كنت في غيبوبة
المحتويات
حاجة... هاتوها.
ارتجف جسد طارق.
هل يقصدون الخريطة؟
أم الوعاء؟
أم... أميرة نفسها؟
وقبل أن يسمع باقي المكالمة، شعر بيدٍ تمسك كتفه من الخلف.
التفت بسرعة...
فوجد كبير الأطباء ينظر إليه بوجه شاحب ويقول
لازم تيجي حالًا... أميرة حصل لها شيء غريب جدًا.
ركض طارق نحو غرفة العناية.
وجد الأطباء متحلقين حول السرير في صمت.
وعندما اقترب...
رأى أميرة ما زالت مغمضة العينين...
لكن يدها اليمنى كانت تتحرك ببطء فوق الملاءة، وكأنها تكتب شيئًا بإصبعها.
أسرع أحد الأطباء ووضع ورقة وقلم تحت يدها.
وبحركة متقطعة، بدأت ترسم ثلاثة أحرف فقط...
ثم توقفت.
نظر الجميع إلى الورقة.
وللحظة... لم يفهم أحد معناها.
إلا فؤاد.
فما إن رأى الأحرف حتى تراجع خطوة إلى الخلف، وسقطت باقة الزهور من يده، وهمس بخوف
مستحيل... هي لسه فاكرة...فؤاد حاول يتمالك نفسه، وانحنى بسرعة يلتقط باقة الزهور كأنه لم يقل شيئًا.
لكن طارق كان قد سمع الهمسة بوضوح.
اقترب منه وقال بحدة
فاكرة إيه؟! اتكلم!
ابتلع فؤاد ريقه، ثم قال وهو يتصنع الهدوء
أنت فهمت غلط... أنا كنت مصدوم بس.
لكن كبير الأطباء قاطعهم.
كان ينظر إلى شاشة الجهاز باستغراب شديد.
دي أول مرة يحصل نشاط عصبي بالشكل ده... واضح إنها بتحاول توصل رسالة.
أخذ طارق الورقة من فوق السرير.
كانت الأحرف الثلاثة مكتوبة بخط مهتز
ن... ع... د
ظل الجميع يحاول تفسيرها.
لكن ليلى، التي كانت تقف مع والدتها عند باب الغرفة، قالت فجأة
دي مش كلمة...
التفت الجميع إليها.
وأضافت بثقة
دي أول حروف من اسم مكان.
ساد الصمت.
اقترب طارق منها وسأل
إيه المكان؟
لكن الطفلة هزت رأسها.
جدتي قالت إن الاسم الكامل هيظهر لو أميرة صحيت.
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن إلى الغرفة وهو يحمل كاميرا المراقبة الخاصة بالدور.
قال للطبيب
حضرتك طلبت تسجيلات النهارده.
وبينما كانوا يراجعون الفيديو...
ظهر مشهد غريب.
قبل دخول ليلى إلى الغرفة بدقائق، ظهر رجل مسن يرتدي جلبابًا أسود.
وقف أمام باب الغرفة رقم 312.
ووضع يده على الوعاء الفخاري للحظات.
ثم اختفى من الممر...
لكن المفاجأة أن كاميرات الممر التالية لم تُظهره أبدًا.
وكأنه تبخر.
اقترب رجل الأمن وقال
راجعنا كل الكاميرات... الراجل ده دخل الممر، لكن مفيش أي تسجيل وهو خارج منه.
نظر طارق إلى ليلى بسرعة.
فسألها
الراجل ده تعرفيه؟
شحب وجه الطفلة.
ثم همست بصوت مرتعش
ده... ده جدي.
صُدمت والدتها.
وأمسكت بذراع ابنتها بقوة وهي تصرخ
إيه اللي بتقوليه؟! جدك مات من خمس سنين!ساد الصمت في الغرفة.
حتى أجهزة المراقبة بدت وكأن صوتها أصبح أعلى من أنفاس الموجودين.
