امي اشتغلت
برقم تالت.
وأول ما الطرف التاني رد، قال بسرعة
إلحقني... تعالى المطعم حالًا.
لكن فجأة...
الصوت اللي خرج من سماعة الموبايل خلاه يتجمد.
أجي ليه يا أستاذ شريف؟
شريف اتسمر.
مين؟
أنا المحاسب... اللي كنت قايل للكل إنه سافر.
المطعم كله بقى ساكت.
المحاسب كمل من الناحية التانية
أنا بره المطعم بقالى عشر دقايق... ومستني أطلع لما الحاج يسمح.
إيد شريف ارتعشت.
الموبايل وقع منه على الأرض.
في اللحظة دي...
باب المطعم اتفتح.
ودخل راجل في آخر الخمسينات، شايل شنطة مليانة دفاتر ومستندات.
أول ما شافه العمال...
واحدة منهم صرخت
أستاذ حسام!
المحاسب نفسه.
الراجل وقف قدام الحاج منصور.
وقال
آسف إني اتأخرت.
ثم حط الشنطة على الترابيزة.
وفتحها.
طلع منها عشرات الملفات.
وبعدين قال جملة خلت الأستاذ شريف يقفل عينه للحظة
كل النسخ الأصلية معايا... وكنت مستني اليوم ده من زمان.
ثم سحب ملف سميك، وحطه قدام الحاج.
وقال
ده مش ملف مرتبات بس...
وسكت لحظة وهو بيبص لشريف.
ده الملف اللي الأستاذ شريف كان مستعد يعمل أي حاجة... عشان محدش يشوفه.
يتبع...الراجل العجوز كان بينهج، وكأنه جري مسافة طويلة.
وقف عند الباب وهو ماسك في الكرسي عشان ما يقعش.
كل العيون اتلفتت ناحيته.
الحاج منصور سأله بهدوء
إنت مين؟
رد بصوت متقطع
اسمي عم رجب... كنت أول مدير تشغيل للمطعم.
الأستاذ شريف اتوتر وقال بسرعة
الراجل ده بطل يشتغل عندنا من زمان... ومش فاهم هو جاي ليه.
عم رجب بصله نظرة طويلة.
وقال
أنا جيت عشان ضميري.
سكت لحظة.
وبعدين شاور على الظرف.
الظرف ده أنا اللي ختمته بإيدي.
الحاج منصور حطه على الترابيزة.
وإيه اللي فيه؟
عم رجب هز رأسه.
لو فتحته دلوقتي... ناس كتير هتدخل في الحكاية، ويمكن الحقيقة تضيع وسط الكلام.
الحاج سأله
يبقى نعمل إيه؟
رد
اسأل الأستاذ شريف سؤال واحد بس...
لف الحاج ناحية شريف.
إيه هو السؤال؟
عم رجب قال ببطء
اسأله... فين حساب الرواتب الأصلي؟
في اللحظة دي...
وش الأستاذ شريف فقد لونه تمامًا.
حاول يرد، لكن الكلمات ما خرجتش.
الحاج كرر السؤال
فين حساب الرواتب الأصلي؟
شريف قال أخيرًا
اتقفل.
عم رجب ابتسم لأول مرة.
ابتسامة كلها أسف.
وقال
كدب.
ثم طلع من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
حطها قدام الحاج.
ده رقم الحساب.
والأهم...
اسم صاحب الحساب.
الحاج فتح الورقة ببطء.
أول ما قرأ الاسم...
رفع عينه ناحية الأستاذ شريف.
وقال بصوت هادئ
غريبة...
شريف بلع ريقه.
إيه؟
الحاج طوى الورقة تاني.
وقال
الحساب مش باسم الشركة.
ولا باسم مراتك.
ولا حتى باسمك.
المطعم كله سكت.
حتى أنا، رغم إني كنت طفل، حسيت إن كل الناس مستنية الجملة اللي بعدها.
لكن الحاج منصور اكتفى إنه حط الورقة جوه الملف، وقفله.
وقال
الكلام اللي بعد كده... هيغير مجرى الحكاية كلها.
يتبع...الحاج منصور فضل باصص للملف ثواني.
ولا حد في المطعم كان بيتنفس.
حتى صوت المطبخ اختفى.
مد إيده، وفك الشريط الأحمر اللي ماسك الملف.
أول صفحة كانت عبارة عن صورة.
مش صورة فلوس.
ولا عقود.
صورة جماعية لكل إدارة المطعم من سنتين.
الحاج قربها من عينه.
