جوزي كان بياخد مرتبي
كذب.
أحمد بص لمنى، ثم لسارة، ثم قال
أنا هقول الحقيقة... بس اسمعوني للآخر.
جلس على الكرسي، وأخذ نفسًا طويلًا، ثم بدأ يحكي كيف بدأت القصة من أول يوم، وكيف أخفى زواجه الثاني عن الجميع، ولماذا وافق على تحويل الأموال بهذه الطريقة...
يتبع...أحمد سند إيده على الترابيزة، وبص لمنى وسارة بالتبادل.
وقال بصوت مكسور
أنا غلطت... ومش هحاول أبرر اللي عملته. لكن لازم تعرفوا الحقيقة من أولها.
سكت لحظة، ثم أكمل
بعد جوازي من منى بسنة، شركتي خسرت خسارة كبيرة، وبقي عليا ديون. وقتها أمي قالت إنها هتساعدني، لكنها اشترطت إن كل الفلوس تدخل وتخرج من خلال حساباتها، وقالت إنها أدرى بإدارة الأمور.
منى قاطعته
وده يبرر إنك تاخد نص مرتبي كل شهر؟
هز رأسه
لا... مفيش حاجة تبرر.
ثم أكمل
بعدها اتعرفت على سارة عن طريق شغل، ولما طلبت إيديها، وافقت بعد ما قلت لها إني منفصل، وكنت أوهم نفسي إني هأنهي الوضع بسرعة... لكن كل يوم كان الكذب بيكبر.
سارة قالت بمرارة
يعني كنت بتضحك علينا إحنا الاتنين.
خفض أحمد عينيه ولم يرد.
ثم قال
أمي كانت تعرف كل حاجة، وكانت دايمًا تقول خلي كل بيت فاكر إنه هو البيت الوحيد، لحد ما الأزمة تعدي.
ساد صمت ثقيل.
في تلك اللحظة، دخل المحامي إلى الكافيه بعدما تأكد أن كل الأطراف موجودة.
اقترب من الطاولة ووضع ظرفًا بنيًا أمام منى.
وقال
وصلني من البنك رد رسمي على طلبنا.
فتح الظرف وأخرج عدة أوراق.
نظر فيها للحظات، ثم رفع رأسه وقال
دلوقتي بقى عندنا كشف كامل بكل التحويلات... وفيه تحويل واحد مختلف عن الباقي، قيمته كانت كبيرة جدًا، واتحول قبل شراء الشقة بأسبوع.
منى سألت بسرعة
راح لمين؟
المحامي قلب الصفحة الأخيرة، واتسعت عيناه.
ثم قال
التحويل ده... مش راح لا لوالدة أحمد، ولا لسارة.
راح لشخص ثالث...
ولأول مرة ظهر اسمه في الملف.
رفع المحامي الورقة ببطء، وقال
والاسم ده هيغير فهمنا لكل اللي حصل.
وساد الصمت على الطاولة، بينما الجميع ينظر إلى الورقة في انتظار أن تُقرأ...
يتبع...المحامي أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
اسم صاحب الحساب هو... محمود عبدالسلام.
سارة اتفاجئت وقالت
ده أخويا الكبير!
والدها لف ناحيتها بسرعة
محمود؟! مستحيل.
منى سألت باستغراب
يعني إيه؟ هو كان له علاقة بالموضوع؟
رد المحامي
لسه ما نقدرش نجزم. اللي نعرفه إن المبلغ اتحول لحسابه، وبعد يومين خرج بالكامل على دفعات مختلفة.
سارة أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بأخوها.
بعد دقائق وصل إلى الكافيه، وكان واضح عليه الارتباك أول ما شاف الجميع.
قال
في إيه؟
المحامي وضع أمامه صورة التحويل.
تعرف المبلغ ده؟
ظل محمود ينظر إلى الورقة لثوانٍ، ثم قال
أيوه... الحساب ده بتاعي.
سكت الجميع.
ثم أكمل
لكن الفلوس ما كانتش ليا. أحمد طلب مني وقتها يستعمل حسابي يومين بس، وقال إن عنده مشكلة مع البنك، وبعدها حولتها لحساب تاني بناءً على تعليماته. ما أخدتش منها جنيه واحد.
أحمد أغلق عينيه وكأنه استسلم.
قال المحامي
وعندك ما يثبت الكلام ده؟
هز محمود رأسه.
أيوه... الرسائل القديمة لسه موجودة على تليفوني، وكمان إشعارات التحويل.
فتح هاتفه، وبدأ يبحث.
وبعد دقائق، أخرج رسالة صوتية قديمة من أحمد.
ضغط على زر التشغيل.
