سيدي

لمحة نيوز

أحد رجال الصيانة واضعًا يده على كتفها.
صرخت
نورا!
لكن باب المصعد انغلق.
ضغطت على زر الاستدعاء بعصبية، إلا أن الشاشة أظهرت أن المصعد نزل مباشرة إلى الطابق السفلي، وهو طابق لا يظهر في لوحة الزوار.
وخلفي مباشرة، دوّى صوت هادئ
لو نزلت وراهم من غير ما تعرف اللي جوه الظرف... ممكن تخسرها للأبد.
التفتُّ بسرعة.
كان الرجل الغريب قد لحق بي.
ثم أشار إلى الظرف الذي ما زلت أقبض عليه بقوة.
ولأول مرة منذ ثلاث عشرة سنة...
مزقت الختم وبدأت أخرج أول ورقة.
لكن قبل أن أقرأ السطر الأول، سقطت من داخل الظرف صورة صغيرة على الأرض...
ولم تكن صورة ريبيكا وحدها.
كانت صورة لي... وأنا أحمل طفلة رضيعة، وقد كُتب خلفها بخط يد ريبيكا
التقطت هذه الصورة في اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء... لكنك لا تتذكره انحنيت بسرعة والتقطت الصورة، ويدي ترتجف.
حدقت فيها طويلًا.
كنت أنا فعلًا... أصغر بثلاث عشرة سنة، أرتدي نفس المعطف الذي كنت أملكه وقتها.
لكن الشيء الذي هزني لم يكن الطفلة التي أحملها...
بل التاريخ المكتوب أسفل الصورة.
14 يناير.
اليوم نفسه الذي غادرت فيه المدينة، والذي كنت أقسم دائمًا أنني سافرت فيه مباشرة إلى نيويورك.
تمتمت
مستحيل...
فتحت الظرف بسرعة.
في الداخل كانت هناك عدة أوراق، لكن أول ورقة كانت رسالة قصيرة بخط ريبيكا.
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أشرح لك الحقيقة بنفسي. قبل أن تصدق أي شخص، تذكر شيئًا واحدًا... أنت لم ترحل في اليوم الذي تظنه. هناك يوم كامل مفقود من ذاكرتك.
توقفت عن القراءة.
يوم كامل؟
كيف يمكن لإنسان أن يفقد أربعًا وعشرين ساعة من حياته دون أن يشعر؟
قطع أفكاري صوت الرجل الغريب.
قال وهو ينظر إلى الرسالة
كنت عارف إنها هتكتب كده.
رفعت رأسي نحوه.
إنت كنت تعرف ريبيكا؟
أطرق برأسه للحظة، ثم قال
اشتغلت معاها فترة... وكانت بتخاف من اليوم ده.
مين إنت؟
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، عليه رقم محفور
B17
وقال
ده مفتاح لخزانة أمان في محطة القطار... قالت مايتفتحش إلا لو اختفت هي أو حصل خطر لنورا.
قبل أن أسأله أي سؤال آخر، اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
قال بصوت منخفض
لقوها...
مين؟
الرجالة اللي خدوا نورا... عرفوا إنك وصلت.
وفي اللحظة نفسها، دوى جرس إنذار داخل المستشفى، وبدأ الناس يخرجون من الممرات في حالة ارتباك.
وبين الزحام...
رأيت نورا.
كانت تركض وحدها، ودموعها تملأ وجهها، وهي تصرخ بأعلى صوتها
اهرب... هم جايين!اندفعت نحوها دون تفكير.
جثوت على ركبتي واحتضنتها بقوة.
إنتِ كويسة؟ حد أذاكي؟
كانت تلهث من شدة الجري، وهزت رأسها بالنفي، لكنها أمسكت بيدي بقوة وهي تشير إلى نهاية الممر.
هما هناك... كانوا بيسألوني عن الظرف.
رفعت بصري.
رجلان بملابس الصيانة كانا يشقان طريقهما وسط الزحام، لكن هذه المرة لم يحاولا الاقتراب بسرعة، بل كانا يراقباننا فقط، وكأنهما لا يريدان إثارة الانتباه.
قال الرجل الغريب
تعالى... من هنا.