والدة ليلى جذبت ابنتها بعيدًا وهي ترتجف.
اسكتي... متقوليش الكلام ده تاني.
لكن ليلى لم تبعد عينيها عن شاشة المراقبة.
وقالت بصوت منخفض
هو وعدني إنه هييجي النهارده... وقال لي أسلّم التراب للأستاذة أميرة.
طارق شعر بقشعريرة.
أما فؤاد، فبدأ يتراجع ببطء نحو الباب.
لاحظ طارق حركته، فصرخ
استنى!
لكن فؤاد فتح الباب وخرج مسرعًا.
ركض طارق خلفه في ممرات المستشفى.
كان فؤاد يلتفت كل لحظة ليتأكد أن أحدًا لا يسبقه.
وفجأة...
دخل إلى غرفة الأرشيف القديمة في آخر الممر وأغلق الباب خلفه.
وصل طارق بعد ثوانٍ، ودفع الباب بقوة.
لكن الغرفة كانت فارغة.
لا يوجد نافذة.
ولا باب آخر.
ولا أي مكان يمكن لرجل بالغ أن يختفي فيه.
وبينما كان يفتش المكان، لفت انتباهه درج خشبي مفتوح قليلًا.
فتحه...
فوجد ملفًا طبيًا قديمًا تعلوه طبقة كثيفة من الغبار.
وعلى الغلاف مكتوب
أميرة... الاسم قبل التبني.
تجمد مكانه.
أميرة أخبرته طوال حياتهما أنها ابنة والديها اللذين ربياها.
لم تذكر يومًا أنها كانت متبناة.
فتح الملف بسرعة...
لكن معظم الصفحات كانت ممزقة بعناية.
لم يتبقَّ سوى ورقة واحدة.
وفيها جملة قصيرة
يُحفظ هذا الملف بأمر مباشر من فؤاد، ويُمنع الاطلاع عليه أو نسخه.
وقبل أن يقلب الورقة...
سقطت من داخل الملف صورة صغيرة.
كانت لأميرة وهي طفلة لا تتجاوز الثالثة من عمرها.
تقف بين رجل وامرأة أمام نفس البيت الريفي الموجود في الصورة القديمة...
لكن المفاجأة أن الرجل لم يكن غريبًا.
طارق عرفه فورًا.
كان هو نفس الرجل الذي ظهر في كاميرات المراقبة قبل قليل...
والذي قالت ليلى إنه جدها المتوفى.
وفي أسفل الصورة، بخط باهت يكاد يختفي، كُتب
إذا وصلت هذه الصورة إلى يد طارق... فاعرف أن الحقيقة بدأت تخرج من تحت التراب، لكن أخطر جزء منها لم يُكشف بعد طارق شعر أن الأرض تميد تحت قدميه.
أعاد النظر إلى الصورة مرة... واثنتين... وثلاثًا.
لا مجال للخطأ.
نفس الوجه.
نفس العصا الخشبية التي كان يحملها الرجل في تسجيل الكاميرا.
لكن التاريخ المطبوع أسفل الصورة كان صادمًا.
15 أغسطس 1993.
همس طارق
إزاي... إذا كان الراجل مات من خمس سنين؟
وفجأة، دخلت ممرضة وهي تلهث.
أستاذ طارق... بسرعة!
ركض معها إلى غرفة العناية.
وجد الأطباء يقفون حول أميرة في ذهول.
كانت لا تزال في غيبوبتها...
لكن دموعًا كانت تنزل من عينيها المغلقتين.
ولأول مرة منذ الحادث، تحركت شفتاها.
اقترب الطبيب ووضع جهاز تسجيل بجوارها.
خرج صوت بالكاد يُسمع
...المفتاح...
ثم ساد الصمت.
نظر الجميع إلى بعضهم.
أي مفتاح؟
ومفتاح ماذا؟
في تلك اللحظة، رن هاتف طارق مرة أخرى.
