كان عندها 24سنه

لمحة نيوز

اللي حصل معاكي ما كانش أول مرة. ولأن في ناس حاولت تمنعني أتكلم.
أخرج من جيبه ظرفًا بنيًا قديمًا، ومده لياسمين.
خدي... ده كل اللي قدرت أحتفظ بيه.
فتحت الظرف بحذر.
كان بداخله صور، ونسخ من مستندات، ودفتر صغير مليان ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
وقبل ما تسأله...
سمعوا صوت فرامل سيارات عنيفة خارج المخزن.
تغير لون وجه محمود.
وقال بسرعة وصلوا... أسرع مما توقعت.
في الخارج...
أشار عمر للحراس خدوا أماكنكم.
لكن قبل أن يتحرك أحد...
انطفأت أنوار الميناء كلها مرة أخرى، وغرق المكان في ظلام دامس.
وبعد ثوانٍ...
دوى صوت إطلاق نار في الهواء.
صرخت ياسمين، وانخفضت خلف أحد الصناديق.
أما محمود...
فكان قد اختفى من المكان، ولم يبقَ سوى الظرف الذي تركه بين يديها.
وفي وسط الفوضى...
أمسك عمر بيد ياسمين وأخرجها سريعًا من المخزن.
ولما وصلوا إلى السيارة، فتحت ياسمين الدفتر الصغير.
في أول صفحة كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بخط واضح
لو وصل الدفتر لياسمين... يبقى أنا غالبًا مش هكون موجود. الحقيقة كلها تبدأ من البيت القديم في قرية الصفا، تحت الأرض... لكن احذروا، لأن المفتاح مش معايا.
أغلقت ياسمين الدفتر وهي تنظر إلى عمر، وأدرك الاثنان أن رحلتهما لم تنتهِ بعد، بل بدأت تقودهما إلى لغز جديد، قد يكشف الحقيقة التي ظلّت مخفية لسنوات ساد الصمت داخل القبو.
أغلق الضابط الصندوق الحديدي بسرعة، وقال
محدش يطلع قبل ما نتأكد مين اللي بره.
أطفأ أحد أفراد الشرطة الكشافات، ولم يبقَ سوى ضوء خافت يتسلل من فتحة السلم.
بدأت الخطوات تُسمع فوق رؤوسهم...
خطوة...
ثم أخرى...
ثم توقف كل شيء.
مرّت ثوانٍ بدت وكأنها ساعات.
وفجأة، جاء صوت من الأعلى
أنا داخل... ومش معايا سلاح.
نظر الضابط إلى عمر، فأومأ له برأسه.
صعد اثنان من أفراد الشرطة أولًا، ثم تبعهما عمر.
كانت الصدمة...
الرجل الذي وقف في منتصف البيت كان يحمل حقيبة جلدية قديمة، ويرفع بطاقة تعريفه.
قال بهدوء
أنا محامي المرحوم فؤاد السيوفي.
تبادل الجميع النظرات.
سأله الضابط
وجاي ليه دلوقتي؟
فتح المحامي الحقيبة، وأخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
موكلي سلمني الظرف ده من سنين، وقال مايتفتحش إلا إذا اتفتح القبو.
اقتربت ياسمين ببطء.
كان اسمها مكتوبًا على الظرف بخط واضح.
إلى الآنسة ياسمين... يُفتح بواسطتها فقط.
ناولها المحامي الظرف.
ترددت للحظات، ثم كسرت الختم.
كان بداخله خطاب قصير ومفتاح آخر أصغر حجمًا.
بدأت تقرأ بصوت مرتجف
إذا وصل إليك هذا الخطاب، فاعلمي أن الحقيقة التي تبحثين عنها موجودة، لكن لا تثقي بكل ما تسمعينه، ولا بكل من يقف إلى جوارك. داخل الصندوق الحديدي يوجد درج سري لن يفتحه إلا هذا المفتاح.
انتهت من القراءة، ونظرت إلى المفتاح الصغير.
عاد الجميع إلى القبو.
أخذ عمر يفحص الصندوق مرة أخرى، حتى لاحظ فتحة صغيرة بالكاد تُرى.
أدخلت ياسمين المفتاح...
فصدر صوت طَق.
خرج درج مخفي من أسفل الصندوق.
فتحوه بحذر...
فوجدوا بداخله جهاز تسجيل قديم، ودفترًا صغيرًا، ومظروفًا آخر.
قال الضابط
هنرسل كل ده للأدلة الجنائية.
لكن قبل أن يلمسه...
