كنت في غيبوبة

لمحة نيوز

أن يتحرك الجميع نحو الأرشيف...
دوى إنذار حريق في المستشفى.
أضاءت الأضواء الحمراء.
وانطلقت صفارات الإنذار في كل الطوابق.
بدأ المرضى والممرضون يخرجون في فوضى.
لكن وسط الزحام...
صرخت إحدى الممرضات فجأة
سرير أميرة... اختفى!
التفت طارق بسرعة نحو غرفة العناية...
فوجد الباب مفتوحًا...
والغرفة خالية تمامًا طارق اندفع إلى داخل الغرفة بجنون.
نظر أسفل السرير...
خلف الستائر...
حتى داخل الحمام الصغير الملحق بالغرفة.
لا أحد.
الأجهزة ما زالت تعمل، والأسلاك مقطوعة بعناية، وكأن من نقل أميرة يعرف تمامًا ما يفعل.
صرخ في الممر
اقفلوا كل مخارج المستشفى!
لكن أحد أفراد الأمن رد وهو يلهث
كل الأبواب اتقفلت أوتوماتيك بسبب إنذار الحريق... محدش خرج.
تجمد طارق.
إذا كانت لم تخرج...
فأين اختفت؟
في تلك اللحظة، جاء فني كاميرات المراقبة يحمل جهازًا لوحيًا.
قال
راجعنا التسجيلات.
فتح المقطع.
ظهر ممر العناية المركزة.
الممرضات يركضن بسبب الإنذار...
ثم ظهر شخص يرتدي ملابس طبيب كاملة، وكمامة تغطي وجهه، يدفع سرير أميرة بهدوء، وكأنه يؤدي عملًا عاديًا.
لم يلفت انتباه أحد.
لكن عندما أوقف الفني الصورة وقرّبها...
ظهر شيء غريب.
الحذاء الذي يرتديه ذلك الطبيب لم يكن حذاءً طبيًا.
كان حذاءً جلديًا بنيًا، عليه خدش طويل في مقدمته.
طارق شهق.
لقد رأى هذا الحذاء قبل ساعات...
كان يرتديه فؤاد.
وفي اللحظة نفسها، دوى صوت من جهاز النداء الداخلي للمستشفى.
صوت رجل مجهول قال بهدوء
يا طارق... لو عايز تشوف أميرة تاني، تعال وحدك إلى الأرشيف.
انقطع الصوت.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال ضابط الأمن
ممكن يكون فخ.
لكن طارق لم يتردد.
قبض على المفتاح النحاسي، وانطلق نحو الأرشيف.
وصل إلى الباب الحديدي القديم.
كان مفتوحًا نصف فتحة.
دفعه ببطء.
الغرفة مظلمة.
وفي آخرها...
كان الصندوق المعدني رقم 27 ينتظره فوق طاولة خشبية.
ولا يوجد أحد.
اقترب بخطوات حذرة.
أدخل المفتاح في القفل.
دار بسهولة...
وانفتح الصندوق بصوت معدني ثقيل.
داخله لم يكن مالًا ولا أوراقًا...
بل شريط تسجيل كاسيت قديم، ومعه جهاز تشغيل صغير، ومظروف مغلق مكتوب عليه بخط أميرة
لا تشغل الشريط إلا إذا كنت وحدك تمامًا... لأن الشخص الذي يقف بجوارك الآن، ليس كما يبدو طارق أغلق باب الأرشيف من الداخل.
نظر حوله ليتأكد أنه وحده تمامًا.
ثم وضع شريط الكاسيت في جهاز التشغيل.
ساد صمت ثقيل...
ثم خرج صوت أميرة، لكنه لم يكن صوتها الذي يعرفه، بل كان أصغر سنًا، وكأن التسجيل يعود لأكثر من عشرين عامًا.
قالت بهدوء
إذا كنت تسمع هذا يا طارق... فهذا يعني أن كل ما كنت أخشاه قد حدث.
توقف قلبه للحظة.
أكملت
أنا لم أخفِ الحقيقة لأنني لا أثق بك... بل لأن الحقيقة كانت أخطر من أن يعرفها أحد.
ثم سمع صوت رجل عجوز يقول في الخلفية
يكفي يا أميرة... إذا عرفوا مكان الأرض سيقتلون الجميع.
عاد صوت أميرة
أنا لست ابنة العائلة التي ربتني... ووالداي الحقيقيان دُفنا في قريتنا بعد أن حاولا حماية وثائق تثبت ملكية آلاف الأفدنة التي استولى عليها فؤاد وشركاؤه بالتزوير.
تجمد طارق.
الوعاء...
التراب...
الخريطة...
كلها كانت تقوده إلى نفس المكان.
وأكملت أميرة
لهذا احتفظت بعينة من تراب أرضنا... لأنها كانت تخفي المفتاح، والمفتاح يفتح الصندوق، والصندوق يقود إلى الحقيقة.
وفجأة انقطع التسجيل.
لكن الجهاز أصدر صوتًا آخر.
كان هناك تسجيل ثانٍ.
ضغط طارق زر التشغيل.
فسمع صوت فؤاد نفسه وهو يقول
لن يصدق أحد أنها كانت على حق... سأجعل الجميع يظنون أنها يتيمة، وسأخفي كل الملفات.
في تلك اللحظة، دوى صوت سيارات الشرطة خارج المستشفى.
كان ضابط المباحث قد وصل بعد أن أرسل طارق تسجيل المكالمة المجهولة ومقاطع الكاميرات إلى صديق قديم يعمل في الأمن.
وبعد دقائق، أُلقي القبض على فؤاد وهو يحاول الهرب من الباب الخلفي للمستشفى، وبحوزته أوراق الملكية الأصلية التي ظل يخفيها ثلاثين عامًا.
وبعد ساعات قليلة...
دخلت أميرة في عملية ولادة قيصرية ناجحة.
ووسط صرخات المولود الأول...
ارتجفت أصابعها.
ثم فتحت عينيها ببطء لأول مرة منذ شهور.
كان أول ما رأته طارق وهو يبكي ممسكًا بيدها.
ابتسمت بصعوبة، وهمست
التراب... رجّعني... ولا رجّع الحقيقة؟
ابتسم طارق وسط دموعه وقال
الاتنين... رجعتي إنتِ، ورجعت حقوق أهلك.
بعد أشهر، صدر حكم المحكمة بإعادة الأرض إلى أصحابها الحقيقيين بعد ظهور الوثائق الأصلية والتسجيلات، وحُكم على فؤاد وشركائه بالسجن بتهم التزوير وإخفاء الأدلة.
أما ليلى...
فعندما ذهب طارق ليشكرها ويشكر جدتها، علم من والدتها أن الجدة توفيت قبل عام كامل، وأن الوعاء الفخاري كان آخر شيء أوصت به قبل وفاتها، وقالت
سيأتي يوم تعرفون لمن يجب أن يصل.
احتفظ طارق بذلك الوعاء في بيته، ليس لأنه كان يؤمن أن التراب يصنع المعجزات...
بل لأنه أصبح رمزًا للحقيقة التي قد تُدفن سنوات طويلة، لكنها لا تبقى مدفونة إلى الأبد.

تم نسخ الرابط