خطيبي
تفاصيلها لكريم قبل الجواز.
وقبل ما تنطق بأي كلمة، وصلتها رسالة جديدة من نفس الرقم.
فتحتها بسرعة.
كان فيها صورة قديمة لوالدها وهو خارج من مكتب محامٍ...
وبجانبه شخص يقف مبتسمًا.
كبرت الصورة...
ولما ظهر وجه الشخص بوضوح، شهقت وهي تقول
مستحيل...شهقت وهي بتقرب الصورة من وشها.
الشخص اللي كان واقف جنب والدها...
كان عم كريم.
نفس الشخص اللي كان موجود في اجتماع اختبارات العروسة.
رفعت الصورة قدام كريم من غير ما تتكلم.
أول ما شافها، اتبدلت ملامحه.
قال بسرعة
الصورة دي قديمة... ومش معناها اللي إنتِ فاكراه.
سألته بهدوء
تعرف إن أسوأ حاجة في الكذب... إن كل كذبة بتحتاج عشر كذبات بعدها؟
سكت.
قولي بقى... عمك كان بيعمل إيه مع أبويا عند المحامي؟
تنهد وقال
والله ما أعرف.
ردت بحدة لأول مرة
لأ... تعرف.
وفي نفس اللحظة، وصلها تسجيل صوتي جديد من الرقم الغريب.
شغلته على السماعة.
جاء صوت عم كريم واضحًا
أهم حاجة متعرفهاش إن أبوها ناوي يكتب الأرض باسمها. لو الجوازة تمت، هنضمن إن كريم يبقى ليه حق فيها بعدين.
عمّ الصمت المكان.
كريم اتسعت عيناه.
واضح إنه أول مرة يسمع الجزء ده من الكلام.
قال بارتباك
أنا... أنا ماكنتش أعرف إنهم بيتكلموا عن أرض أو فلوس بالشكل ده... أنا كنت فاكر إنهم بيختبروا شخصيتها وبس.
نظرت إليه طويلًا.
كان باين عليه الصدمة... لكن بعد كل اللي حصل، ما بقتش عارفة تصدق ولا تكذب.
وقبل أن تتكلم، رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، ثم ارتبك أكثر.
اسم المتصل كان
عمي.
نظر إليها وقال
لو سمحتي... لازم أرد.
رد على المكالمة ووضع الهاتف على أذنه.
لكن قبل أن ينطق، خرج صوت عمه غاضبًا جدًا
إوعى تقولها أي حاجة... أنا جاي حالًا عندك.
نظر إليها كريم في ذهول...
فهي كانت قد سمعت الجملة كاملة نظر كريم إلى الهاتف ثم أنهى المكالمة بيد مرتعشة.
ساد صمت ثقيل.
قالت وهي تنظر إليه بثبات
يبقى هنستناه.
رفع رأسه فجأة.
تستني مين؟
عمك... طالما قال إنه جاي، يبقى ييجي. وأنا عايزة أسمع منه كل حاجة وهو واقف قدامي.
بدأ التوتر يظهر على كريم بشكل واضح.
كان يمشي في الصالة رايح جاي، وكل دقيقة يبص في الساعة.
أما هي، فكانت قاعدة في مكانها، حاطة الظرف والورق قدامها، وكأنها بتجمع قطع لغز كبير.
بعد حوالي نصف ساعة...
رن جرس الباب.
فتح كريم.
دخل عمه بخطوات سريعة، وما إن وقع بصره على الأوراق الموجودة فوق الترابيزة حتى تغير لون وجهه.
قال بحدة
الورق ده وصل لها إزاي؟
رد كريم بصوت خافت
وقع مني...
التفت العم إليها، وحاول يبتسم.
يا بنتي، متكبريش الموضوع. دي مجرد نصايح كنا بنساعد بيها كريم علشان ميغلطش في اختيار شريكة حياته.
ابتسمت ابتسامة باردة.
نصايح؟
ثم رفعت ورقة تقييم الاختبار الأول أمامه.
دي اسمها نصيحة؟ ولا تقرير عن بني آدم؟
لم يجد ردًا.
أخرجت هاتفها، وشغلت التسجيل الصوتي الذي وصلها قبل قليل.
امتلأت الغرفة بصوته وهو يقول
لو الجوازة تمت، هنضمن إن كريم يبقى ليه حق فيها بعدين.
ساد الصمت.
نظر العم حوله بسرعة، ثم قال بانفعال
التسجيل متفبرك!
لكن قبل أن يكمل...
قالت بهدوء
غريب... أنا لسه ما قلتش إن الصوت صوتك.
تجمد مكانه.
عرف أنه كشف نفسه بنفسه.
حتى كريم التفت إليه بصدمة.
يعني... الصوت كان صوتك فعلًا؟
حاول العم يتدارك الموقف.
أنا... أنا كنت بهزر.
لكن كريم بدأ ينظر إليه بطريقة مختلفة تمامًا.
ولأول مرة، سأله سؤالًا لم يكن يتوقعه
يا عمي... إنت من البداية كنت عايزني أتجوزها... ولا كنت عايز حاجة تانية؟
ارتبك العم، وبدأ العرق يظهر على جبينه.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف البطلة مرة أخرى.
الرقم الغريب.
ردت فورًا.
جاءها الصوت الهادئ نفسه
دلوقتي افتحي الدرج اللي تحت ترابيزة الصالون... قبل ما حد يسبقك ليه.
نظرت إلى الترابيزة باستغراب...
ثم تقدمت نحوها ببطء.
وضعت يدها على مقبض الدرج...