ضغط عمر على زر التشغيل في جهاز التسجيل.
خرج صوت رجل يقول
إذا كنتم تسمعون الرسالة دي... فمعنى كده إن الوقت حان تنكشف الحقيقة.
تجمد الجميع في أماكنهم.
ثم أكمل الصوت
لكن قبل ما تعرفوا اسمي... لازم تعرفوا إن الشخص اللي كان بيساعدني طوال السنين الماضية... موجود بينكم دلوقتي.
ساد القبو صمت مرعب...
وبدأ الجميع ينظر إلى الآخر، وكل واحد يتساءل في داخله
من هو الشخص الذي كان يقصده التسجيل؟حبس الجميع أنفاسهم.
الخطوات كانت تقترب ببطء...
درجة...
ثم الثانية...
ثم الثالثة.
رفع الضباط كشافاتهم ناحية السلم.
وفجأة...
ظهر رجل مسن يرفع يديه عاليًا وهو يقول بصوت مرتعش
ما تضربوش... أنا أعزل.
اقترب منه أحد الضباط بحذر.
إنت مين؟
رد الرجل
اسمي عبد الرحمن... وأنا حارس البيت من زمان.
استغربت ياسمين.
حارس؟! والبيت مهجور!
ابتسم الرجل بحزن وقال
الناس فاكرة إنه مهجور... لكن كان عندي وصية إني أفضل أحافظ عليه لحد ما ييجي الشخص الصح.
سأله عمر
والشخص الصح ده مين؟
بص الرجل مباشرة ناحية ياسمين.
هي.
تجمدت ياسمين في مكانها.
أنا؟
هز رأسه.
قبل سنين طويلة، جه راجل وسلمني أمانة، وقاللي لو في يوم بنت اسمها ياسمين وصلت هنا، سلّمها ده.
مد يده داخل جيبه، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، عليه نفس العلامة المرسومة في الدفتر.
ناول المفتاح لياسمين.
فضلت محتفظ بيه السنين دي كلها.
أخذت ياسمين المفتاح وهي غير مصدقة.
نزل الجميع إلى الباب الحديدي.
أدخلت المفتاح في القفل...
ودار بسهولة.
صدر صوت احتكاك قوي، وانفتح الباب ببطء.
هبطوا درجات حجرية قديمة حتى وصلوا إلى قبو واسع.
كان المكان مليئًا بصناديق خشبية ورفوف مغطاة بالغبار.
وفي منتصف القبو...
وجدوا صندوقًا حديديًا كبيرًا.
اقترب عمر منه وفتحه بحذر.
لكن بدل ما يلاقوا ذهب أو أموال...
وجدوا عشرات الملفات، وعقودًا قديمة، وسجلات رسمية، وأجهزة تخزين إلكترونية.
قال الضابط وهو يقلب الأوراق
دي مستندات مهمة جدًا... دي ممكن تكشف قضايا قديمة لسه ما اتحلتش.
وبينما كانوا يفحصون الصندوق...
لفت انتباه ياسمين إطار صورة موضوع في آخر الرف.
مسحت عنه التراب.
كانت صورة عائلية قديمة.
وفيها...
هي نفسها وهي طفلة صغيرة، مع والديها.
لكن هذه المرة...
وجه الرجل الذي كان مشطوبًا في الصورة السابقة ظهر بوضوح.
شهق الجميع.
أما عمر، فظل ينظر للصورة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض
يبقى... هو كان موجود من البداية.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت محرك سيارة يقف خارج المنزل...
ثم صوت باب يُغلق بعنف.
نظر الضابط من النافذة الصغيرة للقبو، وتغيرت ملامحه.
وقال بسرعة
في حد وصل... ويبدو إنه كان عارف إننا هنفتح القبو النهارده.
وساد المكان صمت ثقيل، بينما اتجهت كل الأنظار إلى السلم المؤدي إلى الخارج... انتظارًا لمعرفة هوية القادم انقطعت أنفاس الجميع.
ساد صمت ثقيل داخل القبو، ولم يعد يُسمع سوى صوت جهاز التسجيل.
عاد الصوت يقول
لو وصلتوا للرسالة دي... يبقى أكيد هتبدأوا تشكوا في بعض. وده بالضبط اللي كان المخطط ليه.
نظر الضابط إلى الموجودين وقال بحزم
محدش يتكلم... خلوا التسجيل يكمل.
