سيدي

لمحة نيوز

الشاشة، ولم يُجب.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة نصية.
قرأها... ثم شحب وجهه.
سألته
في إيه؟
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة قصيرة جدًا
وصلوا إلى شقة ريبيكا قبل الشرطة بخمس دقائق... ويبدو أنهم وجدوا ما كانوا يبحثون عنه.
ثم رفع سامح عينيه نحوي وقال
لو كانوا فعلاً لقوا اللي هناك... يبقى ما بقاش قدامنا غير فرصة واحدة، ولازم نوصل لمحطة القطار قبلهم.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت صفارات الشرطة من آخر الشارع، بينما انطلقت السيارة السوداء مرة أخرى... لكن هذه المرة لم تكن وحدها، فقد ظهرت خلفها سيارتان أخريان تسيران في الاتجاه نفسه، وكأن سباقًا بدأ، والجميع يعرف وجهته... إلا نحن أدار سامح المحرك بسرعة، وانطلقت السيارة تشق الشوارع المبتلة بالمطر.
لم يتكلم أحد.
كانت نورا تحتضن حقيبتها الصغيرة، تنظر من النافذة وكأنها تخشى أن ترى وجهًا تعرفه.
بعد دقائق، أخرج سامح جهازًا قديمًا يشبه جهاز اللاسلكي، ثم ضغط زرًا صغيرًا.
خرج صوت متقطع
الممر الشرقي... أغلقوه.
نظر سامح إلى الرجل الغريب وقال
سبقونا.
سألته بقلق
يعني إيه؟
قال وهو يزيد سرعة السيارة
الجزء القديم من المحطة له ثلاثة مداخل... لو قفلوا المدخل الشرقي، يبقى فاضل مدخل واحد بس.
وصلنا إلى محطة القطار.
لكنها لم تكن المحطة المزدحمة التي رأيتها في الصباح.
قادنا سامح إلى سور حديدي صدئ خلف المبنى الرئيسي، وبجواره باب صغير يكاد يختفي بين الحشائش.
أخرج المفتاح المركب، وأدار القفل.
صدر صوت حاد...
ثم انفتح الباب ببطء.
نزلنا جميعًا درجات حجرية مغطاة بالغبار.
كان المكان مظلمًا، ولا يُسمع فيه إلا صوت قطرات الماء.
وفي نهاية الممر ظهرت عشرات الخزائن المعدنية القديمة.
وقف سامح أمام واحدة منها.
B17.
ناولني المفتاح.
افتحها.
أدخلت المفتاح.
ترددت لحظة...
ثم أدرته.
صدر صوت طَق.
وانفتح الباب.
لكن الخزانة...
لم يكن بداخلها مال، ولا مستندات.
كان فيها صندوق خشبي صغير، وفوقه شريط قماش أزرق، ورسالة مكتوب عليها بخط ريبيكا
إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن الحقيقة لم تكن داخل الظرف... كانت دائمًا هنا.
مددت يدي نحو الصندوق.
وقبل أن ألمسه مباشرة...
انطفأت كل الأنوار في الممر دفعة واحدة.
وفي الظلام، سُمع صوت خطوات بطيئة تقترب منا...
ثم صوت رجل يقول بهدوء
ابتعدوا عن الصندوق...
لأنه ملكي تجمدنا جميعًا.
كان الظلام كثيفًا، لا يقطعه إلا ضوء خافت يتسلل من أعلى السلم.
أمسكت نورا بيدي بقوة حتى شعرت بأصابعها ترتجف.
ثم دوى صوت سامح
محدش يتحرك.
وفي اللحظة نفسها، أضاء الرجل القادم مصباحًا يدويًا صغيرًا.
ظهر وجهه أخيرًا.
رجل في أواخر الخمسينات، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجنته اليمنى ندبة طويلة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
تعبتوا نفسكم على الفاضي.
نظر إلى الصندوق ثم إليّ.
ريبيكا كانت ذكية... لكنها كانت عارفة إنكم هتوصلوا متأخر.