ولما فتحته، اتسعت عيناها في ذهول، لأن أول شيء وقع بصرها عليه كان ملفًا بنيًا كبيرًا مكتوبًا عليه اسمها بالكامل بخط واضح ترددت للحظة...
ثم مدت يدها وسحبت الملف.
كان ثقيلًا بشكل غريب، وكأنه مليان أوراق من سنين.
بمجرد ما شافه عم كريم، اندفع ناحيتها وهو بيقول بعصبية
اقفلي الملف ده... مالكيش دعوة بيه!
لكن كريم وقف في طريقه لأول مرة.
استنى يا عمي... هي من حقها تعرف.
بص له عمه في ذهول.
إنت هتقف ضدي؟
رد كريم بصوت حازم
لو في حاجة تخصها ومخبيها عنها... أيوه.
فتحت الملف ببطء.
أول ورقة كانت عبارة عن استمارة مكتوب في أعلاها
جمع معلومات قبل إتمام الزواج.
وتحتها بيانات عنها
الاسم بالكامل.
تاريخ الميلاد.
المؤهل.
محل السكن.
أسماء أفراد الأسرة.
كل حاجة كانت صحيحة.
لكن اللي بعدها خلاها تشهق.
ورقة بعنوان
الوضع المالي لأسرة العروس.
وفيها تفاصيل عن دخل والدها، وممتلكات الأسرة، وحتى قطعة الأرض التي ورثها والدها عن جده.
رفعت رأسها وهي غير مصدقة.
إنتوا جبتوا المعلومات دي منين؟
ماحدش رد.
قلبت الورقة اللي بعدها.
كان فيها تقرير مكتوب بخط اليد
في حالة إتمام الزواج، يُفضّل الإسراع بإقناع والد العروس بتسجيل الأرض باسم ابنته، لضمان استقرار مستقبل الزوجين.
ابتسمت بمرارة.
استقرار الزوجين... ولا استقرار مصالحكم؟
نظر كريم إلى الورقة، وبدا عليه الذهول الحقيقي.
والله... أول مرة أشوف الكلام ده.
التفت إلى عمه بعصبية
إنت قلتلي إن الملف ده مجرد معلومات عادية!
رد العم بسرعة
كنت بحميك... الدنيا بقت صعبة.
صرخ كريم
بالحيلة؟ وبالتجسس على الناس؟
وقبل أن يرد العم...
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف البطلة من الرقم الغريب.
الملف ناقص... أهم ورقة اتشالت منه قبل ما توصلي.
كتبت بسرعة
إيه هي؟
جاء الرد بعد ثوانٍ
ورقة عليها توقيع شخص واحد... ولو ظهرت، هتعرفوا مين صاحب الفكرة من البداية.
نظرت إلى عم كريم... ثم إلى كريم...
ولأول مرة، بدأ الشك يتسلل إلى قلبها أن الشخص الذي دبّر كل هذه الخطة... قد لا يكون عم كريم وحده نظر كريم إلى الملف، ثم إلى عمه، وقال بصوت لم تسمعه منه من قبل
كفاية... انتهى.
حاول عمه يتكلم، لكنه قاطعه.
لو كنت من الأول قولتلي الحقيقة، عمري ما كنت هاسمح لحد يهين البنت اللي اخترتها.
ابتسم العم بسخرية.
هتضيع مستقبلك عشانها؟
رد كريم بحزم
لو المستقبل مبني على الغش والخداع، يبقى مش عايزه.
أخرج هاتفه، وأمامها حذف كل الملفات والصور التي كانت تخص اختبارات العروسة، ثم قال
أنا غلطت... وغلطتي إني سمحت لحد يشككني في الإنسان اللي قدامي بدل ما أعرفه بنفسي.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء
الغلط مش إنك عملت اختبار... الغلط إنك صدقت إن الكرامة ينفع تتحط في امتحان.
ساد الصمت.
أما عم كريم، فغادر المنزل وهو غاضب بعدما أدرك أن خطته كلها انهارت.
بعد أيام، اجتمع أهل العروس وأهل كريم.
لم تخفِ البطلة شيئًا، وعرضت الرسائل والتسجيلات والأوراق أمام الجميع.
انصدم والد كريم، واعتذر هو ووالدته عما حدث، وأعلنا أمام الجميع أن ما فعله العم لا يمثل العائلة.
أما العم، فانقطعت علاقته بهم بعدما ظهرت الحقيقة كاملة.
التفت كريم إليها وقال أمام الجميع
لو سامحتيني، هبدأ من الصفر... من غير اختبارات، ولا شك، ولا تدخل من أي حد.
ابتسمت ابتسامة هادئة، لكنها هزت رأسها بالنفي.
الثقة زي الإزاز... لما يتكسر ممكن يتصلح، لكن الشرخ بيفضل باين.
خلعت دبلة الخطوبة، ووضعتها أمامه برفق.
أنا مش زعلانة عشان نسكافيه، ولا عشان رسالة... أنا زعلانة لأنك اخترت تصدق الناس عني قبل ما تصدقني أنا.
خرجت من البيت ورأسها مرفوع.
وبعد عدة أشهر، سمعت من إحدى صديقاتها أن كريم تغير
كثيرًا، وأصبح يرفض أي تدخل من أحد في حياته، بعدما تعلم الدرس بالطريقة الأصعب.
أما هي، فلم تعتبر فسخ الخطوبة خسارة، بل اعتبرته نجاة.
وقالت لنفسها وهي تبتسم
الإنسان اللي يقيس أخلاق الناس بثمن مشروب... عمره ما هيعرف قيمة شريك الحياة الحقيقي.
تمت.