أكمل الرجل في التسجيل
الشخص اللي ساعدني... ماكانش شريك في أي جريمة. بالعكس... كان بينقل المعلومات للجهات المختصة من غير ما حد يعرف، ولو انكشف اسمه وقتها، كان هيكون في خطر.
تنفس الجميع الصعداء، لكن التوتر لم يختفِ.
ثم جاء الاسم...
الشخص ده هو... محمود.
شهقت ياسمين.
محمود؟! الحارس اللي قابلناه في الميناء!
هز عمر رأسه وقال
كنت حاسس إنه مخبي حاجة... لكنه ماكانش مجرم.
تابع التسجيل
لو محمود قدر يوصل الدفتر لياسمين، يبقى نفذ آخر وعد أخده مني.
في هذه اللحظة، دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يحمل هاتفه.
قال بقلق
وصلنا بلاغ من المستشفى.
التفت الجميع إليه.
محمود لسه عايش... وتم نقله للمستشفى بعد ما اتصاب ليلة الميناء.
وقفت ياسمين بسرعة.
يعني نقدر نسأله!
قال الضابط
لازم نتحرك حالًا.
خرج الجميع من القبو واتجهوا إلى المستشفى.
لكن عندما وصلوا...
خرج الطبيب بملامح حزينة وقال
هو فاق من دقائق... وقال إنه لازم يقابل الآنسة ياسمين لوحدها.
دخلت ياسمين الغرفة.
كان محمود متعبًا جدًا، لكنه ابتسم عندما رآها.
قال بصوت ضعيف
الحمد لله... لحقت أوصلك.
جلست بجواره وقالت
مين اللي عمل فيك كده؟
نظر إلى الباب ليتأكد أنه مغلق، ثم همس
اسمعي كويس... الشخص اللي بتدوروا عليه... لسه حر.
وقبل أن ينطق بالاسم...
انفتح باب الغرفة فجأة.
التفت الجميع نحو الباب...
ودخل شخص لم يكن أحد يتوقع ظهوره دخل الطبيب الغرفة ومعه رجال الشرطة.
لكن الرجل الذي دخل بعده لم يكن مجرمًا...
كان والد إسراء.
اقترب بخطوات بطيئة، ثم قال بصوت مكسور
أنا جاي أسلّم نفسي... وأقول الحقيقة كلها.
نظر إليه الجميع في دهشة.
قال الرجل
بنتي غلطت لما وثقت في الناس دي، لكنها لما عرفت الحقيقة حاولت تساعد الشرطة في السر. والليلة اللي هربت فيها ياسمين، إسراء كانت بتحاول تكسب وقت علشان تقدر تبلغ عنهم.
سألت ياسمين
وهي لا تزال غير مصدقة
يعني... كانت بتحاول تنقذني؟
أطرق الرجل برأسه وقال
هي أخطأت لما خدعتك، وفضلت طول عمرها ندمانة على اللحظة دي.
في تلك اللحظة، أمسك محمود بيد ياسمين بصعوبة وقال
أهم حاجة... متخليش الكره يضيع الحقيقة.
ثم أغمض عينيه، ونُقل إلى العناية المركزة.
بعد أسابيع من التحقيقات، استخدمت الجهات المختصة المستندات والملفات التي وُجدت في القبو، وتم القبض على جميع أفراد الشبكة، وأُغلقت كل الأنشطة غير القانونية المرتبطة بها، وصدر بحق المتورطين أحكام وفقًا للقانون.
أما إسراء، فقد تعاونت مع التحقيقات وقدمت كل ما لديها من معلومات، وأُخذ تعاونها في الاعتبار ضمن الإجراءات القانونية.
بعد عدة أشهر...
وقفت ياسمين أمام البيت القديم في قرية الصفا للمرة الأخيرة.
كان البيت سيُهدم بعد انتهاء التحقيقات.
نظرت إليه، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
اقترب منها عمر الكيلاني وقال
انتهى كل شيء.
ردت وهي تنظر إلى السماء
لأ... اللي انتهى هو خوفي.
ثم أضافت
دلوقتي أقدر أبدأ حياتي من جديد.
ابتسم عمر وقال
وده أهم انتصار.
غادرا المكان، بينما كانت أشعة الشمس تشرق على القرية لأول مرة منذ أيام طويلة من الغموض.
وأدركت ياسمين أن ليلة المطر التي بدأت بالخوف... كانت في النهاية بداية حياة جديدة، وأن النجاة لا تأتي دائمًا من القوة، بل أحيانًا من قرار شجاع يُتخذ في اللحظة المناسبة.
تمت.

تم نسخ الرابط