من الأسهم.
شهقت مريم.
طب... عمر عمره ما عرف؟
لأ.
إزاي بقى المدير الإداري؟
اتعيّن بعقد إدارة... مش عقد ملكية. ودي حاجة مختلفة تمامًا.
سادت لحظة صمت.
ثم أخرج فؤاد ملفًا آخر.
وفي حاجة لازم تشوفيها.
فتح الملف.
كانت فيه صور لعقود بيع جزء من أرض المستشفى.
ومحاضر اجتماعات.
وخطابات موجهة لشركة استثمار.
قال فؤاد
من شهرين بدأت الإدارة تفاوض شركة كبيرة علشان تبيع جزء من أرض المستشفى.
سألته مريم
وده مخالف؟
مستحيل يتم من غير توقيع المالك الرئيسي... يعني توقيعك.
اتسعت عيناها.
لكن أنا ما شفتش أي ورقة.
ابتسم فؤاد.
وده سبب طردك.
قبل أن تسأله...
رن هاتف المكتب.
رد فؤاد.
ثم أغلق السماعة بعد ثوانٍ.
وقال
زي ما توقعت.
في إيه؟
الإدارة بتدور عليكي في كل مكان... وعايزين توقيعك النهارده قبل نهاية الدوام.
وقبل أن تتكلم...
وصل إلى هاتفها رسالة من عمر.
ارجعي المستشفى حالًا. في أوراق لازم تمضيها، وبعدها كل واحد يروح في طريقه.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم رفعت رأسها وقالت
أنا مش هرجع غير وأنا عارفة كل الحقيقة.
ابتسم فؤاد.
وده بالضبط اللي كان والدك مستنيه.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا من درج مكتبه.
وسلمه لها.
وقال
الظرف ده وصاني ما أسلموش ليكي إلا بعد ما تعرفي إنك المالكة.
فتحت مريم الظرف...
لكنها تجمدت مكانها.
لأن أول ورقة خرجت منه...
كانت قرارًا رسميًا موقعًا من والدها قبل وفاته...
يمنحها حق عزل المدير الإداري للمستشفى فورًا إذا ثبت أنه اتخذ أي قرار يضر بالمستشفى أو العاملين بها.
وفي أسفل الورقة...
كان موعد اجتماع مجلس الإدارة...
بعد ساعتين فقط.
يتبع...الجزء الثالث
نظرت مريم إلى الورقة في يدها.
كانت تقرأ الكلمات مرة وراء مرة، وكأن عقلها يرفض تصديق ما يراه.
يحق للمالك الرئيسي اتخاذ أي قرار لحماية المستشفى والعاملين بها.
رفعت عينيها إلى فؤاد.
يعني بابا كان عارف إن اليوم ده ممكن ييجي؟
هز فؤاد رأسه.
أبوك كان يعرف الناس كويس يا مريم. كان دايمًا يقول لي المشكلة مش في اللي يختلف معاك... المشكلة في اللي يبتسم لك وهو بيخطط لحاجة تانية.
سكتت قليلًا.
ثم سألت
لكن ليه ما قاليش؟
تنهد فؤاد.
لأنه كان خايف إنك تحملي هم أكبر منك. كان عايزك تعيشي حياتك بعيد عن صراعات الإدارة والمال.
نظرت مريم إلى الأوراق.
ثم قالت بهدوء
أنا طول عمري كنت فاكرة إني ضيعت حلمي لما سبت كلية الطب.
ابتسم فؤاد.
يمكن كنتِ فاكرة إنك بعدتي عن حلمك... لكن الحقيقة إنك كنتِ بتبني حلم أكبر.
في نفس الوقت...
داخل مكتب الإدارة بالمستشفى.
كان عمر جالسًا خلف مكتبه.
أمامه مجموعة من الأوراق.
قالت له داليا
هل أنت متأكد إنها هتمضي؟
رد بثقة
مريم طول عمرها بتثق فيا. هتيجي، وهتشوف إن الموضوع مجرد إجراءات.
لكن مدام سعاد كانت أقل اطمئنانًا.
قالت
أنا مش فاهمة ليه مستعجلين على الورق بالشكل ده؟
تغيرت ملامح عمر.
لأن المستثمرين منتظرين الرد النهائي. لو الصفقة تمت، المستشفى هتدخل مرحلة جديدة.
سألته أمه
ومريم؟
سكت عمر لحظة.
ثم قال
هتفهم بعدين.
لكن ما لم يعرفه عمر...
أن مريم لم تعد تلك الزوجة التي تصمت حتى لا تسبب مشاكل.
بعد ساعتين...
دخلت مريم قاعة مجلس الإدارة.
الجميع التفت إليها.
بعضهم اندهش.
وبعضهم شعر بالخجل من موقف الأمس.
أما عمر...
فوقف وهو يحاول إخفاء توتره.
قال بسخرية
رجعتي بسرعة.
لم ترد.
دخل فؤاد خلفها.
ووضع حقيبته على الطاولة.
قال بهدوء
قبل بداية الاجتماع... أحب أعرفكم بنفسي.
أنا الأستاذ فؤاد مراد، المحامي الخاص بالسيدة مريم حسن الشافعي.
عقد عمر حاجبيه.
محاميها؟
أخرج فؤاد ملفًا.
نعم.
ثم أخرج شهادة الأسهم الأصلية.
ووضعها أمام الجميع.
طبقًا للمستندات الرسمية... السيدة مريم حسن الشافعي هي المالكة الرئيسية لمستشفى الرحمة الدولي.
ساد الصمت.
واحد من أعضاء المجلس أخذ الورقة.
قرأها أكثر من مرة.
ثم قال
واحد وخمسون بالمئة؟
هز فؤاد رأسه.
بالضبط.
نظر الجميع إلى عمر.
وجهه تغير.
مستحيل...
قالها

تم نسخ الرابط