انا شغال

لمحة نيوز

أنا شغال مهندس في موقع مقاولات كبير في منطقة نائية، ومراتي الأولى هناء قاعدين بيها أهلي في الشقة اللي فوقهم في القاهرة. هناء شالت البيت كله، مسؤولة عن أمي الطاعنة في السن ومتابعة أدوية أبويا، غير طلبات البيت اللي مابتعخلصش.
لما نزلت إجازة وكلمت أمي إني محتاج آخد هناء معايا الشاليه اللي محجوزلي من الشركة هناك عشان تشيل عني وتشوف طلباتي، أمي قامت وماقعدتش، وقالتلي لما تاخد هناء مين يخدمنا ويراعينا في السن ده؟ دي أيدنا ورجلنا!.
وبعدها قالتلي على الفكرة اتجوزلك واحدة من البتوع اللي شغالين في إداريات الشركة عندك من غير ما حد يعرف، تخلي بالها منك هناك، وبعد كام سنة لما تخلف منها هاتها ونعرف هناء ونحطها قدام الأمر الواقع!.
الفكرة دخلت دماغي ونفذتها فوراً. كان فيه مهندسة زريفي معايا في المشروع اسمها سارة، شيك ومهتمة بنفسها جداً. بدأت أتقرب منها وأظهرلها إني عايش لوحدي ومحتاج استقرار، وفعلاً أقنعتها ووافقت على الجواز.
اتجوزنا وعملتلها حفلة كبيرة في فندق، وأهلي جوم يحضروا ويزغرطوا من غير ما هناء تعرف أي حاجة. أخدتها وسافرنا نعمل شهر عسل، وكنت طاير بيها وبنفذلها كل كلمة تقولها، والعيشة بيننا كانت دلع في دلع.
على الناحية الثانية، لما كنت بنزل القاهرة أزور أهلي وأشوف هناء، كنت بحس بنفور مش طبيعي منها. هناء وجهها كان دايماً باهت ومجهد من الخدمة، إيديها خشنة، ودايماً بتشتكي من وجع كعب رجلها وضهرها من الوقفة. كنت بتلكك بتعبها عشان ماأقربش منها، ولما كانت تترجاني تاجي معايا تغير جو وتشوف أهلها اللي قريبين من موقع شغلي، كنت بسيب أمي تدخل معاها في خناقة وأسافر أنا وأهرب.
بعد أربع شهور، سارة طلعت حامل وتعبت من الحمل، وشرطت عليا شرط قاطع أنا تعبانة ولازم أروح بيت أهلك في القاهرة ويتعرفوا عليا ورسمي، ولو معملتش كده هلم هدومي وأرجع بيت أهلي وماكتملش معاك!.
طبعاً ماقدرتش أرفضلها طلب ورضخت فوراً. كلمت أمي في التليفون وقلتلها إننا جايين وسارة حامل.
أمي فكرت في حيلة عشان تستغل هناء لآخر لحظة؛ طلبت منها تعمل عزومة وطبخ ثقيل محاشي وبشاميل وطواجن للضيوف اللي جايين، وقالتلها إن دي عزومة لمهندسين زمايلي ورؤسائي في العمل جايين مع جوزها عشان يكبروه، عشان هناء ما تزعلش ولا ترفض تعمل الأكل!
هناء فضلت طول الليل والنهار واقفة في المطبخ تعرق وتتعب وتجهز الصواني بكل حب وفخر عشان تكبرني قدام زمايلي.
على أذان العصر، وصلت أنا وسارة. دخلت من باب البيت وأنا ماسك إيد سارة وحاطط إيدي حولين وسطها وبدلعها، وأهلي كلهم قاموا يرحبوا بيها ويهللوا باللي في بطنها.
في اللحظة دي، خرجت هناء من المطبخ وهي شايلة صينية الطواجن السخنة، وشها عرقان وهدومها متبهدلة من وقفة المطبخ.. وقفت لثواني مصدومة، عينيها اتوسعت وهي شايفاني ضامم سارة، وإيديها اترعشت لحد ما الصينية وقعت اتدفقت على الأرض، وقفت تتفرج عليا وعلى أهلي وهي مش فاهمة إزاي الأكل اللي هد حيلها طول اليوم كان عشان تستقبل بيه ضرتها!
الكاتبه_امانى_سيد 
هناء فضلت واقفة مكانها، لا بتصرخ ولا بتعيط.
كانت بس بتبصلي... بصّة هادية بشكل خوّفني أكتر من أي انفعال.
أمي جريت عليها بسرعة وقالت وهي بتحاول تلم الموضوع
إيه اللي عملتيه ده؟ الصينية كلها راحت! الضيوف هييجوا دلوقتي!
لكن هناء ما ردتش.
انحنت بهدوء، شالت قطعة فخار مكسورة من الأرض، حطتها على الترابيزة، وبعدها رفعت عينيها لسارة.
سارة كانت لسه ماسكة في دراعي، لكن ابتسامتها اختفت أول ما شافت شكل هناء.
بصتلي باستغراب وهمست
مين الست دي؟
أنا بلعت ريقي، ولسه هتكلم...
لكن أمي سبقتني وقالت بسرعة
