لما حماتي
لما حماتي اقترحت قدام البيت كله إن جوزي يتجوز سلفتي الأرملة علشان يحافظ عليها وعلى ابن أخوه وسلفتي نزلت عينيها في الأرض وعملت نفسها مكسوفة ومكسورة ، الكل كان مستني أشدها من شعرها أو أعمل خناقة تسمع آخر الشارع لكن أنا فضلت قاعدة مكاني وباكل عادي جدًا وكأني مش سامعة حاجة ، لأن قبلها بساعتين بالظبط كنت عرفت سر لو خرج للنور هيقلب حياتها كلها جحيم وهيهدم المسرحية اللي بتمثلها من شهور قدام حماتي ولما جه الوقت المناسب وطلعت الحاجة اللي كانت مخبياها وشها فقد لونه في ثانية واحدة وبقت تبص حواليها كأن الأرض اتفتحت تحت رجليها ومش عارفة تهرب فين.
من بعد وفاة سلفي ماهر الله يرحمه كانت داليا مراته هي نجمة البيت بلا منازع الست المكلومة اللي فقدت جوزها في عز شبابها واللي كانت كل ما حد يكلمها عن الرجوع لأهلها تعيط وتقول إن ابنها لازم يفضل وسط أهل أبوه علشان يكبر وهو حاسس إن أبوه لسه موجود حواليه والكلام ده كان بيدخل قلب حماتي مباشرة لدرجة إنها كانت كل شوية تقول للناس إن ربنا عوضها في مرات ابنها وإن الزمن مبقاش فيه ستات بالأصل والوفا ده ، بينما أنا اللي بقالي سبع سنين في البيت بخدم وأطبخ وأشيل وأحط وأجري ورا الكبير والصغير بقيت فجأة مجرد تفصيلة صغيرة محدش بياخد باله منها.
في الأول والله العظيم كنت مصدقاها ومتعاطفة معاها بل وأوقات كتير كنت أنا اللي بدافع عنها لما حد من قرايبنا يلمح إنها صغيرة ولسه العمر قدامها وإنها أكيد هتتجوز تاني لأنها كانت كل مرة تعمل نفسها منهارة وتقول إنها مش شايفة راجل في الدنيا بعد ماهر وكنت أرجع أوضتي وأقول لنفسي إن البنت فعلًا وفية لجوزها وربنا يعوضها عن اللي شافته.
لكن مع الوقت بدأت حاجات صغيرة جدًا تلفت نظري ، حاجات يمكن لو حكيتها لواحدة تانية تقول عليا بغير أو بتوهم لكن الستات بتفهم من نظرة ومن طريقة كلام ومن ابتسامة بتستخبى بسرعة.
كل ما كريم جوزي يرجع من الشغل كانت تنزل من أوضتها في نفس اللحظة تقريبًا لدرجة إني مرة كنت واقفة في البلكونة وشوفتها وهي بتبص من الستارة كل شوية على باب البيت قبل ما يوصل بعشر دقايق وأول ما دخل قامت نازلة بسرعة وقالت إنها نازلة تشرب مية مع إن المطبخ كان فيه مية من ساعة ما صحينا الصبح.
ولو كنت بعمل الأكلة اللي بيحبها كانت تدخل فجأة تعرض المساعدة ولو كنت بجهز الشاي كانت تقول إنها هتعمله بإيديها ولو كنت قاعدة معاه تتكلم كانت تظهر من العدم وتسحب الحوار كله ناحيتها والغريب إنها عمرها ما عرضت تساعدني في تنظيف أو غسيل أو ترتيب أو أي حاجة تخص البيت نفسه وكأن اهتمامها كله كان مركز في اتجاه واحد وبس
ومرة دخلت المطبخ بالليل علشان أشرب مية ولقيتها واقفة قدام المراية الصغيرة اللي جنب التلاجة بتحط روج خفيف جدًا ولما شافتني ارتبكت ومسحته بسرعة وقالت إنها كانت بتجرب حاجة قديمة لقتها في الشنطة وساعتها صدقتها فعلًا ، أو يمكن كنت بخدع نفسي علشان أتجنب المشكلة.
لحد الليلة اللي جمعتنا فيها حماتي على العشا واللي أنا دلوقتي شايفة إنها الليلة اللي كل الأقنعة وقعت فيها مرة واحدة...ويومها تحديدًا كانت داليا فاكرة إن خطتها قربت تنجح وإنها خلاص هتبقى ست البيت الجديدة.
لكنها ماكنتش تعرف إن الرسالة اللي اتبعتت منها بالغلط الصبح كشفتلي سر أخطر بكتير من طمعها في جوزي ، سر لو حماتي عرفته هي بنفسها اللي كانت هتطردها من البيت قبل ما تكمل كلامها.
وصلت رسالة على تليفوني الساعة عشرة إلا ربع الصبح، وأنا كنت واقفة في المطبخ بعجن العيش.
التليفون نَوّر باسم داليا.
استغربت... لأنها عمرها ما بعتتلي أي رسالة قبل كده.
فتحتها وأنا فاكرة إنها أكيد باعتاها بالغلط، وفعلاً كانت رسالة واتساب قصيرة جدًا.