نفس الرقم المجهول.
رد بسرعة.
جاءه نفس الصوت العجوز
ما قالته أميرة هو أول الطريق.
قال طارق بغضب
إنت مين؟!
رد الرجل
ابحث داخل الوعاء مرة تانية... أنت شفت الرسائل، لكنك ما شفتش المفتاح.
وانقطع الخط.
عاد طارق إلى الغرفة وأمسك الوعاء الفخاري.
هذه المرة قلبه بالكامل فوق قطعة قماش بيضاء.
انسكب التراب ببطء...
وظل يقلبه بيديه.
وفجأة سمع صوتًا معدنيًا صغيرًا.
سقط مفتاح نحاسي قديم، صغير الحجم، عليه نقش غريب يشبه شجرة تتوسطها دائرة.
لكن لم يكن المفتاح وحده.
كان مربوطًا به شريط جلدي قديم، تتدلى منه قطعة معدنية صغيرة منقوش عليها رقم واحد فقط
27
وقبل أن يلتقطه، دخل أحد رجال الأمن وهو يحمل ظرفًا مغلقًا.
قال
الظرف ده اتساب على الاستقبال من خمس دقائق، ومكتوب عليه اسم الأستاذ طارق.
فتح الظرف بسرعة.
لم يجد بداخله سوى ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط واضح
إذا استخدمت المفتاح قبل أن تعرف معنى الرقم 27... فلن تنقذ أميرة، بل ستفقدها إلى الأبد.
وفي أسفل الورقة...
كان هناك توقيع جعل الدم يتجمد في عروق طارق.
التوقيع لم يكن باسم شخص غريب...
بل كان توقيع أميرة نفسها... وكأنه كُتب قبل سنوات طويلة، وهي تعلم أن هذا اليوم سيأتي طارق ظل يحدق في التوقيع لدقائق.
كان يعرف خط أميرة جيدًا.
كل قوائم المشتريات، وكل الرسائل الصغيرة التي كانت تتركها له على الثلاجة... نفس طريقة كتابة حرف الألف، ونفس الميل الخفيف في آخر السطر.
همس لنفسه
مستحيل... الرسالة دي مكتوبة قبل الحادث بسنين.
قلب الورقة.
لم يكن هناك شيء...
لكن عندما مررها أمام ضوء نافذة الغرفة، ظهرت كلمات باهتة كأنها كُتبت بحبر سري.
استعار مصباحًا صغيرًا من أحد الأطباء وسلطه على الورقة.
بدأت الجملة تظهر تدريجيًا
لا تبحث عن الرقم في الأماكن... ابحث عنه في الأشخاص.
قطب طارق حاجبيه.
في الأشخاص؟
نظر حوله.
الطبيب...
الممرضة...
رجل الأمن...
ليلى...
والدتها...
وفؤاد الذي اختفى.
وفجأة تذكر شيئًا.
في الملف القديم، كانت هناك بطاقة ممزقة لم ينتبه لها.
أخرجها من جيبه.
في زاويتها السفلية رقم صغير
ملف رقم 27.
وفي نفس اللحظة، دخل موظف الأرشيف إلى الغرفة وهو يسأل
مين الأستاذ طارق؟
التفت إليه.
قال الموظف
وأنا برتب الملفات النهارده، لقيت صندوق حديدي قديم مكتوب عليه 27. المفروض اتعدم من سنين، بس حد خبّاه وراء الدولاب.
شعر طارق بأن أنفاسه تسارعت.
فين الصندوق؟
في الأرشيف... لكن الغريب إن القفل بتاعه قديم جدًا، ومفيش مفتاح فتحه.
نظر طارق ببطء إلى المفتاح النحاسي الموجود في يده.
كان بنفس الحجم...
ونفس شكل الفتحة المرسوم على القفل في الصورة التي التقطها الموظف بهاتفه.
وقبل
متابعة القراءة