قلت بحزم
إنت مين؟
رد بهدوء
اسمي مش مهم... المهم إن الصندوق ده يخصني.
خطا خطوة إلى الأمام.
لكن سامح وقف في طريقه.
ولا خطوة كمان.
ضحك الرجل بخفة.
لسه بتحاول تنفذ وعدك ليها؟
تغيرت ملامح سامح، لكنه لم يرد.
هنا فهمت أن بينهما معرفة قديمة.
استغللت انشغالهما، ومددت يدي بسرعة نحو الصندوق.
فتحته.
في الداخل لم يكن هناك ذهب ولا أموال.
كان هناك دفتر جلدي قديم، ومفتاح آخر أصغر حجمًا، ووحدة تخزين إلكترونية صغيرة.
وقبل أن أرفعها، لاحظت شيئًا غريبًا...
في الغطاء الداخلي للصندوق كانت هناك عبارة محفورة بعناية
لا تثق بمن يعرف مكان الصندوق قبل أن تفتحه.
شعرت بقشعريرة.
رفعت رأسي ببطء.
الرجل الغريب الذي أنقذنا منذ المستشفى...
كان ينظر إلى محتويات الصندوق وكأنه يعرفها واحدًا واحدًا.
وسامح أيضًا...
لم يبدُ عليه أي اندهاش.
أما نورا، فشدت طرف معطفي وهمست بصوت يكاد لا يُسمع
عمو...
انحنيت إليها.
قالت وهي تنظر إلى الرجل الذي جاء معنا من المستشفى
أنا شفته قبل كده...
توقفت أنفاسي.
فين؟
ابتلعت ريقها وقالت
كان واقف قدام بيتنا... قبل ما ماما تقع بأسبوع شعرت بأن المكان يضيق حولي.
التفتُّ ببطء إلى الرجل الذي رافقنا منذ المستشفى.
لم ينكر.
ولم يحاول الهرب.
بل أغلق عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ
أيوه... كنت هناك.
صرخت فيه
كنت بتراقبهم؟!
هز رأسه بالنفي.
كنت بحاول أحميهم.
لكن كلماته لم تعد تكفي.
رفعت وحدة التخزين من الصندوق، ثم أمسكت بالدفتر الجلدي.
كان مغلقًا بشريط قماشي قديم.
ما إن فككته حتى سقطت منه ورقة مطوية.
لم تكن رسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط بخط ريبيكا
إذا وصلت إلى هذه الصفحة، فلا تصدق أول رواية تسمعها. كل شخص سيقول إنه كان يحاول حمايتنا... لكن واحدًا فقط يعرف أين أخفيت المفتاح الأخير.
نظرت داخل الصندوق مرة أخرى.
المفتاح الأخير؟
لم يكن هناك سوى المفتاح الصغير.
لكن نورا أشارت فجأة إلى قاع الصندوق.
استنى...
مددت يدي.
كان القاع يتحرك.
ضغطت عليه، فانفتح درج سري صغير.
وفي داخله...
وجدت مفتاحًا نحاسيًا بالغ الصغر، مربوطًا بخيط أحمر، ومعه قصاصة ورق مكتوب عليها
لا تستخدم هذا المفتاح إلا بعد أن تعرف من الذي كذب أولًا.
ساد الصمت.
كل شخص في الغرفة أصبح ينظر إلى الآخر.
الرجل ذو الندبة كسر الصمت وقال ساخرًا
شايفين؟ حتى وهي غايبة... لسه بتختبركم.
ثم استدار ببطء متجهًا نحو باب الممر.
وقبل أن يخرج، توقف وقال دون أن يلتفت
لو كنتوا عايزين الحقيقة... ابدأوا بدفتر ريبيكا. أول صفحة فيه هتجاوب على سؤال واحد.
ابتلعنا ريقنا جميعًا.
فتحت الدفتر على الصفحة الأولى...
وكان أول سطر مكتوبًا بخط واضح
في اليوم الذي رحل فيه... لم يكن وحده.
