في البيت ده
الشاطرة بتأمّن جوزها قبل نفسها.
وقتها دخل أحمد، ولما سمع الكلام، ما اعترضش...
بالعكس.
قال وهو بيضحك ما هي في الآخر هتبقى بتاعتي وبتاعتك يا كريمة.
افتكرت إني غيرت الموضوع، وما فكرتش فيه تاني.
فتحت عيني وبصيت للضابط.
قلت بهدوء أيوه... كان فيه مواقف قبل كده.
الضابط كتب كل كلمة.
وسأل وهل كان فيه أي ضغط عليكي عشان تنقلي ملكية الشقة أو تعملي توكيل؟
رديت من غير تردد
أيوه.
بابا مد للمستشار الملف.
المستشار أخرج نسخة مطبوعة من محادثات واتساب، ورسائل صوتية، وحتى صور لورقة كانت الحاجة تهاني كاتبة فيها بخط إيدها مواعيد كانت ناوية تيجي فيها الشقة من غير استئذان.
الضابط قلب الأوراق، وكل ما يقرأ صفحة، ملامحه كانت بتتغير.
وفجأة...
خبط على باب الأوضة.
دخل عسكري وقال
يا فندم... فيه راجل وست برا مصممين يقابلوا الأستاذة كريمة.
الضابط رفع حاجبه.
مين؟
العسكري رد
بيقولوا إنهم جوزها ووالدته.
ساد صمت ثقيل.
بابا وقف من مكانه.
لكن الضابط رفع إيده وقال
استنى يا أستاذ فؤاد... أنا اللي هقابلهم الأول.
خرج الضابط من الغرفة، وقفل الباب وراه.
بعد أقل من دقيقة...
سمعنا صوت الحاجة تهاني في الممر، عالي وغاضب
دي مراتي ابني! وإحنا من حقنا نشوفها!
ثم صوت الضابط بحزم
وطِّي صوتك... ده مستشفى.
وبعدها مباشرة سمعنا أحمد يقول بنبرة متوترة
إحنا جايين نطمن عليها بس.
لكن قبل ما ينتهي كلامه...
وصل صوت امرأة أخرى من آخر الممر وهي بتقول بصوت واضح
لو سمحت يا حضرة الضابط... أنا عندي حاجة مهمة جدًا تخص القضية دي، ولازم الأستاذة كريمة تسمعها بنفسها.
كل الموجودين داخل الغرفة التفتوا ناحية الباب...
حتى بابا والمستشار.
أما أنا...
فما كنتش أعرف مين الست دي، ولا إيه السر الخطير اللي خلاها تيجي المستشفى في نفس اللحظة الضابط فتح الباب، ودخلت سيدة في أواخر الأربعينات، ملامحها مرهقة، وفي إيديها ملف أزرق قديم.
كانت بتبص للحاجة تهاني الواقفة في آخر الممر.
أول ما الحاجة تهاني شافتها...
شهقت وقالت بخوف واضح
إنتِ؟!
الست ردت بهدوء
أيوه... أنا.
استغربت.
أنا أول مرة أشوفها.
الضابط قال
حضرتك تعرفيهم؟
هزت رأسها.
أعرفهم كويس... ويمكن أكتر مما هما يتمنوا.
دخلت الأوضة وقفلت الباب.
بصتلي بحزن وقالت
أنا آسفة... كان لازم أتكلم من زمان.
بابا سألها
حضرتك مين؟
قالت وهي بتتنهد
اسمي هناء... وكنت مرات أخو الحاجة تهاني.
سكتت لحظة...
ثم فتحت الملف.
طلعت منه صور قديمة، وعقود، وورقة عليها توقيع.
وقالت
أنا جيت النهارده لأن اللي حصل للبنت دي... حصل معايا من سبعتاشر سنة.
اتجمدنا كلنا.
كملت وهي بتبص ناحيتي
أول ما اتجوزت، كانت تدخل بيتي من غير استئذان... تتحكم في كل حاجة... وكل يوم تقول نفس الجملة...