قادنا إلى مخرج جانبي يؤدي إلى موقف سيارات الموظفين.
وما إن أغلق الباب خلفنا حتى تنفست نورا لأول مرة بهدوء.
سألتها
إيه اللي حصل جوه؟
ابتلعت ريقها وقالت
الممرضة كانت كويسة... لكن وهي بتدخلني الأوضة، جه واحد وقالها إن الدكتور مستنيها. أول ما خرجت، دخل الراجلين دول.
عملوا إيه؟
قالولي فين الظرف؟ ولما قلت معرفش... واحد منهم قال لو الراجل وصل، هيعرف الطريق لوحده.
تبادلنا النظرات.
أي طريق؟ سألت.
أخرج الرجل الغريب خريطة صغيرة مطوية من جيبه، ثم فتحها فوق مقدمة السيارة.
كانت خريطة قديمة لوسط المدينة.
وأشار إلى دائرة حمراء مرسومة حول محطة القطار.
وقال
خزانة الأمان رقم B17 مش موجودة في الجزء الجديد من المحطة... موجودة في الجزء القديم اللي اتقفل من سنين.
نظرت إلى المفتاح في يدي.
كان الرقم نفسه محفورًا عليه.
وقبل أن نتحرك، أمسكت نورا بطرف معطفي.
في حاجة نسيت أقولها.
إيه هي؟
أخرجت من جيب فستانها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
لقيتها وقعت من الظرف قبل ما الراجلين يشوفوها.
فتحتها بسرعة.
لم تكن رسالة...
بل نصف خريطة، وفي أسفلها كلمات بخط ريبيكا
إذا وصلت إلى B17، فلا تفتح الخزانة وحدك... لأن ما بداخلها ليس الشيء الوحيد الذي كان مخفيًا هناك.
وساد صمت ثقيل.
ثم سُمع فجأة صوت محرك سيارة يقترب بسرعة من خلفنا... وتوقفت سيارة سوداء بلا لوحات على بعد أمتار قليلة، وبدأ بابها الخلفي يُفتح ببطء وقفنا جميعًا في أماكننا.
كان باب السيارة السوداء يُفتح ببطء، حتى نزل منه رجل مسن يرتدي معطفًا طويلًا ويحمل عصًا خشبية.
لم يبدُ عليه أنه جاء ليهدد أحدًا.
بل نظر مباشرة إلى نورا وقال بصوت هادئ
الحمد لله... لقيتك.
اختبأت نورا خلفي فورًا.
همست
أنا معرفوش.
رفع الرجل يديه ليؤكد أنه لا يحمل سلاحًا.
ثم أخرج من جيبه ساعة جيب قديمة، فتح غطاءها، وأراني صورة صغيرة داخلها.
كانت الصورة لامرأة شابة...
ريبيكا.
لكنها لم تكن وحدها.
كان الرجل نفسه يقف بجوارها، يبتسم.
قال
أنا اسمي سامح... وكنت أوفى صديق لوالد ريبيكا. هي طلبت مني، من سنين، إني أتدخل لو في يوم الظرف وصل لصاحبه.
نظر إليه الرجل الغريب الذي كان معنا، وعقد ذراعيه.
ليه اتأخرت كل ده؟
تنهد سامح وقال
لأنهم كانوا بيراقبوا المستشفى. لو دخلت بدري، كانوا عرفوا إن الخطة بدأت.
ثم التفت إليّ.
معاك المفتاح؟
أخرجته من جيبي دون أن أتركه.
هز رأسه وقال
كويس... لأن المفتاح ده لوحده مالوش قيمة.
قطبنا جميعًا جباهنا.
مد يده نحو ساعة الجيب، وفك الغطاء الداخلي.
ومن داخله أخرج قطعة معدنية صغيرة جدًا، لا يزيد حجمها على عملة معدنية.
وضعها بجوار المفتاح...
فتطابق الشكلان معًا كأنهما جزآن من قطعة واحدة.
قال
دلوقتي بس تقدر تفتح الخزانة.
شعرت بأن كل خطوة تقودنا إلى سر أكبر.
لكن قبل أن نتحرك، رن هاتف سامح.
نظر إلى
تم نسخ الرابط