وأغلقت الدفتر فورًا دون أن أقرأ ما بعده، بينما تبادل الجميع النظرات في صمت، مدركين أن الحقيقة التي انتظرناها ثلاث عشرة سنة بدأت أخيرًا... لكنها قد تغيّر كل ما كنا نظنه صحيحًا أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحت الدفتر على الصفحة الأولى.
كانت أول جملة تقول
إذا كنت تقرأ هذا، فأنا على الأرجح لن أستطيع أن أشرح لك بنفسي... لذلك سأكتب الحقيقة كما حدثت، دون زيادة أو نقصان.
بدأت أقرأ بسرعة.
في اليوم الذي غادرت فيه قبل ثلاثة
عشر عامًا، لم أترك ريبيكا بإرادتي كما كنت أظن.
ففي الليلة السابقة لسفري، تعرضت لحادث أفقدني الوعي لساعات، وحين أفقت كنت أعاني من اضطراب مؤقت في الذاكرة. استغل بعض الأشخاص ذلك، وأوهموني أن ريبيكا قررت إنهاء علاقتنا والابتعاد، بينما أخبروها أنا أنني سافرت ولن أعود.
كانت محاولة لقطع أي تواصل بيننا.
حاولت ريبيكا الوصول إليّ مرات كثيرة، لكن كل رسائلها اختفت قبل أن تصل، وكل خطاب أرسلته عاد إليها وكأنه لم يُسلَّم.
ثم اكتشفت أنها حامل.
لم تطلب مالًا، ولم تبحث عن انتقام.
قررت أن تربي ابنتها وحدها حتى لا تكبر وسط صراع لا ذنب لها فيه.
أغلقت الدفتر ببطء، والدموع تملأ عيني.
نظرت إلى نورا.
كانت تحدق بي في صمت.
قلت بصوت مكسور
أنا... ما كنتش أعرف.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
ماما كانت دايمًا تقول... لو عرف الحقيقة، هييجي.
في تلك اللحظة، انحنى سامح وفتح وحدة التخزين الإلكترونية.
لم يكن بداخلها أسرار مالية ولا وثائق خطيرة.
كان مجرد مقاطع فيديو قصيرة.
ظهر أول فيديو لريبيكا، وهي تجلس في غرفة بسيطة.
كانت تبتسم رغم التعب.
قالت أمام الكاميرا
لو أنت بتشوف الفيديو ده... يبقى أخيرًا عرفت الحقيقة. أنا عمري ما كرهتك، ولا يوم قلت لبنتنا عنك كلمة وحشة. كل اللي طلبته منها، لو شافتك يوم، تديك الفرصة تسمع قبل ما تحكم.
لم أتمالك نفسي.
جلست على الأرض أبكي لأول مرة منذ سنوات.
اقتربت نورا بخطوات مترددة.
ثم احتضنتني.
وقالت
ماما كانت عندها حق... إنت جيت.
بعد ساعات، توجهنا إلى المستشفى.
كانت ريبيكا قد استعادت وعيها.
دخلت غرفتها ببطء.
نظرت إليّ للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
لم نحتج إلى كلمات كثيرة.
قلت فقط
سامحيني... على سنين ضاعت من غير ذنب.
أجابت وعيناها تلمعان
المهم إنك وصلت... قبل ما الوقت يخلص.
بعد أشهر، خرجت ريبيكا من المستشفى وتعافت تدريجيًا.
لم نحاول تعويض السنوات الضائعة دفعة واحدة، لكننا بدأنا من جديد.
كنت أوصل نورا إلى المدرسة كل صباح، وأجلس معها كل مساء أحكي لها القصص التي فاتتها، بينما كانت ريبيكا تضحك كلما رأتنا نتجادل حول واجبات المدرسة.
أما الصندوق والدفتر...
فاحتفظنا بهما كتذكار، لا لأنهما أخفيا سرًا كبيرًا، بل لأنهما أعادا عائلة كادت تضيع بسبب كذبة واحدة وسنوات من الصمت.
تمت.

تم نسخ الرابط