ثم كررتها بالحرف
في البيت ده كلمتي أنا اللي تمشي... حتى لو مكتوب باسمك.
جسمي كله اقشعر.
دي نفس الجملة...
بنفس النبرة.
هناء كملت
كانت عايزة شقتي تتكتب باسم جوزي... ولما رفضت، بدأت المشاكل.
المستشار سألها
معاكي دليل؟
هزت رأسها.
وأخرجت تسجيلًا صوتيًا قديمًا من فلاشة صغيرة.
قالت
احتفظت بيه كل السنين دي.
الضابط شغّل التسجيل.
وفجأة...
امتلأت الغرفة بصوت الحاجة تهاني.
واضح جدًا.
بتقول
خليها تمضي وهي ساكتة... ولو ما رضيتش، هنخلي عيشتها سودة لحد ما توافق.
ساد صمت مرعب.
بابا قبض على إيده.
أما أنا...
فبصيت ناحية الباب.
كان أحمد واقف برة، والباب موارب.
واضح إنه سمع التسجيل كله.
وفجأة دخل مندفعًا وهو بيصرخ في هناء
إقفلي التسجيل ده! ده قديم... ومش هيثبت حاجة!
لكن قبل ما حد يرد...
قالت هناء جملة قلبت المكان كله
قديم؟... طب تحب أقولهم إنك إنت بنفسك كنت حاضر يوم أمك قالت إنها هتخلي كريمة تمضي على التوكيل غصب عنها بعد الفرح؟
اختفى اللون من وجه أحمد تمامًا...
ولأول مرة منذ بداية الأحداث...
لم يجد كلمة واحدة ينطق بها سكت أحمد...
السكوت اللي بيكشف أكتر من ألف اعتراف.
بص مرة لأمه...
ومرة لهناء...
ثم قال بصوت مهزوز
إنتِ... إنتِ بتكدبي.
هناء ابتسمت بأسى، ومدت إيدها للمستشار.
هات اللاب توب.
فتح المستشار جهازه، وشغل ملف فيديو.
قال بهدوء
الفيديو ده كان نسخة احتياطية من كاميرات المراقبة اللي كانت في بيت الأستاذة هناء زمان.
بدأ الفيديو يشتغل.
الصورة كانت قديمة، لكن واضحة.
ظهرت الحاجة تهاني قاعدة في الصالة، وأحمد، وكان وقتها أصغر بسنين، قاعد جنبها.
وصوت الحاجة تهاني بيقول بوضوح
اسمع يا أحمد... الست اللي من أول يوم تقول لأ، عمرها ما هتسمع الكلام بعد كده. لازم تعرف إن كلمتنا هي اللي تمشي.
ثم ضحكت، وأضافت
ولو الشقة باسمها... نخليها تنقلها باسمك بالحب، ولو ما رضيتش... يبقى بالضغط.
الفيديو وقف.
الأوضة كلها غرقت في صمت.
حتى الضابط فضل ثواني مش بيتكلم.
بص لأحمد وقال
الفيديو ده صحيح؟
أحمد بلع ريقه.
كان واضح إنه بيدور على أي مخرج.
لكن قبل ما ينطق...
الحاجة تهاني صرخت
ما تردش! دول عاملين مؤامرة علينا!
الضابط لف ناحيتها بحدة
لو سمحتي... أي كلمة زيادة هتتسجل في المحضر.
أول مرة الحاجة تهاني تسكت.
هناء قربت مني، ومسكت إيدي برفق.
أنا مقدرتش أنقذ نفسي وقتها... لكن لما سمعت اللي حصل معاكي، قلت مستحيل أسيب بنت تانية تعيش اللي عشته.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لها
ليه ما اتكلمتيش من زمان؟
نزلت عينيها للأرض.
لأني خفت... ولأن محدش كان هيصدقني وقتها.
في اللحظة دي...
دخل أحد أفراد الأمن بسرعة وهو بيقول للضابط
يا فندم... في حد وصل تحت، وبيقول إنه معاه فلاشة تخص الواقعة اللي حصلت النهارده.
الضابط استغرب.
مين؟
رد فرد الأمن
بواب العمارة.