وسأل حسام
الصورة دي فيها إيه؟
حسام أشار على آخر الصف.
ركز على الشخص ده.
كل الموجودين قربوا يبصوا.
كان راجل لابس بدلة، واقف ورا الأستاذ شريف.
محدش من العمال افتكره.
الحاج سأل
مين ده؟
حسام رد
ده أول شريك في المطعم.
الأستاذ شريف قاطعه بسرعة
باع نصيبه ومشى.
حسام هز رأسه.
لأ... ما باعش.
ثم طلع عقدًا قديمًا.
ده عقد التأسيس الأصلي.
الحاج فتحه بسرعة.
كانت أسماء الشركاء مكتوبة بوضوح.
لكن قدام اسم الشريك الأول...
ماكانش فيه أي توقيع بيع أو تنازل.
الحاج رفع حاجبه.
يعني قانونيًا... لسه شريك؟
حسام قال
أيوه.
شريف بدأ صوته يعلى.
العقد ده ملغي!
حسام رد بهدوء
لو ملغي... فين العقد الجديد؟
سكت.
الحاج قلب الصفحة اللي بعدها.
طلع خطاب.
مكتوب بخط اليد.
وفي آخره توقيع نفس الشريك.
قرأ الحاج أول سطر بصوت منخفض
لو وصلكم الخطاب ده، يبقى أنا اختفيت قبل ما أقدر أتكلم...
المكان كله اتجمد.
واحد من العمال همس
اختفى؟
حسام قال
بعدها بثلاثة أيام... محدش شافه تاني.
الأستاذ شريف خبط الترابيزة بعصبية.
كفاية تمثيل!
لكن الحاج منصور ما ردش.
فضل يقلب في الملف.
لحد ما وصل لظرف أبيض صغير، مقفول بالشمع.
كان مكتوب عليه بخط كبير
يُفتح بحضور جميع العاملين.
الحاج رفع الظرف قدام الناس.
وقال
الظاهر إن الليلة دي... أطول بكتير مما توقعت.
وفي اللحظة دي...
اتفتح باب المطعم مرة تانية.
ودخل شخص كبير في السن، أول ما شاف الظرف، صرخ بصوت مرتعش
أوعوا تفتحوه... لأن أول ما الظرف ده يتفتح... اسم كبير جدًا هيتذكر قدام الكل.
يتبع...الحاج منصور سند ضهره على الكرسي.
وبص لكل واحد واقف في المطعم.
ثم قال بهدوء
من اللحظة دي... محدش هيتكلم غير لما أسأله.
ولا نفس اتسمع.
فتح الملف مرة تانية.
طلع الورقة الصغيرة اللي فيها رقم الحساب.
وحطها قدام الأستاذ شريف.
آخر مرة هسألك...
الحساب ده بتاع مين؟
شريف بص للورقة.
وشه اصفر.
إيده بدأت ترتعش.
حاول يرد...
لكن صوته اختفى.
الحاج قال
شكلك عارف الإجابة.
قبل ما شريف ينطق...
عم رجب قال
لأنه هو اللي كان بيودّع فيه الفلوس كل شهر.
الحاج بصله.
إنت شفته بنفسك؟
أكتر من مرة.
شريف صرخ
كفاية كذب!
لكن في نفس اللحظة...
المحاسب حسام فتح اللابتوب.
وقال
يا حاج... لقيت حاجة.
لف الشاشة ناحية الحاج.
كان كشف تحويلات.
تاريخ.
ومبلغ.
ورقم الحساب نفسه.
وكل تحويل خارج بعد يوم صرف المرتبات مباشرة.
الحاج سأل
مجموعهم كام؟
حسام بدأ يحسب.
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
ثم رفع عينه وقال
لحد آخر شهر...
المجموع عدى خمسة مليون جنيه.
همهمة قوية ملأت المطعم.
واحدة من العاملات بدأت تعيط.
ورجل كبير كان شغال في المطبخ قعد على أقرب كرسي وهو ماسك قلبه.
أما ماما...
فكانت ماسكة إيدي بقوة.
لدرجة إني حسيت صوابعها بتترعش.
الحاج منصور قفل اللابتوب.
وبص لشريف.
واضح إنك كنت فاكر إن محدش هيعرف.
شريف خد نفس طويل.
وبعدين...
ابتسم.
ابتسامة غريبة.
وقال لأول مرة من بداية المواجهة
يمكن... لأنكم بتدوروا في المكان الغلط.
الجملة نزلت على الكل كالصاعقة.
الح