خرج صوت أحمد واضحًا
يا محمود، أول ما الفلوس تدخل عندك، حولها للحساب اللي بعتّهولك. محدش لازم يعرف إنها عدّت على حسابك.
ساد صمت كامل.
منى لم تتكلم.
كانت تنظر إلى أحمد فقط.
أما هو، فأطرق رأسه، وعرف أن الحقيقة بدأت تظهر قطعةً قطعة.
لكن المحامي لم يغلق الملف.
قال بهدوء
لسه في حساب أخير اتحولت له الفلوس بعد محمود... ولحد دلوقتي، صاحبه مش معروف.
يتبع...في صباح اليوم التالي، وصل تقرير البنك الذي كان المحامي منتظره.
فتح الملف أمام الجميع وقال
أخيرًا عرفنا آخر محطة راحت لها الفلوس.
حبست منى أنفاسها.
مين؟
أجاب المحامي
الحساب باسم شركة استثمار عقاري، مش باسم شخص.
أحمد رفع رأسه بسرعة، وكأنه فهم ما سيقال.
قال المحامي
وبعد مراجعة السجلات، لقينا إن الشركة دي كانت باعت الشقة اللي اتسجلت باسم والدتك.
حماتك كانت هي المشتري الرسمي، لكن جزء كبير من ثمن الشقة وصل للشركة عن طريق التحويلات اللي خرجت من حسابك، وعدت على كذا حساب قبل ما توصل هناك.
منى قالت
يعني كل اللف والدوران ده كان عشان يخفوا مصدر الفلوس؟
بالضبط.
ثم أخرج المحامي مستندًا آخر.
والأهم من ده، إن التحويلات دي كلها موثقة، ومفيش أي ورقة بتقول إنك تبرعتي بالفلوس أو تنازلت عنها.
أحمد كان ساكتًا تمامًا.
وأخيرًا قال
أنا خلاص... مستعد أوقّع على أي إقرار بحقها.
ردت منى بهدوء
مش دلوقتي.
نظر إليها باستغراب.
قالت
ست سنين وأنا بثق فيك، وفي الآخر اكتشفت إنك خبيت عني جوازك، وخبيت عني الفلوس، وسجلت الشقة باسم والدتك. القرار المرة دي مش هيكون بسرعة.
المحامي أغلق الملف وقال
كده بقى عندنا الصورة القانونية كاملة تقريبًا، لكن قبل أي خطوة، لازم نراجع مستندًا أخيرًا وصل من الشهر العقاري صباح النهارده... لأنه ممكن يحدد إذا كان ليكي حق مالي فقط، ولا فيه حقوق قانونية تانية مرتبطة بعملية شراء الشقة.
نظر الجميع إلى المستند الجديد...
ولم يكن أحد يعرف أن ما فيه سيغيّر مسار القضية بالكامل.
يتبع...بعد دقائق، فتح المحامي المستند الجديد ببطء.
قرأه مرة... ثم أعاد قراءته.
رفعت منى عينيها وقالت
خير؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
فيه حاجة ماحدش كان واخد باله منها.
ناولها صورة من المستند.
كان عقد الشراء الأصلي، لكن مرفق به ملحق رسمي تم توثيقه في نفس يوم التوقيع.
قال المحامي
الملحق ده بيقول إن أي مبالغ تثبت إنها خرجت من حساب شخص غير المشتري، يبقى لصاحبها حق المطالبة بقيمتها ونصيبه المالي وفقًا للقانون، وده سبب إن الشهر العقاري وقف البيع لما رفضتي التوقيع.
حماتها ضربت بإيدها على الترابيزة وقالت بعصبية
يعني بعد كل السنين دي هترجع تاخد الشقة؟
المحامي رد بهدوء
لا... محدش قال إنها هتاخد الشقة. الكلام هنا عن الحقوق المالية، وأي حق يحدده القضاء أو يتفق عليه الأطراف.
أحمد لأول مرة رفع عينيه وقال
منى... أنا مستعد أبيع أي حاجة باسمي وأرجعلك حقك كامل.
منى نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
حقي مش فلوس وبس... حقي إنك كنت صادق معايا، وده للأسف مستحيل يرجع.
ساد الصمت.
ولأول مرة، لم تجد حماتها كلمة ترد بها.
أما سارة، فكانت جالسة في هدوء، وقد أدركت أن سنوات الكذب لم تضر منى وحدها، بل مزقت حياة الجميع.
وفي الخارج، خرجت منى من مكتب المحامي وهي تشعر أن الحقيقة أصبحت كاملة أمامها... لكن القرار الأخير بشأن مستقبلها لم تتخذه بعد.
النهاية.