دي... دي واحدة من قرايبنا، كانت بتساعدنا في تجهيز الأكل.
هناء لفت وشها ناحيتها ببطء.
ولأول مرة من سنين... ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، لكن فيها معنى خلّى أمي نفسها تسكت.
قالت هناء بصوت هادي
قريبة؟
وسكتت ثانيتين.
يعني بعد عشر سنين جواز... بقيت قريبة؟
الصالة كلها سكتت.
حتى سارة بدأت تبصلي بنظرات مختلفة.
قالت وهي بتسحب إيدها من إيدي
هو... هي بتقول عشر سنين جواز؟
حاولت أتكلم، لكن الكلام وقف في زوري.
أبويا نزل بعينه في الأرض.
وأمي بدأت تتوتر لأول مرة.
في اللحظة دي... جرس الباب رن.
الضيوف وصلوا.
وأمي جريت تفتح وهي بتحاول تمنع أي حد يتكلم.
لكن أول شخص دخل من الباب قال جملة قلبت الموقف كله...
يتبع...فتح باب الشقة، ودخل أول مهندس من زمايلي وهو بيضحك بصوت عالي
مبروك يا باشمهندس... أخيرًا هنتعرف على المدام اللي بتحكيلنا عنها!
اتجمدت في مكاني.
قبل ما أقدر أشاور أو أتكلم، هناء خرجت من المطبخ بعد ما مسحت إيديها في المريلة، وقالت بابتسامة هادئة
أهلاً وسهلاً... اتفضلوا.
المهندس سلم عليها تلقائيًا وقال
إزيك يا مدام هناء؟ الباشمهندس دايمًا بيقول إنك ست أصيلة وإنك واقفة جنبه من أول يوم.
سارة التفتت ناحيتي بسرعة.
اسمها... هناء؟
حاولت أضحك وأغير الموضوع.
لا... حضرتك فاهم غلط.
لكن مهندس تاني دخل وهو شايل هدية كبيرة وقال
فين مدام هناء؟ الهدية دي مخصوص ليها عشان كانت دايمًا بتبعتلنا الأكل معاك زمان.
سارة وشها اتغير تمامًا.
بصت بيني وبين هناء، ثم على أمي، ولاحظت الارتباك اللي مالي البيت كله.
قالت بهدوء، لكنه كان هدوء يسبق العاصفة
ممكن حد يفهمني... هي مين هناء بالظبط؟
أمي حاولت تقاطعها
يا بنتي اقعدي الأول وكلي لقمة...
لكن سارة رفعت إيدها وقالت
لا... مش هقعد غير لما أفهم.
في نفس اللحظة، هناء دخلت أوضتها من غير ما تنطق بكلمة.
بعد دقيقة واحدة فقط...
رجعت وهي ماسكة في إيدها ملف أزرق قديم، وعليه تاريخ من عشر سنين.
حطته على الترابيزة قدام الكل.
وقالت جملة واحدة فقط
بما إن الحقيقة لازم تظهر... يبقى الكل يشوف بنفسه.
ومدت إيدها تفتح الملف...
يتبع...هناء سحبت الورقة من الظرف بهدوء، بينما كل العيون كانت متعلقة بإيديها.
أمي قامت من مكانها وهي بتقول بانفعال
اقفلي الظرف يا هناء... مش وقته!
لكن هناء ردت لأول مرة بنبرة حاسمة
لا... ده وقته بالظبط.
فردت الورقة على الترابيزة.
أنا أول ما شفتها، حسيت الأرض بتميد بيا.
كانت بخط إيدي.
سارة أخدتها تقراها، وكل سطر كانت ملامحها بتتغير أكتر.
قالت وهي بترفع عينيها ناحيتي
إنت كاتب بخط إيدك هناء، استحملي شوية لحد ما أنقل شغلي، وبعدها هتعيشي معايا ومش هخليكي تخدمي حد غير نفسك...
سكتت لحظة، وكملت القراءة
إنتِ تعبتِ عشاني، ووعد مني هعوضك عن كل يوم شيلتي فيه هم أهلي.
سارة طوت الورقة ببطء.
وقالت
يبقى إنت كنت عارف إنها مظلومة... ووعدتها... وبرضه عملت فيها كده؟
ماعرفتش أرد.
كل كلمة كانت بتخنقني.
أبويا سند راسه بإيده، وكأنه لأول مرة يشوف حجم اللي حصل.
أما الضيوف، فبقوا يبصوا لبعض في صمت محرج.
وفجأة...
رن جرس الباب مرة تانية.
أمي اتوترت وقالت
مين هيجي دلوقتي؟
راحت تفتح الباب.
وبعد ثواني، رجعت وهي وشها أصفر.
وراها كان واقف شخص محدش في البيت كله كان متوقع يشوفه في اللحظة دي.
أول ما دخل، بص مباشرة على هناء، وقال
أنا آسف إني اتأخرت... لكن أظن إن دلوقتي بقى الوقت المناسب أقول الحقيقة اللي فضلِت مستخبيّة كل الشهور اللي فاتت.
اتجمدت في مكاني...
لأن الشخص ده كان يعرف سرًا لو اتقال، هيقلب حياة كل واحد في البيت رأسًا على عقب.
يتبع...أول ما فتحت هناء الملف، الكل اتلفت ناحيته.
أنا

تم نسخ الرابط