كلنا بصينا لبعض باستغراب.
إيه اللي ممكن يكون مع بواب العمارة؟
دخل الرجل وهو ماسك فلاشة صغيرة في إيده، وقال وهو بيحاول يلتقط أنفاسه
أنا افتكرت حاجة يا باشا... كاميرات العمارة كانت شغالة الصبح، وصاحب العمارة طلب مني أنسخ التسجيل قبل ما السيستم يمسحه تلقائي.
ثم رفع الفلاشة وقال
واللي فيها... هيوريكم بالثانية إزاي الحلة اتحركت... ومين اللي حركها فعلًا.
أما الحاجة تهاني...
فأول ما سمعت كلمة كاميرات...
اختفى آخر أثر للثقة من على وشها، وأمسكت بطرف الكرسي حتى لا تقع وقف الضابط أمام شاشة الكمبيوتر، وأدخل الفلاشة القادمة من بواب العمارة.
ساد صمت ثقيل...
بدأ التسجيل.
ظهرت الساعة على الشاشة 0617 صباحًا.
دخلت الحاجة تهاني العمارة، ثم صعدت بالمصعد.
بعد دقائق...
أظهر تسجيل كاميرا الصالة داخل الشقة كل شيء.
كانت الكاميرا الصغيرة المثبتة فوق باب المطبخالتي ركبها فني نظام القفل الذكي مع جهاز الإنذارتسجل بالصوت والصورة دون أن ينتبه أحد.
ظهر الجميع بوضوح.
أنا واقفة أمام السفرة.
أحمد يأكل.
الحاجة تهاني تمسك حلة الشوربة.
ثم...
توقفت الصورة للحظة، وأعاد الضابط المقطع بالحركة البطيئة.
ظهرت يد الحاجة تهاني وهي تلتفت عمدًا نحوي...
ثم دفعت الحلة بكل قوتها في اتجاه رجلي.
لم يكن حادثًا.
لم يكن خطأ.
كان فعلًا متعمدًا.
أغلقت هناء عينيها، بينما تنهد المستشار وقال انتهى الأمر.
أما أحمد...
فانخفض رأسه، ولم يعد يستطيع النظر إلى الشاشة.
الضابط أغلق الفيديو وقال بحزم
تم التحفظ على التسجيل، وسيُضم إلى القضية.
ثم التفت إلى الحاجة تهاني
أنتِ موقوفة بتهمة الاعتداء العمد.
صرخت وهي تبكي
أنا أم... ماكنتش أقصد!
لكن لم يصدقها أحد هذه المرة.
اقترب منها أفراد الشرطة، ووضعوا القيود في يديها وسط ذهولها.
نظرت إلى أحمد وهي تصرخ
اعمل حاجة! أنا عملت كل ده عشانك!
لكن أحمد ظل واقفًا مكانه...
صامتًا.
لأول مرة في حياته، لم يجد أمه لتحميه... ولا نفسه ليحميها.
بعد أسابيع، صدر حكم المحكمة.
أُدينت الحاجة تهاني بالاعتداء، وأُلزمت بتعويض كبير عن الأضرار الجسدية والنفسية.
أما أحمد...
فوقّع أوراق الطلاق بهدوء، بعدما أدرك أنه خسر زوجته واحترام الجميع في اللحظة التي اختار فيها الصمت بدلًا من
الحق.
غادرت المحكمة وأنا أسير ببطء، ما زالت آثار الحروق على ساقي، لكنها لم تعد تؤلمني كما كانت.
وقف أبي بجانبي وقال مبتسمًا
البيت فضل باسم صاحبته... لكن الأهم إن كرامتك فضلت باسمك هي كمان.
ابتسمت لأول مرة منذ بداية تلك الكارثة.
رفعت رأسي إلى السماء، وأخذت نفسًا عميقًا.
أدركت أن بعض النهايات، مهما كانت مؤلمة...
هي في الحقيقة بداية لحياة لا مكان فيها للخوف، ولا للإهانة، ولا لمن يظن أن المحبة تعني السيطرة.
تمت.