متقلقش... النهارده هخلص الموضوع، وهيوافق قدامهم كلهم.
وقبل ما ألحق أستوعب، الرسالة اتمسحت.
لكن كان فات الأوان...
أنا كنت قريتها.
فضلت ماسكة الموبايل وببص للشاشة كذا ثانية، وحسيت إن قلبي بيدق بطريقة غريبة.
مين متقلقش دي؟
وإيه الموضوع اللي هيخلص النهارده؟
ومين اللي هيوافق قدامهم كلهم؟
في الأول حاولت أقنع نفسي إنها بعتتها لحد تاني بالغلط.
لكن طول اليوم، كل تصرف منها كان بيخليني أرجع أفتكر الرسالة.
كانت مبتسمة بشكل غريب...
بتتمشى في البيت وهي بتدندن.
حتى حماتي سألتها مالك يا بنتي؟ شكلك النهارده مرتاحة.
ردت بسرعة الحمد لله... يمكن لأول مرة حاسة إن ربنا هيعوضني.
الجملة عدت على الكل عادي...
إلا أنا.
فضلت أربط بينها وبين الرسالة.
ولما دخلت أوضتها بعد الضهر عشان أديها الغسيل اللي نشفته، لقيت باب الدولاب مفتوح.
كانت واقفة قدام المراية، ولابسة فستان جديد أول مرة أشوفه.
أول ما شافتني، قفلت الدولاب بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة
إيه رأيك؟ وحش؟
قولتلها حلو.
لكن عيني كانت راحت لحاجة مستخبية جوه الدولاب...
علبة هدايا سودا، وعليها شريط دهبي.
ما علقتش...
وسبتها وخرجت.
بعدها بحوالي نص ساعة، وهي في الحمام، سمعت موبايلها بيرن من أوضتها.
مش من طبعي أفتح موبايل حد.
لكن اللي شدني إن الاسم اللي ظهر على الشاشة ماكانش متسجل.
كان مجرد رقم...
وتحته قلب أبيض.
رن مرة...
اتنين...
تلاتة...
وبعدين اتقفل.
وبعد دقيقة بالظبط، وصلت رسالة ظهرت على شاشة القفل لأن الإشعارات كانت مفتوحة.
بلاش تتوتري... الليلة دي هتغيّر كل حاجة.
حسيت بقشعريرة.
مش علشان الرسالة...
علشان يقيني بدأ يكبر إن فيه حد بيرتب لحاجة كبيرة جدًا.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في الرسائل...
كانت في الحاجة اللي لقيتها بعدها بدقائق، واللي خلتني لأول مرة أتأكد إن الموضوع مش مجرد إعجاب أو محاولة تقرب من كريم...
وإن اللعبة اللي داليا بتلعبها أخطر بكتير مما كنت متخيلة.
ساعتها بس... قررت أسكت.
وأستنى.
لأن أوقات، الحقيقة لما تطلع في وقتها... بتوجع أكتر من ألف خناقة فضلت طول اليوم أمثل إني طبيعية.
ضحكت مع حماتي.
حضّرت السفرة.
وساعدت داليا نفسها وهي بتجهز السلطة، لدرجة إنها بصتلي باستغراب وقالت
مالك؟ شكلك رايق النهارده.
ابتسمت وقلت ليه؟ هو لازم أكون متضايقة؟
اتلخبطت للحظة... وبعدين ضحكت ضحكة باهتة وهي بتحاول تخبي ارتباكها.
لكن من جوايا، كنت مستنية اللحظة اللي هتكشفلي كل حاجة.
وبالليل، قبل ما الضيوف يوصلوا، كريم دخل الأوضة يغير هدومه.
وأنا بطلع القميص من الدولاب، لقيت ظرف أبيض واقع ورا الرف.
استغربت... لأن الظرف مش بتاعنا.
فتحته علشان أشوف لمين.
كان فاضي...
إلا من ورقة واحدة.
أول ما بصيت فيها، اتجمدت مكاني.
كانت فاتورة شراء شبكة... خاتم ودبلة وسلسلة.
لكن اسم المشتري ماكنش كريم.
ولا حتى اسم حد من العيلة.
كان باسم شخص غريب...
وفي آخر الفاتورة مكتوب بخط الإيد
زي ما اتفقنا... بعد إعلان الجواز.
قفلت الظرف بسرعة أول ما كريم خرج من الحمام.
لو شافني وأنا ماسكة الورقة، هيسألني ألف سؤال، وأنا لسه معنديش إجابة.
حطيت الظرف مكانه.
لكن سؤال واحد فضل يلف في دماغي...
إعلان جواز مين؟
وليه الفاتورة مستخبية في أوضة جوزي؟
نزلنا على السفرة.
البيت كان مليان قرايب.
ضحك وهزار وأكل...
لكن داليا كانت كل شوية تبص ناحية باب الصالون، كأنها مستنية حد.
وفجأة...
سمعنا جرس الباب.
دخل رجل في أواخر الخمسينات.
أول ما شافته داليا، وشها اتغير بسرعة، لكنها رجعت تبتسم وكأنها ما تعرفوش.
أما هو...
فأول ما وقعت عينه عليها، وقف ثانية كاملة